غبار وإشعاع وجاذبية ناقصة... هل يستطيع البشر العيش على القمر؟

عالم لا يرحب بالجسد البشري

Mark Pernice
Mark Pernice

غبار وإشعاع وجاذبية ناقصة... هل يستطيع البشر العيش على القمر؟

في 20 يوليو/تموز 1969، وبينما كانت مركبة "أبولو 11" تقترب من لحظة الهبوط التاريخية على سطح القمر، لم يكن العالم يتابع مجرد إنجاز تقني، بل لحظة بدت كأنها انتقال رمزي للإنسان من الأسطورة إلى العلم.

وفي خضم التوتر داخل مركز التحكم في هيوستن، طلب أحد مسؤولي الاتصال من رواد الفضاء، على سبيل المزاح، أن يبحثوا فوق القمر عن فتاة جميلة يرافقها أرنب كبير، ضاعت هناك منذ آلاف السنين. فجاء الرد الهادئ من الطاقم: سنبقي أعيننا مفتوحة بحثا عنها.

لم تكن المزحة عابرة تماما. فقد أحالت إلى واحدة من أشهر الأساطير الصينية القديمة، أسطورة تشانغ إيه أو المرأة التي انتهى بها المطاف على القمر، ومعها الأرنب اليشمي أو "أرنب القمر".

تقول إحدى الروايات إن البطل الأسطوري هو يي حصل على إكسير الخلود مكافأة له بعدما أنقذ الأرض، لكنه رفض شربه لأنه لم يرد أن يعيش إلى الأبد بعيدا من زوجته. وفي روايات أخرى، شربت تشانغ إيه الإكسير، إما لحمايته من السرقة أو طمعا في الخلود، فارتفعت إلى السماء واستقرت فوق القمر.

بقيت الأسطورة حية في الثقافة الصينية حتى اليوم، وتحضر في مهرجان منتصف الخريف، كما ألهمت اسم برنامج الصين لاستكشاف القمر "تشانغ إيه".

أما في الغرب، فقد اختارت وكالة الفضاء الأميركية "ناسا" اسم "أرتميس" لبرنامجها الجديد للعودة إلى القمر، في إشارة إلى أخت أبولو في الأساطير اليونانية. لكن هذه العودة لا تشبه سباق القرن العشرين بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. فالمهمة الآن ليست مجرد رفع علم أو جمع عينات صخرية، بل اختبار قدرة البشر على البقاء والعمل وربما بناء وجود طويل الأمد خارج الأرض.

غبار القمر ليس كالغبار الأرضي المعتاد. إذ يتكون من جسيمات دقيقة جدا، كثير منها حاد الحواف نتيجة اصطدام النيازك الدقيقة بسطح القمر على مدى ملايين السنين

ومن هنا يبرز السؤال الأكثر تعقيدا: هل صمم جسم الإنسان أصلا للحياة على سطح القمر؟ وهل تكفي التكنولوجيا لحماية كائن نشأ عبر ملايين السنين تحت جاذبية الأرض، وغلافها الجوي، ومجالها المغناطيسي، ودوراتها اليومية، من بيئة قاسية لا تشبه موطنه الأول في شيء؟

غبار القمر... العدو الصغير

عندما عاد رواد "أبولو" من سطح القمر، لم تكن الصخور القمرية وحدها ما جلبوه معهم. كان هناك شيء آخر تسلل إلى البدلات والمعدات والمركبات: غبار القمر. وقد بدا في البداية كأنه مجرد إزعاج تشغيلي، لكنه صار لاحقا واحدا من أكثر التحديات الصحية والهندسية إثارة للقلق في أي محاولة للعيش على القمر.

غبار القمر ليس كالغبار الأرضي المعتاد، إذ يتكون من جسيمات دقيقة جدا، كثير منها حاد الحواف نتيجة اصطدام النيازك الدقيقة بسطح القمر على مدى ملايين السنين.

وعلى عكس حبيبات الرمل التي تنحتها الرياح والمياه على الأرض فتجعلها أكثر نعومة، فإن غبار القمر لم يتعرض لهذه العمليات؛ لأن القمر لا يملك غلافا جويا ولا أنهارا ولا أمطارا. لذلك تبدو حبيباته، تحت المجهر، أقرب إلى شظايا صغيرة خشنة يمكن أن تخدش الأسطح وتلتصق بها.

تزداد المشكلة بسبب الشحنة الكهربائية. فسطح القمر يتعرض مباشرة للإشعاع الشمسي والبلازما القادمة من الشمس، مما يجعل الجسيمات الدقيقة قابلة للالتصاق بالبدلات والمعدات كما تلتصق قصاصات الورق بجسم مشحون كهربائيا.

