الذكاء الاصطناعي يفرض إعادة النظر في قطاع الكهرباء

سباق الذكاء الاصطناعي يضع شبكات الكهرباء في الشرق الأوسط أمام تحديات غير مسبوقة في التخطيط والاستثمار.

إدواردو رامون
إدواردو رامون

الذكاء الاصطناعي يفرض إعادة النظر في قطاع الكهرباء

حتى وقت قريب، كان أي طلب جديد على الكهرباء يتجاوز 300 ميغاواط، يشير، في الغالب، إلى إنشاء مصهر للألمنيوم، أو مجمع للبتروكيماويات، أو منطقة صناعية كبرى. فقد يصدر طلب مماثل من حرم واحد لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، في تحول يعكس انتقال الذكاء الاصطناعي من مستهلك للخدمات الرقمية إلى أحد أكبر مستهلكي الكهرباء في العالم

لقد أصبح النمو المتسارع في الطلب على الكهرباء، مدفوعا بالذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات الفائقة التوسع، أمرا موثقا على نطاق واسع. وتشير الوكالة الدولية للطاقة إلى أن استهلاك الكهرباء في مراكز البيانات ارتفع 17 في المئة في 2025، فيما نما استهلاك مراكز البيانات المخصصة للذكاء الاصطناعي بنحو 50 في المئة، مع توقع تضاعف استهلاك القطاع إلى 950 تيراواط/ساعة في حلول 2030.

غير أن القصة الحقيقية لا تقف عند حدود زيادة الاستهلاك. فالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي تخلق فئة جديدة من مستهلكي الكهرباء، تختلف في طبيعتها عن كبار المستهلكين الصناعيين التقليديين. وهي فئة تستهلك الطاقة على نطاق غير مسبوق، وتعمل بلا انقطاع، وتطلب مستويات استثنائية من الموثوقية، وتتوقع الربط بالشبكة الكهربائية بسرعة تفوق كثيرا ما اعتادت شركات الكهرباء توفيره.

تختلف مراكز البيانات الفائقة التوسع جذريا عن الأحمال الصناعية التقليدية، إذ تجمع بين الطلب الهائل والسريع على الكهرباء، ومتطلبات الموثوقية العالية، وتركيز الأحمال في مواقع محدودة، مما يجعلها فئة جديدة من المستهلكين تفرض إعادة تصميم تخطيط وتشغيل وتنظيم شبكات الكهرباء

منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي، تركزت إصلاحات قطاع الكهرباء في كثير من دول العالم على تحرير الأسواق، وفصل أنشطة التوليد والنقل والتوزيع (Unbundling)، وإنشاء هيئات تنظيم مستقلة، وإدخال المنافسة والقطاع الخاص، بهدف رفع الكفاءة التشغيلية، وخفض تكاليف إنتاج الكهرباء، وتحسين جودة الخدمة للمستهلكين. غير أن التوسع السريع للذكاء الاصطناعي بات يختبر هذه البنى. فمع تحوّل مراكز البيانات الفائقة التوسع إلى واحدة من أكبر فئات مستهلكي الكهرباء وأسرعها نموا، أصبحت مزايا التنسيق التي توفرها المرافق المتكاملة رأسيا أكثر وضوحا.

في المقابل، تطرح هذه الطفرة، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث لا تزال المرافق المتكاملة رأسيا هي النموذج الغالب، أسئلة لا تقل أهمية حول التعرفات  المنظمة، والكهرباء المدعومة، وقدرة المرافق المقيدة ماليا وتنظيميا على توفير هذه البنية التحتية.

