من الاقتصاد إلى السياسة... هل يشتري علي الزيدي الوقت لـ"الإطار التنسيقي"؟

تكليف شخصية من خارج العناوين السياسية التي تمثل الكتلة النيابية الأكثر عدداً، ليس الحدث الأول من نوعه في العراق بعد تغيير نظام حكمه من الدكتاتوري إلى "الديمقراطي"

رويترز
رويترز
رئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته محمد شياع السوداني ورئيس الوزراء المكلف علي الزيدي في القصر الحكومي ببغداد في 27 أبريل 2026

من الاقتصاد إلى السياسة... هل يشتري علي الزيدي الوقت لـ"الإطار التنسيقي"؟

على خلاف الأسماء التي جرى تداولها لرئاسة الحكومة التاسعة طوال الأسبوعين الماضيين، كلف "الإطار التنسيقي" السيد علي الزيدي لتشكيل الحكومة القادمة. رئيس الوزراء المكلف لا يعرفه الأعم الأغلب من العراقيين. فهو يأتي من عالم المال والاقتصاد إلى السياسة، من دون أن يكون له حضور سابق في المجال السياسي.

قد يكون تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة القادمة، خبراً مفاجئاً لكثير من المراقبين وحتى السياسيين. لكنه وعلى ما يبدو، كان يطبخ على نار هادئة من قبل فاعلين سياسيين داخل "الإطار التنسيقي" ومن خارجه. لكن المفاجأة هي أن يتنازل السيد المالكي الذي تم الإعلان عن تكليفه من قبل "الإطار التنسيقي" قبل أشهر، ولكن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عبّر عن رفضه لذلك الترشيح. وكذلك رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني الحاصل على أعلى الأصوات في الانتخابات الأخيرة، والذي كان فريقه والمقربون منه يصرخون ليلاً ونهاراً بضرورة احترام الاستحقاق الانتخابي.

تكليف علي الزيدي يمثل انتقالة جديدة في نمط اختيار رئيس الوزراء. فالخبرة السياسية أو التراتبية في العمل السياسي ليست من ضمن مؤهلاته

تكليف شخصية من خارج العناوين السياسية التي تمثل الكتلة النيابية الأكثر عدداً، ليس الحدث الأول من نوعه في العراق بعد تغيير نظام حكمه من الدكتاتوري إلى "الديمقراطي". إذ اختارت القوى السياسية الشيعية بعد انتخابات 2018، السيد عادل عبد المهدي وهو كان مستقيلاً من العمل السياسي تقريباً، ولم يشارك في التنافس الانتخابي. وتكررت التجربة نفسها مع السيد مصطفى الكاظمي بعد أزمة احتجاجات أكتوبر/تشرين الأول 2019. بيد أن عبد المهدي والكاظمي كانا يعملان ضمن المنظومة السياسية الحاكمة وليس من خارجها. أما علي الزيدي فهو لم يشارك في الانتخابات ولم يسجل حضورا في النشاطات السياسية.

شراكة المال والسياسة

تخبرنا تجارب السياسة في بلداننا، أن السلطة تلد الثروة. لذلك يكون المنصب السياسي هو مفتاح خزائن الأموال. وهذه المعادلة على عكس تجارب البلدان المتقدمة، التي تشهد انتقال رجال الأعمال من المال والاقتصاد إلى السياسة والعمل الحكومي.

تكليف السيد علي الزيدي يمثل انتقالة جديدة في نمط اختيار رئيس الوزراء. فالخبرة السياسية أو التراتبية في العمل السياسي ليست من ضمن مؤهلاته. وإنما هو قادم من قطاع المال والاقتصاد إلى عالم السياسة. إذ كما تشير سيرته الذاتية، إلى أنه "يملك رصيداً متنوعاً من الخبرة القانونية والمالية والتنفيذية"، أما حضوره البارز فهو يتركز في "إدارة المؤسسات الاقتصادية والتعليمية والطبية".

أ.ف.ب
رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي في مكتبه ببغداد، في 28 أبريل 2026

الزيدي وهو في بداية الأربعينات من العمر يجمع تحصيله الدراسي بين القانون والتخصص في العلوم المالية والمصرفية. ويشغل منصب رئيس مجلس إدارة "الشركة الوطنية القابضة"، وهي شركة تملك وتدير مجموعة من الشركات ذات الانشطة المتعددة. وكذلك يملك مؤسسات تعليمية تعمل ضمن القطاع الخاص.

