تقسيم إيران... قوميات الأطراف تراقب بحذر

سيتحول إلى جوهر الصراع الداخلي؟

أ.ف.ب - المجلة
أ.ف.ب - المجلة

تقسيم إيران... قوميات الأطراف تراقب بحذر

خلال مقابلة تلفزيونية مطولة، عقب مقتل "المُرشد" الإيراني علي خامنئي، ركز وحذر رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، والشخصية القيادية الأولى راهنا في السلطة الإيرانية، علي لاريجاني، على ما أسماه "الخطة النهائية للولايات المتحدة وإسرائيل"، المتمثلة في "زرع الفوضى وتقسيم إيران"، متعهدا بإفشالها، ومتوعدا كل الساعين لتحقيقها، سواء من الخارج أو الداخل.

المثير للانتباه، هو تبني الكثير من قوى وقادة المعارضة الإيرانية، الوطنية والقومية الفارسية تحديدا، للخطاب نفسه، بما في ذلك ولي عهد نظام الشاه السابق رضا بهلوي، وإن من موقع المناهض للنظام الحالي. إذ يحذرون القائمين على السلطة من إمكانية تقسيم البلاد، في حال استمرارهم بالتوجهات الراهنة نفسها، وعدم الاستسلام وترك البلاد للمعارضة. متوعدين بدورهم قوى المعارضة الإيرانية الممثلة للقوميات الإيرانية.

أ.ف.ب
رئيس المجلس الاعلى للامن القومي الايراني علي لاريجاني في اجتماع في دمشق في 16 فبراير 2020

تلاقي خطابات الحكام الجدد، بعد رحيل خامنئي، من نظرائهم من قوى أقصى المعارضة الراديكالية الجذرية، على مسألة التحذير من "تقسيم إيران"، يدل على أن هذا التقسيم سيتحول إلى جوهر الصراع الداخلي في البلاد خلال المستقبل المنظور، وإن من مواقع ورؤى مختلفة.

الجذر الجغرافي للشرخ السياسي

في حديث مطول مع "المجلة"، يشرح الباحث الإيراني المختص بالشأن السياسي رامين حميداني ما يعتبره "جذر السياسة" في إيران، راسما ملامح الوقائع السياسية التي قد يحدث صراع بشأنها في المستقبل المنظور، مضيفا: "منذ قرون كثيرة، كانت الجغرافيا الإيرانية قائمة على ثنائية مركزية أبناء القومية الفارسية في المركز الإمبراطوري للدولة، في المثلث الممتد بين مدن طهران وشيراز ومشهد، بينما تتوزع القوميات البلوشية والعربية والكردية والأذرية على كامل المحيط الجغرافي للبلاد. كان ذلك التموضع الجيوسياسي الداخلي يحدد رؤيتين متناقضتين حول البلاد، فالقوى المركزية الحاكمة، التي كانت ذات نزعة أيديولوجية وسلوك سياسي وهيمنة مؤسساتية قومية فارسية تماما، كانت تعتبر (التحذير من التقسيم) أداتها الدائمة لربط أبناء القومية الفارسية ببنى الدولة والقبول بشرعيتها. فكل الأنظمة التي حكمت إيران، كانت تتهم معارضيها بالسعي لفصل الأطراف غير الفارسية عن المركز، وتاليا تفكيك إيران. وقُبالة هذه الرؤية، فإن مجموع القوى السياسية الإيرانية غير الفارسية، متمثلة بالحركات القومية الكردية والأذرية والعربية والبلوشية، كانت تصنف ذلك الخطاب كأداة وظيفية تستخدمها السلطات الحاكمة بغية احتكار جميع السلطات، وعدم القبول بأنواع من الحكم اللامركزي، الذي يعطي بعض السلطات المحلية للأطراف، ليشعر أبناء القوميات الأخرى بنوع من التوازن والمساواة مع أبناء القومية الفارسية. مؤكدين أن تلك السياسات المركزية/الشمولية هي الأداة الأكثر فاعلية لتفكيك إيران، لأنها تزيد المسافة والاحتقان بين الإيرانيين على أساس قومي".

اشتراك السلطة مع قوى المعارضة السياسية الرئيسة على جوهرية قضية "الوحدة الجغرافية للبلاد"، وعدم نزوع أي منها للقبول بأي شكل من اللامركزية السياسية، يزيد من مخاطر الاستقطاب الحاد

