المرشد الثالث... بين إرث ولاية الفقيه ومعادلات الحربhttps://www.majalla.com/node/329952/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%B4%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%84%D8%AB-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A5%D8%B1%D8%AB-%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%82%D9%8A%D9%87-%D9%88%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8
المرشد الثالث... بين إرث ولاية الفقيه ومعادلات الحرب
الحرب تختار
وكالة أنباء غرب آسيا
جدارية تضم صوراً للمرشد الأعلى الإيراني السابق آية الله علي خامنئي وقائد الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979 آية الله روح الله الخميني، في أحد شوارع طهران، إيران، 26 فبراير/شباط 2026.
المرشد الثالث... بين إرث ولاية الفقيه ومعادلات الحرب
تدخل إيران بعد اغتيال "المرشد الأعلى" علي خامنئي، مرحلة اختبار حرجة لقدرة بنيتها المؤسسية على ملء الفراغ في القيادة وإعادة إنتاج السلطة، في ظل الحرب الأميركية-الإسرائيلية المفتوحة، وهاجس الاغتيالات الذي يلاحق قادتها.
ورغم عدم وجود مهلة زمنية محددة لانتخاب "المرشد"، سارعت السلطة الإيرانية التي تكره الفراغ، إلى تشكيل "مجلس القيادة المؤقت"، الذي يُعهد إليه وفق الدستور الإيراني بقيادة البلاد إلى حين انتخاب "مرشد" جديد، وضم رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي، ورئيس الحوزات الدينية علي رضا أعرافي، مع دور إشرافي للأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني.
مجتبى خامنئي، النجل الثاني للمرشد الإيراني الراحل آية الله علي خامنئي، في زيارة لمكتب حزب الله في طهران، في 1 أكتوبر 2024
بعد تشكيل "المجلس المؤقت" مباشرة، خرجت تقارير غير رسمية تفيد بانتخاب مجتبى خامنئي نجل "المرشد" الراحل خلفا لوالده، رغم الغموض الذي ما زال يكتنف مصيره، وتحدثت أخرى عن احتمال تعيين حسن الخميني أحد أحفاد الإمام الخميني، رغم أن "مجلس صيانة الدستور" (مجلس الأوصياء)، رفض ترشيحه سابقا لعضوية "مجلس خبراء القيادة" الذي ينتخب "المرشد"، لأنه ليس مجتهداً (الاجتهاد درجة فقهية)، علما أن مجتبى خامنئي غير حاصل على درجة الاجتهاد أيضا، بينما يتطلّب منصب "المرشد" درجة المرجعية، وهي أعلى الدرجات الدينية العلمية، وكلاهما ليس من المراجع!
إلى جانب هذين الاسمين، هناك مجموعة من آيات الله المؤهّلين للمنصب، تكاد صفاتهم وآراؤهم تكون مشتركة لا بل واحدة، من حيث التشدد والنزوع نحو الأسلمة والتعامل مع المعارضة، حتى الإصلاحية، كعدو، منهم محمد مهدي ميرباقري، ومحمد رضا مدرّسي يزدي، وهاشم حسيني بوشهري، وأحمد حسيني خراساني، وأبرزهم علي رضا أعرافي.
هناك مجموعة من آيات الله المؤهّلين للمنصب، تكاد صفاتهم وآراؤهم تكون مشتركة لا بل واحدة، من حيث التشدد والنزوع نحو الأسلمة والتعامل مع المعارضة، حتى الإصلاحية، كعدو
المنافسة الحقيقية على ما يبدو، تدور بين خامنئي الابن وأعرافي، كون الأخير فقيها مجتهدا، وشخصية محورية في النظام ويشغل مواقع حساسة متعددة في الدولة، ويتحلّى بكاريزما قيادية، إضافة إلى أنه اليوم، أحد الرجال الثلاثة في "مجلس القيادة المؤقت" الذين يقودون سفينة النظام.
أما خامنئي الابن فهو شخصية تنقصها الشعبية، ولم يسبق أن شغل أي منصب رسمي، رغم أن اسمه برز خلال انتخابات صيف 2009 بعد تدخله في نتائجها لصالح محمود أحمدي نجاد، بوجه مرشحي "الحركة الخضراء" مهدي كروبي ومير حسين موسوي، ثم انسحب بعدها إلى الظل.
وفي العقد الأخير، عاد وبرز اسمه مجددا، حين نقل إليه والده، بعدما تدهورت صحته، مسؤولية إدارة شؤون "بيت المرشد"، وهي مؤسسة دينية اقتصادية أشبه بشركة عائلية لإدارة الكيانات والمؤسسات التي يشرف عليها "المرشد" شخصيا، ويتقاسم أرباحها مع تنظيم "الحرس الثوري".
