خطط إيران وميليشياتها... دمشق تراهن على عدم توريطها في الحرب

السيادة السورية خط لا يُتجاوز

أ.ف.ب
أ.ف.ب
جندي لبناني على برج مراقبة في منطقة وادي خالد في لبنان، عند الحدود اللبنانية - السورية شمال لبنان في 5 أكتوبر 2023

خطط إيران وميليشياتها... دمشق تراهن على عدم توريطها في الحرب

تبذل أجهزة الأمن السورية جهودا مكثفة، لتفكيك خلايا تتبع للميليشيات الإيرانية على الأراضي السورية شملت اعتقال أكثر من 25 شخصا في شهر مارس/آذار، مع استمرار عمليات ضبط الحدود، حيث تم اعتراض أكثر من 10 عمليات تهريب مقاتلين وأسلحة، عبر الحدود مع العراق ولبنان.

ويأتي تركيز الحكومة على الخلايا الموجودة على أراضيها، بالإضافة إلى ضبط الحدود في سياق تعزيز موقف دمشق الرافض لاستخدام أراضيها في الحرب الدائرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. كما أن الحكومة السورية تتحرك بشكل كثيف، لمنع قيام خلايا الميليشيات الإيرانية باستهداف مراكز الحكومة أو مواقع خدمية في سوريا، في حال امتد أمد الحرب التي تحاول إيران توريط منطقة الشرق الأوسط فيها، لتخفيف الضغط عن نفسها، وزيادة الضغط السياسي على واشنطن.

لأول مرّة منذ عقود، خسرت إيران الأراضي السورية كورقة استراتيجية في سياق صراعها مع إسرائيل من جهة، وفي سياق خطتها التوسعية في منطقة الشرق الأوسط، فالأراضي السورية لم تُستخدم كجغرافيا موالية لإيران خلال الحرب الحالية، والتي تحاول إيران توسيع رقعتها الجغرافية، لتشمل كامل منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي. كما خسرت إيران خطّ الإمداد الجغرافي التقليدي، الذي استخدمته لعقود في تعزيز قدرات وإمكانات "حزب الله" اللبناني، وهي خسارة ألقت بظلالها على إمكانات "حزب الله" العسكرية من جهة، وعلى قدرة إيران تعقيد المشهد في الشرق الأوسط، في ظلّ تلاشي قدرتها على شنّ هجمات على إسرائيل من سوريا.

الواقع الجديد للجغرافيا السورية جعل إيران وميليشياتها ينظرون إلى سوريا والحكومة كعدو، وحليف للولايات المتحدة، فقام "حزب الله" باستهداف الأراضي السورية منتصف شهر مارس مثل منطقة سرغايا بريف دمشق، ليتبعها بعد أقل من أسبوعين قيام الميليشيات التابعة لإيران في العراق، باستهداف قاعدة خراب الجير في منطقة رميلان بريف الحسكة، والتي كانت قاعدة للقوات الأميركية التي انسحبت منها في وقت سابق خلال الأسابيع الماضية. يضاف إلى ذلك إرسال إيران تهديدات مبطنة لسوريا عبر وكالة "فارس" الموالية لـ"الحرس"، حيث نشرت الوكالة يوم الخميس في 26 مارس أن الأمن الإيراني حدد فنادق في العاصمة السورية دمشق، إضافة للقصر الجمهوري، يسكنها- بحسب ادعاء الوكالة والأمن الإيراني- خبراء ومستشارون من الولايات المتحدة الأميركية، وبريطانيا، وإسرائيل، في إشارة إلى أن هذه المواقع هي هدف إيراني في سياق التهديدات التي تطلقها طهران منذ بداية الحرب في 28 فبراير/شباط الماضي، وبأنها ستستهدف أي مكان توجد فيه مصالح وشخصيات تتبع للولايات المتحدة.