وقد اشتكى رواد "أبولو" من أن الغبار كان يدخل إلى المركبة، ويغطي البدلات، ويصدر رائحة غريبة تشبه رائحة البارود المحترق، بل تسبب لبعضهم في أعراض تهيج مؤقتة تشبه الحساسية.

الجسم البشري لم يتطور في فراغ، بل تحت ضغط الجاذبية الأرضية، وتعمل العظام والعضلات والقلب والأوعية الدموية والجهاز العصبي وهي تفترض أن هناك "أسفل" و"أعلى"، كما أن وزن الجسم يضغط على الهيكل العظمي كل يوم، وعندما تقل الجاذبية، يتغير هذا التوازن

لكن الخطر الأكبر يظهر عندما نتخيل إقامة طويلة، لا زيارة قصيرة. فاستنشاق الجسيمات الدقيقة قد يسمح لها بالوصول إلى أعماق الرئة، حيث يمكن أن تثير التهابا مزمنا أو تلفا نسيجيا مع التعرض المتكرر. ولا تقف المخاطر عند الرئة، إذ قد يؤدي الغبار إلى تهيج العينين والجلد، خصوصا إذا تسلل إلى داخل بيئة السكن أو تراكم في البدلات والمداخل الهوائية.

وتشير مراجعات علمية حديثة إلى أن المعرفة الحالية بمخاطر غبار القمر لا تزال ناقصة. فبعثات "أبولو" كانت قصيرة جدا، ولم يتعرض الرواد للغبار إلا لفترات محدودة. أما المستعمرات أو القواعد القمرية المستقبلية فستعني تعاملا يوميا ومتكررا مع الغبار، أثناء الخروج للمهام، أو قيادة المركبات، أو الحفر، أو بناء المساكن، أو استخراج الموارد من التربة القمرية.

AFP
أفراد طاقم مهمة أرتميس 2 الأربعة (من اليسار إلى اليمين): رائد الفضاء الكندي جيريمي هانسن، اختصاص مهمة أرتميس 2 (مخفي)، ورواد فضاء ناسا: ريد وايزمان، قائد مهمة أرتميس 2، وكريستينا كوتش، اختصاصة مهمة أرتميس 2، وفيكتور غلوفر، طيار مهمة

ولفهم هذه التأثيرات، لجأ باحثون في السنوات الأخيرة إلى استخدام "محاكيات" لغبار القمر في المختبر. وفي دراسة منشورة عام 2024، عرض باحثون خلايا بشرية من الرئة وخلايا مناعية من الدم لتركيزات مختلفة من غبار قمري محاكى. وأظهرت النتائج أن التعرض تسبب في علامات تلف خلوي، وزيادة في الإجهاد التأكسدي، وتغيرات مرتبطة بالالتهاب وموت الخلايا في بعض الظروف التجريبية. وهذه النتائج لا تعني أن كل تعرض لغبار القمر سيكون قاتلا أو مدمرا، لكنها تؤكد أن الغبار ليس تفصيلا هامشيا، بل عامل خطر يجب هندسة الحياة القمرية كلها حوله.

لذلك، قد تصبح مكافحة الغبار شرطا أساسيا للحياة على القمر عبر تصميم مداخل عازلة، وبدلات لا تدخل إلى مناطق المعيشة، وأنظمة ترشيح قوية، ومواد سطحية مقاومة للالتصاق، وربما تقنيات كهربائية أو مغناطيسية لإزالة الغبار قبل أن يتحول إلى ضيف دائم داخل المساكن القمرية.

جاذبية أقل

على سطح القمر، لا يزن الإنسان إلا نحو سدس وزنه على الأرض. هذه الحقيقة صنعت واحدة من أشهر صور بعثات "أبولو"، رواد فضاء يقفزون بخفة فوق سطح رمادي، كما لو أن الجسد تحرر أخيرا من عبء الأرض. لكن ما يبدو ممتعا في مقطع قصير قد يتحول إلى مشكلة صحية طويلة الأمد.

فالجسم البشري لم يتطور في فراغ، بل تحت ضغط الجاذبية الأرضية، وتعمل العظام والعضلات والقلب والأوعية الدموية والجهاز العصبي وهي تفترض أن هناك "أسفل" و"أعلى"، كما أن وزن الجسم يضغط على الهيكل العظمي كل يوم، وعندما تقل الجاذبية، يتغير هذا التوازن.

