خلايا "داعش"... هجمات جديدة و"إتاوات" شرقي سوريا

استغلال فراغ أمني وإرهاق المواطنين بالابتزاز

أ.ف.ب
أ.ف.ب
قوات الأمن السورية أثناء عبورها نهر الفرات للانتشار في محافظة دير الزور، شرقي سوريا، في 19 يناير 2026

خلايا "داعش"... هجمات جديدة و"إتاوات" شرقي سوريا

يعود اسم تنظيم "داعش" إلى واجهة المخاطر الأمنية في سوريا، وذلك بعد أن تبنى عدّة عمليات ضد أهداف للحكومة السورية- عبر معرّفاته- كان آخرها استهداف حافلة للجيش السوري في ريف الحسكة يوم الإثنين11 مايو/أيار الجاري راح ضحيّته عنصران من الجيش، وإصابة آخرين بجروح. وبحسب معلومات "المجلة" فإن تنظيم "داعش" نفذ أكثر من أربع هجمات ضد الحكومة السورية في اليومين السابقين لهذا الهجوم، استهدفت عناصر للأمن العام، وعناصر في الجيش السوري، في بلدات الزباري والبصيرة في ريف محافظة دير الزور، وقرى أخرى في المحافظة.

"التنظيم" بات يُشكل قلقا متزايدا بين المدنيين في شرق الفرات بشكل خاص، وباقي مناطق سوريا بشكل عام، مخاوف المدنيين هي من أن تصبح قدرة "التنظيم" على تنفيذ هجمات شبه يومية ضد الحكومة السورية وشخصيات مدنية ودينية في المنطقة ممكنة. وقالت عدّة مصادر مدنية في دير الزور إن خطر "التنظيم" ليس في الهجمات المسلحة فحسب، موضحة أن خلايا "التنظيم" عادت إلى ابتزاز المدنيين، وأصحاب الأموال في المنطقة، من خلال إرسال رسائل لهم تطالبهم بدفع "إتاوات" لـ"التنظيم" أو سيتم استهدافهم واستهداف أعمالهم، كما أن "التنظيم" يحاول إعادة تجنيد عناصر سابقين له أو شخصيات غاضبة من توجهات الحكومة السورية وقراراتها، خصوصا فيما يتعلق بإعطاء عناصر وقادة من "قسد" والميليشيات الإيرانية الأمان دون محاسبة الذين ارتكبوا جرائم بحق المدنيين خلال السنوات الماضية.

خلال السنوات الماضية أطلقت خلايا "التنظيم" على الأموال المطلوبة من المدنيين تحت التهديد أسماءً عدّة، منها "الزكاة" و"الكلفة السلطانية"، في الوقت الذي يطلق عليها الأهالي اسم "الإتاوات"

الحكومة السورية أجرت عدّة تغييرات جديدة في بنيتها الإدارية والأمنية في دير الزور ومناطق أخرى، وذلك لمواجهة المخاطر في المنطقة، التغييرات هذه تتركز بشكل رئيس في بناء قدرات عسكرية وأمنية وخطط لمواجهة خلايا الميليشيات الإيرانية و"داعش" في المنطقة، وضبط الحدود ومنع التهريب، ويمكن قراءة تعيين زياد فؤاد العايش محافظا لدير الزور من هذه الزاوية، سيّما أن العايش لديه خبرة أمنية وعسكرية خلال السنوات الماضية، حيث شغل منصب في إدارة المعسكرات المركزية زمن "هيئة تحرير الشام"، إضافة إلى توليه منصب المسؤول الإداري للأمن العام في إدلب، قبل أن يتم تعيينه بعد سقوط نظام الأسد في منصب معاون وزير الداخلية للشؤون المدنية، وفي وقت لاحق أضيفت له مهمة المبعوث الرئاسي لتنفيذ اتفاق 29 يناير/كانون الثاني بين "قسد" والحكومة السورية. وقال مصدر أمني لـ"المجلة" إن "العايش من المتوقع أن يجري تغييرات كبيرة في الجهاز الأمني في دير الزور، ويرسم أولويات إدارته للمحافظة بحيث تترأس قائمة جهوده في مواجهة الميليشيات الإيرانية، و(داعش)، والتهريب".