لدى الزيدي شراكات استثمارية مع وزارات الدولة، وتحديداً وزارتي التجارة والدفاع. ومثل هذه الشراكات تكون قادرة على مد جسور مع الفاعلين السياسيين. خصوصاً أن الاقتصاد العراقي نموذج مشوه الملامح كونه يريد أن يجمع بين التوجه نحو الاقتصاد الحر ومنظومة تشريعات وقوانين الاقتصاد الاشتراكي. لذلك تتكون أغلب النشاطات الاقتصادية والاستثمارية وتتوسع عبر شراكة المال والسياسة.

لا يحلم كثير من العراقيين بأن تكون الحكومة القادمة قادرة على معالجة الفقر ومحاربة الفساد والارتقاء بالمستوى المعيشي أو إحداث طفرة تنموية وعمرانية

لعبة السياسة في العراق معقدة جداً. صحيح أن أوراقها مكشوفة للجميع، ولكن التعقيد في العلاقة بين الفاعلين فيها. فالتداخل بين السياسة والمال والسلاح أنتج منظومة حكم وظيفتها الرئيسة ضمان العلاقة بين النفوذ السياسي وتضخيم السطوة على موارد الدولة واقتصادها. لذلك سيكون معيار اختيار شخصية تشغل المنصب التنفيذي الأعلى في الدولة، من قبل الفاعلين السياسيين، ليس الاحترافية السياسية. وإنما تكون إدارة شبكة المصالح المتشابكة بين الاقتصاد والسياسة والسلاح.

هل يمضي؟

أسوأ كابوس يمكن أن تفكر فيه قوى "الإطار التنسيقي"، هو تكرار سيناريو رفض ترشيح نوري المالكي من قبل الرئيس ترمب الذي نشر عبر منصته على "تروث سوشيال" رفضه لذلك الترشيح. وربما لن يكرر ترمب ذلك، ولكن تكليف الزيدي من قبل "الإطار التنسيقي" يأتي في مشهد متزايد التعقيد تمر به العلاقة بين الولايات المتحدة والعراق لا سيما أن إعلان التكليف يتزامن مع تسريبات لرسالة القائم بأعمال السفارة الأميركية في بغداد جوشوا هاريس، والتي تضمنت إشارة إلى أن "القضية الأكبر هي ما إذا كان العراق سيختار أن يكون شريكاً أم خصماً للولايات المتحدة في المرحلة المقبلة". وبغض النظر عن صحة هذه الرسالة من عدمها. فإنها لا تختلف عن السياق العام الذي تتضمنه بيانات الخارجية الأميركية وسفارتها في بغداد والتي تتهم الحكومة بعجزها عن مواجهة الميليشيات المسلحة. وكذلك رصد مكافأة مالية لمن يدلي بمعلومات عن أسماء سياسية داخل "الإطار التنسيقي" مثل: أبو آلاء الولائي، وحيدر الغراوي.

رويترز
الرئيس العراقي نزار عمادي ورئيس الوزراء المكلف علي الزيدي، يقفان مع شخصيات سياسية خلال مراسم تكليف الزيدي بتشكيل حكومة جديدة، في بغداد، العراق، في 27 أبريل 2026

وربما يكون الكابوس ليس في رفض إدارة ترمب ترشيح السيد الزيدي مباشرة، ولكن في الاشتراطات الأميركية التي تقيد تشكيل حكومته وتجعل تمريرها داخل البرلمان أصعب. فالرسالة التي نقلها القائم بأعمال السفارة الأميركية تشترط عدم مشاركة أي قوة سياسية لديها فصيل مسلح في الحكومة القادمة، سواء كان بشخصياتهم السياسية أو عبر وزراء تكنوقراط، ولن تتعامل واشنطن مع أي حكومة يشارك فيها هؤلاء. لذلك فإن قائمة الاشتراطات الأميركية التي يجب أن تلتزم بها الحكومة القادمة قد تكون عقبة أمام تمريرها في برلمان تسيطر عليه قيادات تشعر أن تلك الاشتراطات لا تهدد مصالحها فحسب، وإنما وجودها السياسي أيضا.