 رويترز
أعمدة الكهرباء مدينة لوس أنجلوس، كالفورنيا 20 أغسطس/آب 2019

لا يثبت الذكاء الاصطناعي تفوق نموذج بعينه في توفير الكهرباء على غيره. لكنه يكشف نقاط القوة والقصور في كل نموذج، ويدفع الحكومات إلى مواجهة سؤال أوسع، وهو هل ينبغي أن يستمر التعامل مع مراكز البيانات الفائقة التوسع بوصفها مجرد أحمال صناعية كبيرة، أم بوصفها فئة متميزة من العملاء الاستراتيجيين لقطاع الكهرباء، تحتاج إلى مقاربات جديدة في الربط بالشبكة، وتصميم التعرفات، والاستثمار في البنية التحتية، وتحديد أدوار شركات المرافق والمطورين؟

فئة جديدة من مستهلكي الكهرباء

للوهلة الأولى، قد تبدو مراكز البيانات الفائقة التوسع شبيهة بأي مستهلك صناعي كبير. فهي، مثل مصاهر الألمنيوم، ومجمعات البتروكيماويات، ومحطات تحلية المياه، تحتاج إلى قدرات كهربائية ضخمة.

غير أن التعامل معها باعتبارها مجرد حمل صناعي آخر، يتجاهل أربع سمات تجعلها مختلفة جذريا من منظور شركات الكهرباء. فهي، أولا، تضيف أحمالا كهربائية هائلة خلال سنوات قليلة، في حين يستغرق تطوير محطات التوليد وشبكات النقل فترة أطول بكثير. ثانيا، تتطلب تغذية كهربائية متواصلة تكاد تخلو من الانقطاعات، لأن أي توقف قد يؤدي إلى خسائر تشغيلية كبيرة. ثالثا، تحتاج إلى مستويات استثنائية من موثوقية الشبكة وجودة الطاقة واستقرار الجهد والتردد. ورابعاً، تركز أحمالا قد تصل إلى مئات الميغاواط، بل إلى نطاق الجيغاواط، في موقع واحد، بما يفرض ضغوطا غير مسبوقة على البنية التحتية الكهربائية.

وقد خلص تقرير صادر عن معهد مهندسي الكهرباء والإلكترونيات (IEEE) عام 2025 إلى أن هذه الخصائص تجعل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي فئة جديدة من الأحمال الكهربائية تتطلب إعادة النظر في أساليب تخطيط وتشغيل وتنظيم شبكات الكهرباء.

إن الطلب على الطاقة في المصنع يتبع عادة دورات الإنتاج، ونوبات العمل، وحركة السوق، بينما يمثل مركز البيانات حملا مستمرا

الدكتور ربيع بشروش، أستاذ البنية التحتية الرقمية والمدير التنفيذي لمؤسسة "أل تي أيه" (LTA)

أولا، تحتاج هذه المراكز إلى طاقة أكبر وبسرعة أعلى. فالأحمال المخصصة لتدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي، التي تعتمد على وحدات معالجة الرسومات (GPUs) العالية الأداء، تستهلك كميات من الكهرباء تفوق بكثير أحمال الحوسبة التقليدية. وتشير الوكالة الدولية للطاقة إلى أن كثافة القدرة الكهربائية لخوادم الذكاء الاصطناعي ارتفعت بنحو 11 ضعفا بين عامي 2020 و2025، ومن المتوقع أن تتضاعف أربع مرات أخرى في حلول 2027، بينما قد يستهلك رف خوادم واحد في مركز بيانات متقدم في حلول 2027 طاقة تعادل استهلاك 65 منزلا.

في المقابل، تتوسع المشاريع الصناعية التقليدية، مثل مصانع الألمنيوم أو البتروكيماويات، عادة على مراحل، مما يمنح شركات الكهرباء وقتا لتوسيع قدرات التوليد وشبكات النقل تدريجيا. أما مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي الفائقة التوسع، فتسعى غالبا إلى إضافة مئات الميغاواط من الأحمال خلال فترة زمنية قصيرة، وهو ما يخلق فجوة بين سرعة نمو الطلب وسرعة تطوير البنية التحتية الكهربائية.