في الفضاء، تفقد العظام كثافتها، خصوصا العظام التي تحمل وزن الجسم على الأرض مثل الحوض والفخذين والساقين والعمود الفقري. فالهيكل العظمي يحتاج إلى ضغط الجاذبية والحركة اليومية كي يحافظ على قوته، وعندما تقل الأحمال، تضعف العظام وتصبح أكثر هشاشة.

لن تكون القواعد القمرية مجرد مساكن مريحة، بل هي حصون واقية، ربما تدفن جزئيا تحت التربة القمرية، أو تبنى بمواد خاصة، مع ملاجئ للطوارئ أثناء العواصف الشمسية

ولا يعرف العلماء بعد هل تكفي جاذبية القمر، التي تعادل سدس جاذبية الأرض، لحماية العظام والعضلات على المدى الطويل. فالعضلات أيضا تفقد كتلتها وقوتها في غياب المقاومة، لذلك ستكون التمارين اليومية جزءا أساسيا من الوقاية، لا مجرد نشاط اختياري.

كما أن الحركة على القمر ليست سهلة كما تبدو. فالبدلة ثقيلة، والرؤية محدودة، والسطح غير مستو، وأي سقوط قد يكون خطيرا. كذلك تؤثر الجاذبية المنخفضة في توزيع السوائل داخل الجسم، فتتحرك نحو الرأس، مما قد يتسبب بانتفاخ الوجه، وانسداد الأنف، وتغيرات في ضغط العين والرؤية.

الإشعاع: الخطر غير المرئي

على الأرض، يحمينا الغلاف الجوي والمجال المغناطيسي من جزء كبير من الإشعاع الكوني. أما القمر، فلا يملك هذا الدرع. فلا غلاف جوي سميك ولا مجال مغناطيسي عالمي، مما يجعل رواد الفضاء أكثر عرضة لإشعاع الشمس والجسيمات القادمة من الفضاء العميق.

الخطر لا يأتي من السماء فقط. فعندما تضرب الأشعة الكونية تربة القمر، قد تنتج جسيمات ثانوية مثل النيوترونات وأشعة "غاما"، فتزيد التعرض الإشعاعي. ومع الوقت، قد يضر هذا الإشعاع الحمض النووي، ويرفع خطر السرطان، ويؤثر في الجهاز العصبي والمناعة والقلب.

لذلك، لن تكون القواعد القمرية مجرد مساكن مريحة، بل هي حصون واقية، ربما تدفن جزئيا تحت التربة القمرية، أو تبنى بمواد خاصة، مع ملاجئ للطوارئ أثناء العواصف الشمسية.

هناك حقيقة مباشرة لا تحتاج إلى تعقيد، الإنسان لا يستطيع الوقوف حرا على سطح القمر بلا بدلة. لا يوجد هواء للتنفس، ولا ضغط جوي يحافظ على سوائل الجسم في حالتها الطبيعية، ولا حماية من الحرارة والإشعاع. سطح القمر يتأرجح بين درجات حرارة شديدة الارتفاع في ضوء الشمس وشديدة الانخفاض في الظل، خصوصا خلال الليل القمري الطويل.

حتى داخل القاعدة، لن يعيش الإنسان في بيئة طبيعية، بل في نظام مغلق وبهواء يعاد تدويره، ومياه يعاد استخدامها، كما أن الطعام قد يكون محدود التنوع، والمساحة ضيقة، والاعتماد على التكنولوجيا كامل

وهذا يعني أن "الخروج" على القمر ليس مثل الخروج من بيت إلى شارع. كل نشاط خارج المسكن سيكون عملية معقدة تحتاج بدلة مضغوطة، وأوكسجينا، وتبريدا، واتصالات، وحماية من الإشعاع والغبار، ومراقبة مستمرة. وكلما طال زمن الإقامة، زادت احتمالات الأعطال والحوادث والتعرض المتكرر.

حتى داخل القاعدة، لن يعيش الإنسان في بيئة طبيعية، بل في نظام مغلق وبهواء يعاد تدويره، ومياه يعاد استخدامها، كما أن الطعام قد يكون محدود التنوع، والمساحة ضيقة، والاعتماد على التكنولوجيا كامل. وعلى الأرض، قد يكون عطل في جهاز تهوية مشكلة هندسية. على القمر، قد يكون تهديدا للحياة.