وعزز مقتل كثير من قادة إيران، من بينهم "المرشد الأعلى" علي خامنئي، وتركيز واشنطن وإسرائيل على استهداف من بقي منهم، من عمليات التخفي التي يجريها هؤلاء القادة، وقادة المجموعات التابعة لها في العراق ولبنان، وهو ما يجعل من عمليات التواصل بين المركز والفروع أمرا صعبا، وتتحول دائرة صنع القرار من مسار أحادي المصدر، إلى مسار لا مركزي يخلق فوضى في عمليات اتخاذ القرار عند الميليشيات، وعناصرها في كل من العراق، ولبنان، وبقايا الخلايا في سوريا، وهو ما يسبب في طياته خطورة أمنية على الحكومات، من حيث عدم القدرة على التنبؤ بطبيعة العمليات، التي يمكن أن تقوم بها هذه الميليشيات بهدف الانتقام أو زعزعة الأمن.

وبالتوازي مع تعزيز الحكومة السورية قدراتها العسكرية على الحدود المتصلة بكل من العراق ولبنان، وتكثيف اتصالاتها مع حكومتي البلدين، تتحرك داخليا على مستوى تفكيك الخلايا التي تنشط في سوريا وتتبع لإيران وميليشياتها. وبحسب معلومات "المجلة" فإن جهازي الداخلية والاستخبارات، يركّزان بشكل رئيس على تحليل المعلومات التي لديهما، حول أماكن وتوزع وقدرات الخلايا، التي تتم ملاحقتها، كما قام جهاز الأمن الداخلي بالتنسيق مع جهاز الاستخبارات، باعتقال أكثر من 25 شخصا خلال الأسبوعين الماضيين، ممن ما زالت لديهم صلة بـ"حزب الله" والميليشيات الإيرانية في العراق. الاعتقالات تركزت في المنطقة الشرقية، وفي ريف دمشق الجنوبي. كما صادرت كميات أسلحة كانت بحوزة بعض هؤلاء، في حين تستمر عمليات التحقيق معهم لمعرفة أماكن توزع العناصر الآخرين، وقدراتهم ونواياهم خصوصا أن بعض من تم اعتقالهم يعملون على تجنيد خلايا للميليشيات الإيرانية مقابل مبالغ شهرية.

الخطر الذي تقيّمه الحكومة ليس خطر الصواريخ الإيرانية أو وكلاء طهران في العراق ولبنان فحسب، بل خطر قيام عناصر يتبعون لهذه الميليشيات باستهداف مراكز حكومية أو خدمية في الأراضي السورية، انطلاقا من مسافة قريبة عبر الدرونات أو المتفجرات، سيّما أن الميليشيات الإيرانية و"حزب الله" ما زال لديهم بعض الأسلحة التي لم تصل إليها الحكومة بعد، وباعتبار أن محاولة تهريبها إلى لبنان والعراق صعبة وخطرة، فيمكن استخدامها داخل الأراضي السورية.

أ.ب
جنود أردنيون يقومون بدورية بالقرب من الحدود الأردنية السورية في 17 فبراير 2022


كثفت دمشق تواصلها مع بغداد وبيروت من أجل التنسيق مع الحكومتين في سياق ضبط الحدود مع سوريا، والتأكيد على ضرورة منع حكومتي بغداد وبيروت للميليشيات التابعة لإيران من استهداف الأراضي السورية

جماعة "أولي البأس" الموالية لإيران و"حزب الله" والتي تنشط في الجنوب السوري، يُرجح أن تقوم بنقل عناصر لها من الجنوب نحو ريف دمشق أو إلى القرب من الحدود مع لبنان في ظل القبضة الأمنية الشديدة التي تواجهها هذه الجماعة، على الحدود الجنوبية والتعزيزات الكبيرة التي أرسلتها الحكومة السورية، لضمان عدم استخدام الأراضي السورية منصة لاستهداف إسرائيل من قبل وكلاء إيران، فالحكومة السورية شددت أنها تسعى للاستقرار، ولن تكون جزءًا من الحرب الدائرة، ولن تسمح بأن تكون أراضيها نقطة انطلاق لهجمات تخدم إيران أو أجندتها.