يحدد الباحث حميداني ست مشاكل رئيسة تواجه أبناء القوى السياسية الإيرانية غير المركزية في البلاد، تمنعها من بلورة خطاب ورؤية سياسية موحدة تجاه مسألة وإمكانية الانفصال مستقبلا، وهي عقبات تزيد من فرص وإمكانية ارتفاع مستويات الشرخ الوطني الداخلي، الذي قد يصل لدرجة استحالة إعادة اللحمة، فيما لو استمرت هذه العوامل على ما هي عليه، لكنها تمنع الانفصال عن سيادة البلاد، محددا إياها بما يلي: "تواجه كل واحدة من القوميات الأربعة غير الفارسية تحديا ذاتيا رهيبا، يمنعها من خلق مساحة داخلية مشتركة، قائمة على الوحدة المجتمعية والجغرافية المحلية. فالبلوش المتمركزون في جنوب شرق البلاد ممتدون على مساحة جغرافية واسعة للغاية، لكن مع عوز شديد في الديموغرافيا. إذ لا يزيد تعدادهم عن مليوني نسمة، وسعت السلطات الحاكمة طوال قرن كامل إلى إحداث تغييرات سكانية في مناطقهم، ما يمنعهم من خلق رؤية جيوسياسية واضحة. الأمر نفسه ينطبق على العرب في جنوب غرب البلاد، فتمركز الثروات النفطية في مناطقهم، دفع مختلف السلطات الإيرانية لإحداث خلخلة ديموغرافية مستدامة، سمحت بموجبها لملايين الإيرانيين من غير العرب (بالاستيطان) في المناطق ذات الغالبية العربية. الشرطان الآنفان لا ينطبقان على الأكراد والأذر، غرب وشمال البلاد، لكن مع تحديين مختلفين. فالأكراد يحظون بمعارضة صفرية من قِبل تركيا، تمنعهم من بلورة سياسة ذات ملامح (انفصالية). أما الأذر فمأخوذون بالحيز الطائفي، فهويتهم الشيعية تنسج لهم روابط خاصة مع نظرائهم الفرس ثقافيا ونفسيا، وتمنعهم من تشييد خيارات سياسية قائمة على إمكانية الانفصال. مع العوامل الأربعة تلك، فاشتراك السلطة مع قوى المعارضة السياسية الرئيسة على جوهرية قضية (الوحدة الجغرافية للبلاد)، وعدم نزوع أي منها للقبول بأي شكل من اللامركزية السياسية، يزيد من مخاطر الاستقطاب الحاد بين التيارات الوطنية المركزية، لو جاز التعبير، ونظيرتها الممثلة للحساسيات القومية. ومع الأمور الأربعة، فإن ثمة غيابا تاما لأية رعاية إقليمية أو دولية لمستقبل النظام السياسي الإيراني، وهو ما يزيد من إمكانية تفاقم الانقسام الداخلي، وتاليا زيادة مستويات الخطر على السلام الجغرافي للبلاد".

مارس نظام الحكم الراهن مجموعة واسعة من السياسات "الاستيعابية" بحق أبناء القوميات الطرفية في البلاد، وكانت فعليا استراتيجيات "قهرية"

 الاستثناء الكردي

على الرغم من نفي جميع القوى السياسية الإيرانية سعيها لتقسيم البلاد، أو وضعها لأية برامج سياسية أو أيديولوجيات دافعة لذلك، فإن التاريخ السياسي الإيراني زاخر بتجارب متراكمة من الانقسام الداخلي على أساس إثني/جغرافي. ففي أوائل القرن العشرين، خسرت إيران الكثير من مناطقها الجغرافية، شمال وجنوب وغرب البلاد، نتيجة سعي الجماعات الإثنية فيها للانفصال عن إيران والارتباط بدول أخرى. وفي أواسط القرن أعلنت دولتان في الداخل الإيراني استقلالهما، واحدة كردية وأخرى أذرية، بعدما فقدت السلطات المركزية سطوتها بسبب الاحتلال الثنائي البريطاني والسوفياتي مع بداية الحرب العالمية الثانية. وحين سقط نظام الشاه، وقامت الثورة الإيرانية في أواخر السبعينات من القرن المنصرم، خرج الكثير من المناطق الإيرانية عن سيطرة السلطة المركزية، وبقيت كذلك طوال سنوات كثيرة، واستمر بعضها شبه مستقل داخليا حتى أواسط الثمانينات.

أ.ف.ب
إيراني يحمل صورة المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي بعد مقتله، أثناء توافد حشود المعزين إلى ساحة بطهران في 1 مارس 2026

بناء على ذلك، مارس نظام الحكم الراهن مجموعة واسعة من السياسات "الاستيعابية" بحق أبناء القوميات الطرفية في البلاد، وكانت فعليا استراتيجيات "قهرية"، تتقصد محق تطلعات أبناء القوميات غير الفارسية، حسبما يشرح السياسي الكردي الإيراني برهاني مجيد موكرياني، مضيفا: "كانت اللعبة الرئيسة للسلطات الإيرانية طوال أكثر من نصف قرن تتمثل بالخلط والصهر القومي. فهي من جهة منعت كل القوميات من تنمية ثقافتها ولغتها وإمكانياتها الثقافية، وتاليا الاستلاب للثقافة المركزية الفارسية. كذلك أخلت بشروط التنمية المتوازنة، فاضطر الملايين من أبناء القوميات للهجرة نحو مدن المثلث الفارسي، طهران وشيراز ومشهد، التي تحولت إلى حواضر تضم عشرات الملايين من الحساسيات القومية المختلفة، فيما تبدد (الصفاء) القومي في المناطق الطرفية، حين استقر ملايين الموظفين العموميين من مختلف القوميات فيها".