هجمات متتابعة وفرض "الإتاوات"

قال مصدر أمني سوري لـ"المجلة" إن "تنظيم (داعش) ازدادت هجماته خلال شهري أبريل/نيسان، ومايو/أيار، وأشار إلى أن الحكومة السورية أرسلت تعزيزات إلى المنطقة، لمواجهة عدّة تهديدات أمنية من بينها خلايا (التنظيم)، لكن في الوقت نفسه أشار إلى أن المهمة لن تكون سهلة، كون أن منطقة شرق الفرات مفتوحة على البادية السورية والمناطق الصحراوية، ويرى أيضا أن عدم اكتمال تطبيق الاتفاق مع (قسد) واستقرار الوضع في المنطقة، سيجعل مهمة مواجه تنظيم (داعش) والميليشيات الإيرانية تسير ببطء شديد". المصدر عدّ أن الحد من خطر "التنظيم" هو ضمن أولويات الحكومة السورية بكل تشكيلاتها العسكرية والأمنية والشرطية، وأن مواجهة خلايا "التنظيم" لا تتم في شرق الفرات فحسب، بل في كل المناطق السورية، مشيرا إلى أن الأمن الداخلي السوري اعتقل خلايا لـ"التنظيم" في شرق سوريا، وريف دمشق، والساحل السوري، وحمص، وحلب، والجنوب السوري أيضا.

أ.ف.ب
أطفال ونساء، من أقارب مشتبه بانتمائهم لتنظيم "داعش"، داخل مخيم الهول في منطقة صحراوية بمحافظة الحسكة شمال شرق سوريا، في 21 يناير 2026.

خلال النصف الأول من شهر مايو أعلن تنظيم "داعش" عن أربع هجمات نفذتها خلاياه في سوريا، الأولى كانت في منطقة السيدة زينب، في ريف دمشق، استهدفت خطيب مقام السيدة زينب الشيخ فرحان حسن المنصور، الثانية استهدفت عنصرا في الجيش السوري في بلدة البصيرة بريف دير الزور، الثالثة استهدفت قيادي برتبة رائد في الفرقة 66 في بلدة الزباري بريف دير الزور، والرابعة كانت استهداف حافلة للجيش السوري في ريف الحسكة.

كما علمت "المجلة" من عدّة مصادر مدنية أن خلايا "التنظيم" بدأت من جديد طلب أموال من أصحاب رؤوس الأموال والتجار- تحت التهديد- في محافظة دير الزور وجنوب الحسكة، وهو أمر أعاد إلى المدنيين سياسة "التنظيم" في ابتزاز المدنيين، لتمويل خلاياه وتحركاتهم. وخلال السنوات الماضية أطلقت خلايا "التنظيم" على الأموال المطلوبة من المدنيين تحت التهديد أسماءً عدّة، منها "الزكاة" و"الكلفة السلطانية"، في الوقت الذي يطلق عليها الأهالي اسم "الإتاوات". وقالت المصادر أيضا إن "هناك محاولات من قبل (التنظيم) لتجنيد عناصر جدد في صفوفه، وذلك بحجة أن (الحكومة السورية المرتدة لا تريد محاسبة المجرمين)، وأن الرئيس الشرع اليوم هو (حليف الغرب وعضو في التحالف الدولي الذي دمّر سوريا بحجة محاربة الإرهاب)"، وحول ذلك قال باسل( مدني من البوكمال في العقد الثالث من العمر)، إن "التنظيم يحاول استغلال الغضب الشعبي من عمليات التسوية التي أعطت الأمان لكثير من قادة المجموعات والميليشيات التابعة لإيران والنظام، التي قتلت السوريين زمن النظام البائد، من هذه النافذة يحاول التنظيم إعادة تجنيد عناصر جدد"، لكن باسل عدّ أن "هذه المحاولات لم تنجح حتى اللحظة بشكل كبير، لكن الخطر في أن يستطيع التنظيم إقناع البعض بالانضمام إليه، أو استغلال ثغرات أخرى لإقناعهم بالانضمام".