وهناك أيضا من يطرح فرضية أن ترشيح الزيدي هو لكسب الوقت من قبل قوى "الإطار التنسيقي"، وكمبادرة للالتزام بالمواعيد الدستورية. ولذلك يكون هذا الترشيح مناورة لكسب شهر كامل، وليس بالضرورة أن ينال الثقة من قبل البرلمان. وقوى "الإطار" بحاجة إلى هذا الهامش من الزمن حتى تعرف مصير الحرب بين أميركا وإيران، وكيفية ترتيب أوراقها في ضوء انعكاساتها على العراق. 

بين الداخل والخارج

لا يحلم كثير من العراقيين بأن تكون الحكومة القادمة قادرة على معالجة الفقر ومحاربة الفساد والارتقاء بالمستوى المعيشي أو إحداث طفرة تنموية وعمرانية. لأن هذه العناوين أصبحت تعبر عن ترف في المطالب وليس ضرورة نحتاجها. ولكن باتت أحلامهم وقف التدهور والفوضى عند الحدود التي وصلت إليها البلاد. إذ من الحماقة التفكير بأن القوى السياسية الفاعلة تفكر بأولويات استعادة حضور الدولة على حساب مصالحها.

من الممكن أن تكون صديقاً لطهران وشريكا استراتيجيا مع واشنطن، ولكن لا يقبل الأميركيون أن تكون شريكا استراتيجيا مع طهران وواشنطن في الوقت ذاته

وإذا تمكن السيد الزيدي من تشكيل حكومته ونال ثقة البرلمان عليها. سيكون بانتظاره الكثير الملفات المعقدة المطروحة على طاولة مكتب رئيس الوزراء. وسيكون تحقيق التوازن بين تعقيدات البيئة السياسية الداخلية وتعقيدات السياسة الدولية والإقليمية أشبه بالمهمة المستحيلة. لا سيما أن دخان دمار حرب أميركا وإسرائيل ضد إيران، وهجمات إيران ضد دول الخليج العربي لا يزال يتصاعد ويغطي سماء الشرق الأوسط.

في الداخل، ربما تتجه المؤشرات إلى أن الملف الاقتصادي سيكون التحدي الأبرز أمام الحكومة القادمة، خصوصاً في ظل انعكاس إيقاف تصدير نفط العراق، وتكلفة الإنفاق العالية على رواتب القطاع العام، وكذلك تراكم حجم المديونية العالية التي خلفتها الحكومات السابقة.

رويترز
سوق الشورجة ببغداد، العراق، 8 سبتمبر 2025

لكن ما ينتظر الحكومة القادمة من ملفات في السياسة الخارجية أكثر تعقيداً من مؤشرات الأزمات الاقتصادية. إذ إن فشل حكومة محمد شياع السوداني في منع العراق من أن يكون جبهة إسناد لإيران في حربها مع أميركا وإسرائيل، وأن يكون العراق متهماً من قبل دول الخليج بقيام الفصائل المسلحة بشن هجمات على المنشآت الاقتصادية والسيادية في تلك الدول، يجعل محاولة إعادة ترتيب العلاقات مع المحيط الإقليمي ملفا يحتاج الكثير من السياسات الفاعلة لإعادة الثقة بين العراق ودول الخليج.

أما العلاقة مع أميركا فهي تحتاج أن تكون أكثر وضوحاً، فبقاء العلاقة ضمن توصيف الأصدقاء-الأعداء لم يعد مقبولا لدى إدارة ترمب. والانتقال نحو تعزيز الشراكة الاستراتيجية يحتاج خطوات عملية تعتقد الولايات المتحدة أنها من الأولويات التي يجب أن تقوم بها الحكومة القادمة سواء على مستوى مواجهة السلاح الذي يهدد الوجود والمصالح الأميركية في العراق، وكيفية التعامل مع النفوذ الإيراني وأذرعه وأدواته في العراق. إذ من الممكن أن تكون صديقاً لطهران وشريكا استراتيجيا مع واشنطن، ولكن لا يقبل الأميركيون أن تكون شريكا استراتيجيا مع طهران وواشنطن في الوقت ذاته.

font change

مقالات ذات صلة