في موزاة ذلك، كثفت دمشق تواصلها مع بغداد وبيروت من أجل التنسيق مع الحكومتين في سياق ضبط الحدود مع سوريا، والتأكيد على ضرورة منع حكومتي بغداد وبيروت للميليشيات التابعة لإيران من استهداف الأراضي السورية. وبحسب المعلومات فإن الاتصالات مستمرة بين العواصم الثلاث وتبادل المعلومات لم ينقطع. كما علمت "المجلة" من مصدر عراقي أن الجماعات التابعة لـ"الحشد الشعبي" تواجه ضغوطا من قبل حكومة بغداد للابتعاد عن الحدود السورية، في ظل تعزيز الجيش العراقي لدورياته على الحدود، وتعزيز نقاطه في القرى والمدن القريبة من سوريا، والحد من خطر تعرض سوريا لاستهداف من قبل "حزب الله" والميليشيات التابعة لإيران في العراق على أهميته، لكنه ليس ناجعا تماما في حال نجاح تلك الميليشيات باستغلال ثغرات حدودية للقيام بعمليات تهريب للعناصر والجنود إلى سوريا أو عبرها.

وعزز الجيش السوري بتنسيق ودعم من قبل الأمن الداخلي والاستخبارات، دورياته على الحدود السورية مع لبنان والعراق، واستطاع خلال الأسبوعين الماضيين اعتراض أكثر من 10 محاولات تهريب للسلاح والعناصر عبر الحدود بحسب معلومات "المجلة". وقد كانت غالبية عمليات التهريب من العراق ولبنان إلى سوريا محاولات لتهريب أفراد، وكانت عمليات التهريب من سوريا إلى لبنان محاولات تهريب أسلحة. كما قام الأمن الداخلي السوري باعتقال عدد من السوريين الذين يقومون بتسهيل عمليات التهريب هذه، والتحقيقات معهم مستمرة لمعرفة حجم العمليات الناجحة، ونقاطها على الحدود، ووجهة العناصر الذين تم تهريبهم إلى الأراضي السورية. وأبرز عمليات الاعتراض خلال الأسبوعين الماضيين كانت في منطقة فليطة- ريف دمشق- على الحدود السورية اللبنانية يوم 19 مارس الجاري، حيث تم اعتقال 4 أشخاص خلال العملية التي نفذتها الحكومة السورية، وصادرت كميات من الصواريخ والأسلحة، كانت في طريقها من سوريا إلى لبنان.

الحرب تؤثر على قدرة إيران في تجنيد الوكلاء

وأثرت الهجمات الأميركية والإسرائيلية على البنية العسكرية الإيرانية، والمنشآت التابعة لها، ومقتل عدد كبير من القادة الإيرانيين، خلال الحرب بفعل الهجمات هذه، بشكل كبير على قدرة إيران في تمويل وكلائها في المنطقة، هذا النقص من المتوقع أن يُشكل عقبة في قدرة هذه الميليشيات على تجنيد عناصر جدد سواء على الأراضي السورية أو على الأراضي العراقية واللبنانية، كما أنها تشكل عقبة في وجه إيران التي لطالما حاولت إظهار نفسها كداعم للمتضررين من عناصرها وعائلاتهم، أو كداعم للحاضنة الشعبية للميليشيات التابعة لها. ويظهر هذا النقص جليا في دعوات جمع التبرعات التي أطلقتها بعض المعرفات الإيرانية، وصفحات الميليشيات التابعة لها أو الصفحات الإخبارية المدعومة من قبلها.