منطقة شرق الفرات مفتوحة على البادية السورية والمناطق الصحراوية، ويرى أيضا أن عدم اكتمال تطبيق الاتفاق مع "قسد" واستقرار الوضع في المنطقة سيجعل مهمة مواجهة "داعش" والميليشيات الإيرانية تسير ببطء شديد

ويقول أبو محمد (مدني من دير الزور في العقد الخامس من العمر) إن خلايا تنظيم "داعش" لطالما كانت مصدر قلق كبيرا للمدنيين في محافظة دير الزور خلال السنوات الماضية، ويضيف خلال حديثه مع "المجلة" أن هذه الخلايا تعمل في الليل والخفاء، هم يعلمون جغرافيا المنطقة وأهلها، لأنهم سيطروا على هذه الجغرافيا لسنوات وعرفوا أهلها، ومن استطاع الهروب من المعارك بقي مختبئا هنا، لذلك هذه المعرفة تمكنهم من تنفيذ هجمات سريعة ضد أهداف عسكرية ومدنية، مثل الحواجز ونقاط التفتيش المؤقتة، والقادة في الحكومة من أبناء المنطقة، وأصحاب رؤوس الأموال من أبناء المحافظة.

أبو محمد أكد أن "التنظيم" خلال الشهر الماضي أبلغ ما لا يقل عن خمسة شخصيات من التجار وأصحاب الأموال في محافظة دير الزور، بأن عليهم دفع أموال لـ"التنظيم" أو أنه سيتم استهدافهم. طلب "الإتاوات" أشار إليه الأستاذ خالد، (مدرّس في الميادين في العقد الرابع من العمر)، وقال خالد إن "طلب (الإتاوات) عاد بشكل خفيف مؤخرا إلى المنطقة، وأن المبالغ التي يتم طلبها تختلف بحسب طبيعة التجارة التي يقوم بها الشخص المستهدف، البعض طُلب منهم قرابة ألفي دولار أميركي، وآخرون وصل المبلغ المطلوب منهم إلى خمسة آلاف"، ويشير خالد إلى أنه خلال شهر أبريل تم استهداف محلات لشخصين يبدو أنهما رفضا دفع المبالغ لـ"التنظيم"، وعدّ أن الحكومة السورية يجب أن تبذل جهدا أكبر في مواجهة هذه الخلايا، لأنها قادرة على التأقلم بشكل كبير، وتابع: "نحن نعلم أن المخاطر التي تتعامل معها الحكومة كثيرة، وتنظيم (داعش) هو أحد أكثرها خطورة، لذلك لا بد من تحرك سريع لمواجهته".

رويترز
سجن الصناعة في الحسكة، سوريا، 18 يناير 2025

البادية وتلول الصفا وجهة "التنظيم" للتجمع والتدريب

يحاول تنظيم "داعش" تهريب خلايا له من مناطق في شرق الفرات والجنوب السوري نحو البادية السورية، وتحديدا منطقة تلول الصفا، وذلك لأنها تتسم بجغرافيا صعبة جدا، وفيها مخابئ سلاح كثيرة تعود لـ"التنظيم"، تعود لسنوات قوّته قبل القضاء عليه على يد التحالف الدولي، عمليات التهريب هذه ذكرها عدد من المدنيين الذين تحدثت إليهم "المجلة"، وقالوا إن "التنظيم" كلما شعر بالخطر يتحرك نحو البادية وتلول الصفا، لأنها مناطق تحتاج لقوات كبيرة وطائرات ومعلومات دقيقة لدحر "التنظيم" فيها.

