بعد شهر تقريباً على توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، تبدو المنطقة وقد انتقلت إلى مرحلة جديدة من الصراع. فاستئناف الضربات العسكرية في الخليج لا يعكس انهيار المذكرة تلك فحسب، وإنما يكشف اختلالاً متزايداً في ميزان القوة، تميل كفته لمصلحة الولايات المتحدة. بينما تحاول إيران تعويض تراجع قدرتها على فرض إيقاع ناري متناسب بالانتقال إلى ساحات أخرى، يتقدمها مضيق هرمز. وذلك كله بالتزامن مع مؤشرات متزايدة على احتدام التجاذب والصراع داخل بنية النظام حول كيفية إدارة هذه المرحلة، بين من يدفع نحو احتواء الاستنزاف ومن يراهن على التصعيد لتحسين شروط التفاوض أو لنسف التفاوض من أساسه.
وهنا يبرز السؤال الأكثر أهمية: لماذا تصعّد إيران في لحظة تبدو فيها أقل قدرة على تغيير ميزان القوة عسكريا؟
يبدو أن جانبا مهماً من السلوك الإيراني الحالي ينطلق من قراءة "خاصة" لنتائج المواجهة، فداخل دوائر القرار في طهران ثمة من يعتقد على ما يبدو أن امتلاك القدرة على تهديد مضيق هرمز يمنح "الجمهورية الإسلامية" موقعا تفاوضيا متقدما، حتى لو جاء ذلك على حساب مكاسب اقتصادية مباشرة كان يمكن أن يوفرها تخفيف العقوبات من خلال التفاوض. ويقوم هذا التصور على أن السيطرة على عقدة جغرافية تتحكم بجزء كبير من تجارة الطاقة العالمية توفر نفوذا استراتيجيا أكثر استدامة من أي مكسب مالي مؤقت، كما أن إظهار الاستعداد لتحمل كلفة التصعيد يرفع قدرة إيران على ممارسة الإكراه السياسي تجاه خصومها، الولايات المتحدة ودول الخليج. لكن هذا السلوك الإيراني يشبه إلى حد بعيد سلوك صدام حسين في معاندة الظرف الإقليمي والدولي عندما اجتاح الكويت في عام 1990، وفي النهاية انقلب رهانه على الهيمنة الإقليمية ضده.


