العراق... منزلة بين اللاحرب واللاسلم

حرب الآخرين على الأرض العراقية

غريغوري سافيدرا
غريغوري سافيدرا

العراق... منزلة بين اللاحرب واللاسلم

توهمنا كثيرا بعد أن انتهت عاصفة 7 أكتوبر/تشرين الأول، وبرميل البارود في العراق لم تصله شرارة نار الحروب المشتعلة بالشرق الأوسط. وكنت من بين المتوهمين بأن العراق نجا من طوفان النار في الشرق الأوسط. لكن حرب آخر أيام فبراير/شباط الماضي لم تكن كذلك.

قبل بدء حرب أميركا وإسرائيل ضد إيران، كانت حكومة محمد شياع السوداني المنتهية ولايتها- وهي الآن تعمل بصفة تصريف أعمال- قد صدعت رؤوسنا بتفاخرها بنجاحها الدبلوماسي عندما تمكنت من إبعاد العراق عن دوائر اشتباك نيران الحروب التي اشتعلت في المنطقة بعد "طوفان الأقصى". لكن بغداد اليوم، هي ضمن التقسيمات الأربعة في شاشات القنوات الفضائية التي تنقل مباشرة عمليات الحرب في تل أبيب، وطهران وبيروت.

من خطّط لهذا الطوفان ربما لم يكن يدرك أنه سيتحول إلى "طوفان الشرق الأوسط"، وليس ضمن حدود مناطق المسجد الأقصى المتصارع عليها بين الإسرائيليين والفلسطينيين. إذ حتى من لم يكن طرفا في صراعات النفوذ المسلحة في المنطقة، أصبح ضمن دوائر اشتباك الحرب، رغما عنه وليس بإرادته. كما هو حال دول الخليج كالسعودية والإمارات والبحرين والكويت وقطر، وحتى عُمان التي كانت وسيطا بين واشنطن وطهران.

لكن هذه البلدان، رغم تعرضها للعدوان، لم تعلن دخولها الحرب إلى جانب أميركا وإسرائيل ضد إيران. على عكس وضع العراق في هذه الحرب، وهو ما يعتبر منزلة بين منزلتين. فهو ساحة اشتباك بين الأطراف المتحاربة. فإيران لديها أهداف محددة تستهدفها بين فترة وأخرى. وأميركا وإسرائيل تقصفان بشكل يومي مقرات عسكرية يتمركز فيها "الحشد الشعبي". والمفارقة أن فصائل مسلحة عراقية، دخلت الحرب بعنوان جبهة إسناد لإيران تستهدف مقرات البعثات الدبلوماسية الأجنبية في بغداد وإقليم كردستان، ومؤسسات حكومية، ومنشآت نفطية!

حالة نكران وعدم اعتراف بالواقع، يعيشها الفاعلون السياسيون في العراق. إذ تعلن فصائل مسلحة أن سلاحها حان وقت دخوله إلى المعركة، والانتماء لعنوان يتجاوز الدولة وحدودها ولا يعترف بمفهوم السيادة

كل هذا يحدث على الأراضي العراقية، وحكومة بغداد تكتفي ببيانات الرفض والاستنكار والإدانة. وفي بياناتها متلازمة يجب أن يحضر فيها رفض استهداف البعثات الدبلوماسية، ورفض القصف الأميركي على مقرات "الحشد الشعبي". ورئيس الوزراء المنتهية ولايته، يكرر أيضا رفضه مصادرة قرار الدولة بإعلان الحرب. وكأنما هو يعترف بوجود قوى سلاح موازية تريد السطو على وظيفة الدولة باحتكار العنف المنظم.

ثنائية "الحشد" والفصائل

لا نسمع في العراق دوي صفارات الإنذار، لأنها غير موجودة في مناطق بغداد، إلا في المنطقة الخضراء في مقر السفارة الأميركية. ولكن يوميا نسمع ضجيج الطائرات الحربية التي تحلق في سماء بغداد. وتتكرر أصوات الانفجارات هنا وهناك. بعضها يتم الإعلان عنه، فيما يتم التكتم على الأهداف التي استُهدفت في مناطق سكنية. الأطراف التي تتبادل هذه الهجمات إما أن تكون أميركية تستهدف مقرات أو شخصيات محددة، وإما هجمات فصائل مسلحة ببيانات تحمل عناوين، تارة تكون "تنسيقية المقاومة الإسلامية في العراق" وأخرى تحمل توقيعا باسم "أولياء الدم" أو "أصحاب الكهف".