تسلم أعرافي بعد والده مسؤولية إدارة شؤون "بيت المرشد"، وهي مؤسسة دينية اقتصادية أشبه بشركة عائلية لإدارة الكيانات والمؤسسات التي يشرف عليها "المرشد" شخصيا، ويتقاسم أرباحها مع "الحرس الثوري"
انطلاقا من هذا "التعاون"، بدأ يلمع نجمه في فضاء القيادة، لكن هذه الاعتبارات اعترضتها موانع كثيرة في قم (الحوزة الدينية) أكثر من طهران، أولها درجته العلمية، وثانيها مسألة التوريث التي حارب بها مناصرو خامنئي ورثة الخميني، لكن علاقته العميقة بـ"الحرس الثوري" التي مكّنته من التحكم بدوائر السلطة، ومن توسيع نفوذه داخل المعادلات السياسية والأمنية والهيمنة على القطاعات الاقتصادية، عادت ووفرت له مفاتيح الحظ للدخول إلى حلبة المنافسة.
بين خامنئي الابن وأعرافي الكاريزماتي يتردد اسم الخميني الحفيد، ويرى متابعون أن طرح اسمه مجرد تكتيك من قِبل النظام، لإظهار قدر من المرونة المطلوبة خلال محنة الحرب والفراغ التي يمر بها. وذلك لسبيين: أولا، كون اسمه يحمل رمزية عاطفية، من شأنها أن تساعد النظام على لملمة جراحه، عبر إعادة ضخ نوستالجيا الثورة ومشاهد أيامها الأولى المجيدة في أذهان الرأي العام، وثانيا: بصفته معتدلا وقريبا من التيار الإصلاحي، ولا يملك ارتباطات بأي جهاز حاكم في الدولة، وغير متورط في جرائم قمع أو قتل أو فساد. ومع ذلك فإن اختياره في الوقت نفسه، يعني أن الدولة العميقة فقدت شخصيتها، وتنازلت عن مكانتها وجبروتها، وانحنت أمام عواصف التغيير.
بين خامنئي الابن وأعرافي الكاريزماتي يتردد اسم الخميني الحفيد، ويرى متابعون أن طرح اسمه مجرد تكتيك من قِبل النظام، لإظهار قدر من المرونة المطلوبة خلال محنة الحرب والفراغ التي يمر بها
عمليا، يلعب مجلسا "الأوصياء" و"الخبراء" دورا استباقيا في صنع "المرشد"، فالأول لا يسمح لأي فقيه بالوصول إلى "مجلس الخبراء"، إن لم يكن مستوفيا الشروط التي يضعها ويحددها وفق رؤيته الفقهية وأهوائه السياسية، أما الثاني فتتيح له آلية اختيار ستة فقهاء من أصل اثني عشر فقيها في "مجلس الأوصياء"، أن يختار المناسب بين المرشحين لعضويته، وبالتالي المؤثرين في انتخاب "المرشد".
دور مجلس الخبراء
دستوريا، انتخاب "المرشد" هو من اختصاص "مجلس الخبراء"، غير أن هذا الحق الدستوري يبدو شكليا عند مراجعة آلية تعيين المرشدَين السابقين الخميني وخامنئي، فالأول كان ثمرة مرحلة الثورة والتأسيس، والثاني نتيجة توافق النخب السياسية وتحالفاتها.
ويتكون "مجلس الخبراء" من 88 رجل دين يمثل كل واحد منهم منطقة في إيران، ويتم انتخابهم بالتصويت الشعبي على طريقة الانتخابات التشريعية، وتبلغ مدة ولايته ثماني سنوات (الولاية الأطول بين المجالس)، ويفرض بعض القيود على أعضائه، من بينها شرط الاجتهاد، إضافة إلى إجراء امتحانات كتابية ومقابلات شفهية لفحص أهلية المرشحين، أو بالأحرى لاستبعاد المغضوب عليهم من السباق، ونتيجة لذلك، صار أغلب أعضائه يُنتخَبون بالتزكية.
جلسة لمجلس الخبراء في العاصمة طهران
وتنحصر وظيفته بتحديد مهام "المرشد" ومراقبته والإشراف على أدائه، فضلاً عن عزله في حالات خاصة، لكن لم يسبق أن وجّه إلى المرشدين السابقين أي انتقاد، بل بدا خلال عهديهما وكأنه مجلس إشادات ومدائح، وجعل الإشراف على أداء "المرشد" تمكينا لظروف بقائه، باستثناء احتجاج آية الله علي محمد دستغيب ممثل مدينة شيراز، الذي اعترض على قمع مظاهرات "الحركة الخضراء"، فكان نصيبه التهميش والإقصاء.