الصحة النفسية والعيش في عزلة رمادية

بعيدا من العظام والرئة والإشعاع، هناك سؤال آخر: ماذا يحدث لعقل الإنسان عندما يعيش في مكان مغلق، بعيد، صامت، لا سماء زرقاء فيه، ولا أشجار، ولا بحر، ولا شوارع، ولا عائلة، ولا عودة سريعة عند الضيق؟

لا توجد حتى الآن مستوطنات قمرية تسمح بدراسة نفسية مباشرة للحياة هناك، لكن لدينا خبرة من محطات الفضاء، والغواصات، والقواعد القطبية، وتجارب العزل الأرضية التي تحاكي السفر الفضائي. وتشير مراجعات علمية إلى أن العزلة والحبس في مساحة محدودة، واضطراب النوم، وبعد المسافة عن الأرض، كلها عوامل يمكن أن تزيد الضغط النفسي، والتهيج، والقلق، واضطرابات المزاج، وتراجع الأداء المعرفي لدى بعض الأفراد.

AFP
يظهر رائد الفضاء هاريسون شميت وهو يجمع عينات باستخدام "المشط القمري" في موقع الهبوط "تورس-ليترو" على سطح القمر، وذلك خلال مهمة "أبولو 17" التي تعد أحدث هبوط بشري على القمر

أما النوم فيبقى تحد خاص للغاية، فعلى الأرض، تضبط الشمس ساعتنا البيولوجية كل يوم. على القمر، اليوم القمري مختلف تماما، إذ يستمر النهار والليل القمريان فترات طويلة مقارنة بدورة الأرض. وحتى داخل القواعد المغلقة، سيعتمد الرواد على إضاءة صناعية وجدولة صارمة للحفاظ على إيقاع النوم والاستيقاظ. وأي خلل مزمن في النوم قد يؤثر في التركيز والذاكرة وسرعة اتخاذ القرار، وهي أمور حاسمة في بيئة لا تسمح بكثير من الأخطاء.

حتى الآن لا نعرف إن كان الإنسان يستطيع التأقلم طبيعيا مع الحياة على سطح القمر. فالقمر لا يوفر هواء ولا ضغطا جويا ولا حماية من الإشعاع ولا جاذبية مألوفة

من محطة الفضاء الدولية، تبدو الأرض قريبة نسبيا، ويمكن العودة خلال ساعات في حالات الطوارئ. أما القمر، فرغم قربه الفلكي مقارنة بالمريخ، يظل بعيدا بما يكفي ليجعل العودة عملية معقدة، لا قرارا فوريا. هذا الوعي بالبعد قد يضغط على الإنسان نفسيا، خصوصا في المهمات الطويلة، لذلك، لن تكون هندسة المستعمرات القمرية مسألة معادن وأجهزة فقط. ستحتاج إلى تصميم نفسي ومساحات معيشة أقل اختناقا، وإضاءة تحاكي إيقاع الأرض، وخصوصية، واتصال جيد بالعائلة، وواقع افتراضي، وأنشطة فنية ورياضية، وبرامج اختيار وتدريب تراعي قدرة البشر على التعاون تحت الضغط.

تظهر أبحاث الفضاء أن جسم الإنسان يتعرض على القمر لضغوط متداخلة، تشمل انخفاض الجاذبية، والإشعاع، والعزلة، واضطراب النوم، والضغط النفسي. هذه العوامل قد تؤثر في المناعة، وتزيد الالتهاب والتعب، وتتسبب بتغيرات تشبه بعض مظاهر الشيخوخة المتسارعة.

ولا يعني ذلك أن رائد الفضاء يشيخ فجأة، بل إن جسمه يدخل في حالة ضغط بيولوجي غير مألوفة، فتضعف العضلات، وتقل كثافة العظام، ويضطرب النوم، وقد تتغير وظائف المناعة. ومع غبار القمر الحاد، والإشعاع العالي، والسطح الصخري، والبدلات الثقيلة، يصبح القمر عالما قاسيا لا يناسب الجسد البشري إلا بشروط حماية صارمة.

حتى الآن لا نعرف إن كان الإنسان يستطيع التأقلم طبيعيا مع الحياة على سطح القمر. فالقمر لا يوفر هواء ولا ضغطا جويا ولا حماية من الإشعاع ولا جاذبية مألوفة، لذلك ستكون أي حياة بشرية هناك معتمدة بالكامل على التكنولوجيا من مساكن محكمة، وبدلات فضاء، وأنظمة دعم حياة، إلى حماية مستمرة من الغبار والإشعاع.

لكن العيش على القمر ليس مستحيلا. الفكرة أن نبني فوقه "أرضا صغيرة" تحل محل ما تمنحه لنا الأرض مجانا، لكن سيظل جسم الإنسان ابن الأرض، والقمر لن يصبح بيتا له إلا إذا صنعنا له بيئة تحميه من قسوة هذا العالم.

font change

مقالات ذات صلة