مناطق كردستان العراق، تتعرض إلى هجمات مزدوجة مرة تكون طائرات مسيرة تطلقها الفصائل المسلحة، وأخرى تكون صواريخ أو مسيرات قادمة من إيران. أهدافها لا تنحصر في مناطق الوجود العسكري الأميركي أو مقر القنصلية الأميركية في أربيل. بل تعدت إلى منشآت أخرى وحتى فنادق ومجمعات سكنية.

رويترز
متظاهر يحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، بينما يحاول أنصار الجماعات الشيعية العراقية المسلحة التوجه نحو السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء ببغداد، العراق، 1 مارس 2026

سلاح "المقاومة" الذي كان يبرر شرعيته بمواجهة الوجود العسكري الأميركي في العراق. تحول إلى سلاح أيديولوجي وظيفته الدفاع عن إيران وعن نظام حكمها وفي معركتها ضد أميركا وإسرائيل. ولذلك هو الآن طرف في معركة الصراع على النفوذ في منطقة الشرق الأوسط. والفصائل المسلحة تعلن رسميا دخولها الحرب كجبهة إسناد إلى جانب الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

ومنذ اليوم الأول لبدء حرب أميركا وإسرائيل ضد إيران، كانت مقرات "الحشد الشعبي" عرضة للاستهداف. صحيح أن أميركا وإسرائيل لا تتبنيان رسميا هذه الهجمات. ولكن الطائرة التي تقصف هي من طراز "ثاندر بولت" (A-10)، وجرى تصويرها فوق المقرات التي قصفتها.

الرسالة عبر المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، والتي وصف فيها "أي ادعاءات بأن الولايات المتحدة استهدفت قوات الأمن العراقية هي ادعاءات كاذبة بشكل قاطع، وتتعارض مع الشراكة الأميركية-العراقية". يمكن قراءتها بأن الأميركيين لا يعترفون بانتماء "الحشد الشعبي" إلى المؤسسة العسكرية الرسمية في العراق.

والمراوغة في التوصيف الذي كانت حتى الأطراف الحكومية تعمل على تسويقه، والتي تتحدث عن ضرورة التمييز بين "الحشد الشعبي" التابع للقائد العام للقوات المسلحة، وبين "فصائل مسلحة" تعمل ضمن "محور المقاومة" الذي تقوده إيران في المنطقة، لم تعد مقبولة لدى الأميركيين.

حالة نكران وعدم اعتراف بالواقع، يعيشها الفاعلون السياسيون في العراق. إذ تعلن صراحة فصائل مسلحة أن سلاحها حان وقت دخوله إلى المعركة، والانتماء لعنوان يتجاوز الدولة وحدودها ولا يعترف بمفهوم السيادة. في المقابل تعيد الحكومة وتكرر التأكيد على "حصر السلاح بيد الدولة"، وأنها الوحيدة من لها حق قرار الحرب والسلم.

كيف يمكن أن تثق دول الجوار التي يسعى العراق إلى توثيق علاقته وشراكته السياسية والاقتصادية معها، وهناك من ينافس الحكومة على أهم قرار سيادي في السياسة الخارجية وهو قرار الحرب؟

أما من يعمل بثنائية السلاح والسياسة، فبعضهم قبل بدء الحرب كان يرفض أي حديث عن نزع سلاحهم، وأن الغاية من وجوده هي حماية حاكميتهم من التهديدات الداخلية والخارجية. لكنه يتغلغل داخل جسد نظام الحكم، من دون الاعتراف بأن اشتراطات أميركا التي تريد إعادة فرض نفوذها السياسي في العراق، لن تقبل بأي عنوان سياسي يريد أن يبقي على سلاحه. ومن ثم، فإن هذا السلاح لم يشترك في حرب الإسناد التي تشنها الفصائل المسلحة، ولم يتم القبول بحصره بيد الدولة.

تقزيم الدولة

في أزمة يحتاج فيها العراق إلى حضور الدولة وتأكيد أدوارها ووظائفها في إدارة التفاعلات الإقليمية، تعمل الطبقة الحاكمة على تقزيم الدولة. والسبب دائما يكون عقدة التوافقات والصفقات السياسية.

حكومة تصريف أعمال، وبرلمان ينتظر الأوامر من اجتماعات زعماء الطبقة السياسية، الذين لم يتفقوا لحد الآن على اختيار رئيس الجمهورية ولا رئيس مجلس الوزراء. والبلد يعيش حالة حرب خارج إرادة الدولة ومؤسساتها الرسمية.