ولا شك أن استمرار نقص التمويل سيهدد البنية البشرية للميليشيات التابعة لإيران في منطقة الشرق الأوسط، فكثير من العناصر يعملون مع هذه الميليشيات بسبب حاجتهم للمال في مواجهة الصعوبات الاقتصادية، وانقطاع رواتب هؤلاء سيدفعهم للخروج من المجموعات التي يعملون معها، لأنهم لن يستطيعوا البقاء في ظل الاحتياجات الاقتصادية، كما أنهم يواجهون الموت، وخطر الاستهداف سواء في لبنان أو العراق، فالغارات الإسرائيلية في لبنان مكثفة ضد مواقع "حزب الله" اللبناني، في الوقت الذي تستهدف فيه الغارات الأميركية مواقع الميليشيات التي تعمل مع إيران في العراق، وتستهدف الدول المجاورة بالصواريخ والمسيرات.

وخلال عامي 2020-2021 حصلت عدّة حالات انشقاق من الميليشيات التي كانت تدعمها إيران في سوريا، وذلك في ظلّ تراجع الدعم المقدم لها، ودخول روسيا على خط المنافسة لاستقطاب العناصر، الذين كانوا يعملون مع تلك الميليشيات، حيث أعطت روسيا مبالغ أكبر للعناصر، وبوتيرة غير منقطعة، وهو ما أثار كثيرا من الأسئلة حينها، على قدرة إيران في إقناع عناصر ميليشياتها في سوريا على العمل معها، أو لتحقيق أهدافها دون دعم مالي. إيران نفسها ردّت على ممارسات روسيا هذه بالمثل بعد عام 2022، عندما بدأت روسيا حربها على أوكرانيا، حينها تركز الجهد الروسي المالي على دعم عمليات موسكو في أوكرانيا، وانقطع عن بعض المجموعات المدعومة من قبلها في سوريا.

أ.ف.ب.
قوات أميركية في القنيطرة بالقرب من الحدود السورية التركية، 3 سبتمبر 2024

 


استمرار نقص التمويل سيهدد البنية البشرية للميليشيات التابعة لإيران في منطقة الشرق الأوسط، فكثير من العناصر يعملون مع هذه الميليشيات نتيجة حاجتهم للمال في مواجهة الصعوبات الاقتصادية

وخلال السنوات الماضية، كانت غالبية الميليشيات في سوريا، ولبنان، والعراق تعتمد على تهريب وتجارة المخدرات، كمصدر تمويل ذاتي لعناصرها وقدراتها العسكرية، إلا أن خط التمويل هذا تراجعت إمكاناته بشكل كبير جدا، بعد سقوط النظام السوري السابق، وتحول سوريا من دولة راعية لإنتاج المخدرات وتهريبها إلى دولة ركزت جهودها في مواجهة هذه التجارة منذ اليوم الأول لسقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول عام 2024. حيث قامت الحكومة السورية بتفكيك شبكات الإنتاج، والتهريب، وداهمت مئات المستودعات التي كانت تُخرن المخدرات.

ويقول خبراء ومصادر أن إيران "تريد خلق فوضى في سوريا، فالفوضى في الشرق الأوسط هي استراتيجية إيران ونافذتها، لمحاولة تحقيق هدفها في خلق ممر برّي بينها وبين لبنان، وتعزيز نفوذها عبر الوكلاء بالقرب من إسرائيل، حتى لو كان ذلك على حساب أمن شعوب المنطقة واستقرارها". لذلك من المتوقع أن لا تدخر طهران أي جهد في سبيل توريط سوريا في هذه الحرب، أو استهداف حكومتها التي حرمت طهران من جني ثمار استثمارات بمليارات الدولارات في سوريا عبر عقود مضت، وفككت شبكات أمضت طهران أكثر من 15 عاما في تشكيلها ودعمها. فالجهود التي تبذلها دمشق في مواجهة نوايا إيران كبيرة، يُضاف إليها أن سوريا اليوم بعودتها إلى المظلة العربية، ترى نفسها في موقف أقوى لمواجهة هذه المخاطر أو الحصول على الدعم اللازم لإحباط مخططات طهران.

font change

مقالات ذات صلة