يتابع موكرياني حديثه قائلا: "لم تتمكن تلك السياسات من خلق استيعاب كامل للوعي والنزعة القومية الكردية في المناطق ذات الأغلبية الكردية. فالأحزاب القومية الكردية بقيت شديدة التأثير على الأكراد وشكل روابطهم مع الدولة الإيرانية ونوعية تطلعاتهم المستقبلية. خصوصا وأن تلك الأحزاب مسلحة بأغلبيتها، وذات تاريخ (نضالي) زاخر في الأوساط الشعبية، ما يخلق سطوة سياسية ورمزية لها. هذا غير الطبيعة الجغرافية الجبلية القاسية للمناطق الكردية غرب البلاد، التي تمنع السلطات الإيرانية من إعادة السيطرة على المناطق الكردية بسهولة، فيما لو خرجت عن سيطرتها.

حالة الفوضى العارمة التي قد تحدث في مختلف مناطق البلاد عقب سقوط النظام الراهن، ستكون صعبة على أية قوة حاكمة من حيث إعادة الضبط مستقبلا بشكل فعال وسريع، ما سيحول التقسيم إلى واقع فعلي

مع الأمرين، فإن القوى السياسية الكردية الإيرانية ذات علاقات ووشائج سياسية متينة مع القوى الغربية، بالذات مع الولايات المتحدة، وهي القوى الإيرانية الوحيدة التي لا (تخجل) ولا تخشى من إعلان ذلك. لكن معضلتين جوهريتين تواجهان أكراد إيران، قد تمنع قواهم السياسية من بلورة أي مشروع قومي قائم على أساس جغرافي. فتركيا ستمارس نفس السياسات التي تعاملت بها مع الحالة الكردية-السورية. كذلك ثمة انقسامات على أساس اللهجة ضمن الجغرافيا الكردية الإيرانية. فهم منقسمون إلى ثلاثة أثلاث على أساس لغوي، إذ يتحدث سكان محافظة أذربيجان الغربية اللغة الكردية باللهجة (الكرمانجية)، فيما يتحدث أكراد محافظة كردستان اللغة الكردية باللهجة (الصورانية)، وسكان محافظتي كرمنشاه وإيلام يتحدثون لهجتي (اللك واللور) الكرديتين. هذا غير الانقسام الطائفي. فأكراد محافظة كرمنشاه، الذين يشكلون ثلث الأكراد الإيرانيين، مسلمون شيعة، فيما باقي أكراد إيران مسلمون سُنة".  

غياب الرؤية الدولية

تعرف القوى السياسية الإيرانية- بالذات الممثلة لتطلعات أبناء القوميات غير الفارسية- تعرف أن السعي وبلورة برنامج قائم وساعٍ لتقسيم إيران جغرافياً، سيكون نوعا من "الانتحار السياسي"، في ظل غياب أية رؤية أو قبول من قِبل القوى الدولية، وبالذات الولايات المتحدة، لمثل تلك الطروحات. وهو توجه دولي تلاقيه مختلف القوى الإقليمية المحيطة بإيران.

أ.ف.ب
رضا بهلوي، ولي العهد الإيراني السابق والقيادي البارز في المعارضة حاليا، في مؤتمر ميونخ للأمن في 13 فبراير 2026

لكن أحزاب القوميات الإيرانية تعول على تفصيلين آخرين، قد يكونان فاعلين في تحديد مسارات مستقبل البلاد. فهي ترى في سقوط النظام الحالي إمكانية واسعة للتفاهم مع الأحزاب التي تعتبر نفسها ممثلة للقومية الفارسية، التي تسمي نفسها "الأحزاب الوطنية". فهذه الأخيرة ضعيفة للغاية، ومتصارعة فيما بينها، بل متعادية في الكثير من الأحيان، وهي سوف تصطدم في المستقبل القريب مع القوى الناشطة في الداخل الإيراني، من بقايا النظام الحالي. هذه الحالة تساعد على بلورة توافق سياسي واسع معها، قائم على قبولها باللامركزية السياسية الجغرافية "الفيدرالية" لأبناء القوميات غير الفارسية في مناطقهم، شرطا لبقائهم ضمن مظلة السيادة الإيرانية. ثمة رفض مبدئي حازم من قِبل بعض القوى المركزية، مثل تيار ولي العهد السابق رضا بهلوي، وقبول واضح من قِبل تيار "مجاهدي خلق"، لكن الأوزان النسبية لهذه القوى في الداخل الإيراني ما تزال مجهولة تماما.         
أخيرا، فإن حالة الفوضى العارمة التي قد تحدث في مختلف مناطق البلاد، عقب سقوط النظام الراهن، ستكون صعبة على أية قوة حاكمة من حيث إعادة الضبط مستقبلا بشكل فعال وسريع، ما سيحول التقسيم إلى واقع فعلي، قد يستحوذ على شرعية إقليمية ودولية في المستقبل المنظور.

font change

مقالات ذات صلة