رويترز
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني يلقي كلمة خلال احتفال بمناسبة الذكرى السنوية الـ 105 لتأسيس الجيش العراقي، في الكلية العسكرية الأولى ببغداد، العراق، في 6 يناير 2026

حكومة محمد شياع السوداني المنتهية ولايتها، تضع في أولوياتها حسابات الربح والخسارة للمكاسب السياسية، ولا ترى مشكلة في البقاء ضمن دوامة لا حرب ولا سلام التي يعيشها العراق. وإذا قررت الذهاب نحو المواجهة والتعامل بالحديد والنار مع أي طرف مسلح يريد أن يصادر قرارها السيادي بالدخول في الحرب المشتعلة نيرانها، تضع في حساباتها رغبة الحصول على ولاية ثانية، وتجديد بقائها في سدة الحكم لأربع سنوات قادمة.

واختارت الأطراف السياسية موقف المتفرج، وبانتظار نهاية المعركة. أما الحرب بين الفصائل المسلحة والولايات المتحدة، فيتم التعامل معها ليس باعتبارها حربا ضحيتها هيبة الدولة، وإنما يمكن التعامل معها وفق مبدأ "فخار يكسّر بعضه بعضا". والسلوك السياسي البرغماتي في هذه الحرب، هو رهان أطراف سياسية كانت تحت المظلة الإيرانية، ولكنها لا تريد أن تدفع باتجاه تشكيل حكومة في هذا التوقيت تكون أولى مهامها تنفيذ الاشتراطات الأميركية التي يتم تكرارها بين فترة وأخرى والتي يقع على رأس القائمة فيها فك الارتباط مع إيران، ومنع دخولها مواجهة تغلغل نفوذها في العراق.

الإله جانوس

كشفت هذه الحرب أن العراق يشبه كثيرا جانوس الإله الروماني، والذي يتجسد في صورة رأس بوجهين. فلدى العراق اليوم وجه الدولة الرسمي، والوجه الثاني هو وجه قوى السلاح الموازي التي تريد أن تقول نحن من بيده قرار الحرب والسلام.

مشكلة تعدد مراكز القرار العسكري، كما وصفها رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، هي استلاب قرار الدولة في الحرب والسلام. وخطورة ذلك ستنعكس بعد انتهاء الحرب. إذ كيف يمكن أن تثق الدول في محيط العراق الجغرافي التي يسعى العراق إلى توثيق علاقته وشراكته السياسية والاقتصادية معها، وهناك من ينافس الحكومة على أهم قرار سيادي في السياسة الخارجية وهو قرار الحرب؟!

إذا لم يتغير نظام إيران بعد الحرب أو يقع انقلاب بنيوي من داخله، لن تعود الدولة التي تتفاخر بفرض سيطرتها على أربع عواصم عربية، وإنما ستعمل على مداواة جراحها الداخلية

المفارقة أن الحراك السياسي الذي يسعى إلى تشكيل حكومة جديدة، يقوده نفس الفاعلين السياسيين الذين فشلوا فشلا ذريعا في إبعاد ساحة العراق عن نيران الحرب التي تشنها أميركا وإسرائيل ضد إيران، وعن ردود إيران التي وسّعت نطاق الحرب إلى أكثر من دولة في المنطقة! ولذلك، قد تكون نوعا من الكوميديا السياسية، محاولة الرهان على أن العراق قد يكون قادرا على تجاوز آثار هذه الحرب على هيبة الدولة.

الخاصرة الرخوة

أما محنة أكراد العراق مع الجغرافيا فيبدو أنها حكاية لا تنتهي. وفي هذه الحرب تحديدا، كانت مناطق كردستان العراق أهدافا للصواريخ والمسيرات الإيرانية والفصائل المسلحة في العراق. ورغم علاقة الساسة الكرد الجيدة مع إيران، فإن ذلك لم يعصمهم من تهمة التآمر مع إسرائيل وأميركا ضد إيران.

كردستان العراق، منطقة أصبحت الملاذ الآمن لأكراد تركيا وإيران وحتى سوريا. ولكن إيران تعد كردستان العراق الخاصرة الرخوة التي يمكن من خلالها أن تتمكن أميركا من تسليح ودعم القوى الكردية الإيرانية المعارضة. والتي طالما تتهمها بالقيام بنشاطات مسلحة يمكن أن تزعزع الأمن في المناطق الكردية في إيران، لا سيما أن تلك القوى أعلنت عن تشكيل تحالف لإسقاط النظام الإيراني.