وليس مستبعدا أن يكون "التنظيم" فعلا هو من يقوم بعمليات التهريب هذه، لأنه قام بها خلال السنوات الماضية، وأنشأ فيها معسكرات تدريب، ونقل إليها كثيرا من السلاح والقادة الذين كانت تلاحقهم القوى المتعددة في سوريا. وكان النظام والميليشيات الإيرانية قد حاولوا كثيرا ما بين عامي 2020-2024 الحدّ من قدرة "التنظيم" في منطقة البادية وتلول الصفا، إلا أن هذه المحاولات باءت بالفشل لعدّة أسباب، أبرزها تعاون بعض قادة الميليشيات الإيرانية مع خلايا "التنظيم" التي كانت تقوم بعمليات تهريب السلاح لصالح الميليشيات مقابل الأموال، والمواد الغذائية، والسلاح، والسبب الثاني أن كثيرا من عناصر الميليشيات كانوا يهربون عندما يتم نقلهم لمواجهة "التنظيم"، وبحسب عنصر عمل سابقا مع ميليشيات إيرانية في دير الزور، فإن العشرات من العناصر تركوا العمل مع الميليشيات عندما تم إعلامهم بأنهم سيواجهون "التنظيم" في البادية، مضيفا أن "السبب هو قلّة الدعم المقدم لهم أثناء العمليات من جهة، وترك العناصر بسلاح خفيف ومخزون قليل من السلاح من جهة ثانية، وهذا يعني أن من يتم إرساله لمواجهة (التنظيم) هو ميّت بكل تأكيد".

مواجهة "التنظيم" في البادية السورية وتلول الصفا تحتاج جهدا كبيرا قد يتعدى إمكانات الحكومة السورية الحالية، كون غالبية الترسانة العسكرية السورية تم تدميرها- بعيد سقوط نظام الأسد- من قبل الطيران الإسرائيلي

مواجهة "التنظيم" في البادية السورية وتلول الصفا تحتاج جهدا كبيرا قد يتعدى إمكانات الحكومة السورية الحالية، كون غالبية الترسانة العسكرية السورية تم تدميرها- بعيد سقوط نظام الأسد- من قبل الطيران الإسرائيلي، ولذلك فمن المرجح أن تكون مواجهة "التنظيم" في تلك المنطقة هي مهمة مشتركة بين الحكومة السورية والتحالف الدولي لمحاربة "داعش". هذه المهمة لن تواجه عقبات كثيرة سيّما أن سوريا اليوم هي عضو في التحالف الدولي لمحاربة "داعش"، وتقديم الدعم اللازم لها أمر لن تقف في وجهه إجراءات معقدة على المستوى الدولي.

وعلى الرغم من أن تنظيم "داعش" ينشط بشكل ملحوظ في شرق الفرات والبادية السورية، إلا أن ذلك لا يعني بطبيعة الحال عدم وجود نشاط مخفي له في مناطق سورية أخرى، وهو نشاط لا يقلّ خطورة عن ذلك الموجود في شرق الفرات، فخلية "داعش" التي اعتقلتها الحكومة السورية في منطقة البدروسية بريف اللاذقية الشمالي شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وتوقيف خلايا أخرى في حمص وريف دمشق ومناطق أخرى في الشمال السوري، كانت مؤشرا خطيرا بالنسبة للحكومة السورية يدلّ على نيّة "التنظيم" التحرك نحو مناطق جديدة والاختباء فيها إلى حين، قبل أن يبدأ تنفيذ هجمات ضد المدنيين لزعزعة الاستقرار وتقويض جهود الحكومة السورية الأمنية.

تبقى مهمة الحكومة السورية كبيرة في الفترة القادمة لضبط الأمن وترسيخ صورة سوريا الجديدة المُشجعة للاستثمار والعودة إليها، وبحسب مصادر "المجلة" فإن التغييرات الحكومية في الأجهزة الإدارية والأمنية التي تمت، والقادمة تدلّ على أن دمشق اليوم توجه أنظارها نحو إنهاء عدّة ملفات معقدة، تبدأ بمواجهة الميليشيات الإيرانية وخلايا "داعش"، مع سحب السلاح المنفلت الذي يُباع في الخفاء بأسعار زهيدة، ومحاربة التهريب عبر الحدود وتجارة المخدرات، إضافة إلى إنهاء حالة التوتر الأمني في الشرق السوري، والوصول إلى حلّ لعقدة السويداء في الجنوب السوري.

font change

مقالات ذات صلة