كما أنه لا يخضع لأي سلطة أو مؤسسة في الدولة، ويتمتّع باستقلالية تمكّنه من إدارة نفسه داخليا واتخاذ قراراته في نطاق مسؤولياته، لكن على الرغم من استقلاليته، يبقى الإشراف النهائي على قراراته من حيث توافقها مع المعايير الإسلامية من مسؤولية فقهاء "مجلس الأوصياء"، وقد تشكّلت أولى هيئاته بعد الثورة أساسا، بموجب قانون أقرّه "مجلس الأوصياء".
دور مجلس الأوصياء
إذا كان "مجلس الخبراء" يختار "المرشد"، فما دور "مجلس الأوصياء" في العملية؟
ينص الدستور الإيراني على نوعين من الصلاحيات لـ"مجلس الأوصياء": التشريع والموافقة على قرارات مجلس الشورى الإسلامي أو رفضها، والقضاء، أما مسؤولياته فتنحصر في الإشراف على كل أنواع الانتخابات، من "مجلس الخبراء"، إلى مجلس النواب إلى رئاسة الجمهورية.
كان الخميني قد وافق على إنشائه خلال إقامته في باريس، متأثرا بالمجلس الدستوري الفرنسي، بعد أن حمل إليه فقهاء حوزة قم الدينية مسوّدة الدستور، في أيام الإعداد المنظم لإيران ما بعد البهلوية، وتضمنت المادة (77) منه، أن يتشكل من اثني عشر عضوا، ستة فقهاء يختارهم "مجلس الخبراء"، وستة آخرون تسمّيهم السلطة القضائية، لفترة ولاية تبلغ ست سنوات، ما يعني أنه مجلس تعيين غير منتخب من الشعب، ثم صار "المرشد" لاحقا يعيّن أربعة من أعضائه.
يقع على عاتق أعضاء "مجلس الأوصياء" الذين يحضرون جلسات البرلمان، تحديد تعارض القوانين التشريعية مع الدستور، بينما يقع على عاتق المجتهدين الستة تحديد تعارض هذه القوانين مع أحكام الشريعة الإسلامية، ومع الوقت توسّعت صلاحياته وصارت متفوّقة على صلاحيات البرلمان، وبات يملك سلطة نقض وتشريع وسن القوانين انطلاقا من مفهوم أن "الفقه الإسلامي كامل من الناحية القانونية"، وأنه "ما زال لدينا فقهاء فما حاجتنا إلى رجال القانون".
وحاليا، يرأس المجلسين رجل الدين المتشدد آية الله أحمد جنتي، الذي ناهز عمره قرنا من الزمان، وفي العقد الأخير لم يعد بإمكانه حضور الاجتماعات فكان يرسل ابنه نيابة عنه.
نظرية "ولاية الفقيه المطلقة"، التي صاغها الخميني قبل عشر سنوات من انتصار الثورة، وبعد ست سنوات من انتفاضة المدرسة الفيضية في قم التي قادها شخصيا، احتجاجا على سياسات الشاه المخلوع وأسفرت عن مجزرة، والتي تمنح السيادة والقيادة المطلقة للفقيه على الأمة خلال عصر الغيبة (غيبة الإمام المهدي المنتظر)، ترجمها عمليا في هذين المجلسين بالذات، إضافة إلى مجالس وكيانات أخرى مثل "مجلس تشخيص مصلحة النظام"، ثم أصبحت الأساس الدستوري والقانوني لنظام الجمهورية الإسلامية الثيوقراطي.
يجمع نظام الولاية المطلقة بين الأيديولوجيا والإطار الإداري للدولة، ويوفّر للفقهاء سلطة تعليق الأحكام الدينية والسياسية وتعطيلها، ويؤمّن لهم في الوقت نفسه تبادل النفوذ وتقاسم المناصب، ويضمن لهم البقاء في السلطة وتوزيعها وترتيبها وفق مصالحهم.
في الختام، إذا كان انتخاب المرشدين السابقين نتيجة اجتماع إرث الثورة وتوازنات النخب الحاكمة، فإن هذه الدورة، تخضع للمعادلات التي ستفرضها الحرب، فإذا رجحت الكفّة لصالح النظام بهيئته الحالية، يختار اسما محافظا، وإذا كان العكس فالاسم الإصلاحي جاهز.. وقد لا يكون هناك "مرشد" ثالث أصلا!