رويترز
مقاتلون من حزب حرية كردستان (PAK) يشاركون في دورة تدريبية في قاعدة على مشارف أربيل، العراق، 12 فبراير2026

صحيح أن قادة الأحزاب الكردية في أربيل والسليمانية، أكدوا أنهم لن يكونوا طرفا في هذه الحرب. وهم يدركون جيدا أن الوقوف علنا مع أميركا ضد إيران، ستكون تكلفته مواجهة إيران علنا. ومن ثم، يسعى قادة كردستان العراق إلى الحفاظ على توازن علاقتهم بين الطرفين، لأن المشاركة في المخطط الأميركي المطروح بفتح الجبهة الشمالية الغربية مع إيران، أي مناطق القوى الكردية الإيرانية، لا يمكن الرهان عليها، لأن إيران تواجه أضعافا مضاعفة من الصواريخ على مناطق كردستان، كونها منطقة مفتوحة أمام هجماتها. ويدرك قادة الإقليم أن أميركا شريك غير موثوق فيه في الدفاع عن مناطق كردستان العراق.

لذلك، يقبل قادة كردستان العراق خسائر قليلة تكون هنا وهناك، تنتجها هجمات المسيرات والصواريخ، بدل أن يصب "الحرس الثوري" الإيراني نار غضبه على أربيل ودهوك والسليمانية.

ما بعد الحرب

إذا لم يتغير نظام إيران بعد الحرب أو يقع انقلاب بنيوي من داخله، لن تعود الدولة التي تتفاخر بفرض سيطرتها على أربع عواصم عربية، وإنما ستعمل على مداواة جراحها الداخلية بالحفاظ على مكتسبات الثورة التي أنتجت الجمهورية الإسلامية في إيران، وترك مسألة تصديرها التي رفعت شعارها 47 عاما. ولكن، لن تكون محاصرة ومعاقبة من أميركا ودول أوروبا فحسب. وإنما من دول جوارها في الخليج العربي. التي لن تنسى الصواريخ والمسيرات التي كانت تخترق سيادتها وتستهدف منشآتها الحيوية والاقتصادية.

على العراق أن يعيد ترتيب أوراقه الداخلية، وأن يعيد الاعتبار للدولة ومؤسساتها، قبل أن يخطو خطوات باتجاه محيطه العربي والإقليمي

وإذا كانت إيران قد دخلت الحرب وهي تعرف تماما أنها حرب تستهدف وجود نظامها السياسي، ولذلك قررت توسيع دائرة النار وفق قاعدة: "إما أن نعيش معا، أو نموت معا". فالعراق، في هذه الحرب لا يعرف تماما ماذا  سيكون مصيره بعد أن ينجلي غبار الحرب. والمفارقة أن الفاعلين السياسيين، والذين ينتظرون نهاية الحرب ويقررون مواقفهم، يدركون جيدا أن هذه الاستراتيجية فاشلة ولن تنجح في منطقة تشهد حربا غير تقليدية.

فالحرب التي تشهدها منطقتنا بين أميركا وإسرائيل ضد إيران لا تشبه الحروب التقليدية أو الحروب المحدودة. ولكن المشكلة ليست في توصيفها، وإنما ينشغل الجميع بمناقشة أبعادها. وكل الأطراف تدرك أنها حرب لن تبقى آثارها محصورة على إيران ولا حتى إسرائيل. وإنما هي حرب ستعيد تشكيل الشرق الأوسط، الذي تتصارع على رسم ملامحه الجديدة قاذفات "B-2" و"B-52" وحاملات الطائرات الأميركية، واستعراض فائض القوة العسكرية والمخابراتية الإسرائيلية، وصواريخ إيران الباليستية وطائراتها المسيرة.

ست دول عربية، السعودية والإمارات والكويت والبحرين وقطر والأردن، كانت واضحة في مواقفها الرافضة للهجمات التي تشنها فصائل مسلحة موالية لإيران من العراق على دول في المنطقة ومنشآتها وبنيتها التحتية، ووصفتها بالعدوان. الدول العربية الست، كانت الحكومات العراقية حريصة جدا على توثيق علاقات الشراكة معها اقتصاديا واستراتيجيا. ولكن في هذه الحرب، كان عجز الحكومة واضحا في عدم قدرتها على الحفاظ على كل المكتسبات التي تحققت في الفترات السابقة. وأثبتت أن قرارات الشراكة الاقتصادية التي توثقها الدبلوماسية، ستبقى مهددة من قبل قوى السلاح التي تنافس الحكومة على قرار الحرب والسلم.

ومن ثم، على العراق أن يعيد ترتيب أوراقه الداخلية، وأن يعيد الاعتبار للدولة ومؤسساتها، قبل أن يخطو خطوات باتجاه محيطه العربي والإقليمي. وربما هذه ليست بالمهمة المستحيلة، ولكنها مهمة صعبة تحتاج قرارا من رجالات دولة وليس رجالات سلطة. وتكون مستعدة للتضحية بسمعة الدولة وهيبتها مقابل البقاء في المناصب العليا لتضخيم مغانمها من السلطة وضمان العيش في بهرجتها.

font change

مقالات ذات صلة