أما مطورو مراكز البيانات الفائقة التوسع، فيطلبون عادة قدرات كهربائية تتراوح بين مئات الميغاواط وأكثر من جيغاواط واحد في المرحلة الأولى من التشغيل، ويتوقعون إنجاز الربط بالشبكة خلال بضع سنوات فقط. وتشير الوكالة الدولية للطاقة إلى أن مراكز البيانات التقليدية تستهلك عادة بين 10 و25 ميغاواط، بينما تتجاوز مراكز الذكاء الاصطناعي الفائقة التوسع 100 ميغاواط، وقد تصل أكبر المشاريع المعلنة إلى 2–5 جيغاواط.

 رويترز
مركز بيانات ديجيتال ريالتي (Digital Realty Data Center) في مدينة أشبورن، ولاية فيرجينيا الأميركية، 17 مارس/آذار 2025

كما يبين معهد أبحاث الطاقة الكهربائية (EPRI) أن مراكز البيانات الجديدة بقدرات تتراوح بين 100 و1,000 ميغاواط يمكن تطويرها وربطها خلال بضع سنوات، في حين يستغرق تخطيط وبناء شبكات النقل والمحطات الفرعية زمنا أطول بكثير. لذلك يتحول ما كان في السابق نموا تدريجيا في الطلب على الكهرباء إلى طلب ربط واحد ضخم يفرض ضغوطا مباشرة على قدرة الشبكة وآليات التخطيط والتوسع.

ثانيا، تستخدم هذه المراكز الكهرباء بطريقة مختلفة. ويوضح الدكتور ربيع بشروش، أستاذ البنية التحتية الرقمية والمدير التنفيذي لمؤسسة "أل تي أيه" (LTA)، في حديثه الى "المجلة": "إن الطلب على الطاقة في المصنع يتبع عادة دورات الإنتاج، ونوبات العمل، وحركة السوق، بينما يمثل مركز البيانات حملا مستمرا". ويتقلب الطلب بسرعة مع تغير أعباء العمل، بما يحل محل أنماط الأحمال المستقرة نسبيا والقابلة للتنبؤ التي اعتادت شركات الكهرباء ربطها بكبار المستهلكين الصناعيين.

ثالثا، لا تقل الموثوقية أهمية عن توافر الإمداد. فمراكز البيانات الفائقة التوسع لا تحتمل اضطرابات الكهرباء. إذ تؤكد الوكالة الدولية للطاقة أن هذه المراكز تعتمد على أنظمة مزودات الطاقة غير المنقطعة (UPS) ومولدات احتياطية لضمان مستويات مرتفعة جدا من الاعتمادية، لأن أي انقطاع في التغذية قد يوقف تشغيل الخوادم وأحمال الذكاء الاصطناعي. كما تشير الوكالة إلى أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي تُحدث تقلبات كبيرة وسريعة في استهلاك الكهرباء مقارنة بالأحمال التقليدية، مما يجعل استقرار الإمداد وجودة الطاقة عنصرين أساسيين لاستمرار التشغيل. بالمثل، يوضح معهد أبحاث الطاقة الكهربائية أن مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي تفرض متطلبات غير مسبوقة على موثوقية الشبكة وجودة الطاقة، في حين يؤكد معهد مهندسي الكهرباء والإلكترونيات أن تقلبات الجهد (Voltage Sags)، والوميض الكهربائي (Voltage Flicker)، والتوافقيات (Harmonics)، وغيرها من مشكلات جودة الطاقة، قد تؤثر في أداء المعدات الإلكترونية الحساسة، الأمر الذي يستلزم مراقبة مستمرة لجودة الكهرباء وأنظمة حماية متقدمة.  

لعقود طويلة، كانت العلاقة بين شركات الكهرباء وكبار مستهلكيها واضحة نسبيا، غير أن الذكاء الاصطناعي يطمس هذه الحدود، فهو يفرض أحمالا ذات تغيرات سريعة في القدرة الكهربائية

وأخيرا، يتسم الطلب بتركز شديد. فعلى خلاف الطلب التقليدي على الكهرباء، الذي يتوزع بين ملايين المستهلكين وآلاف المواقع، تجمع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي أحمالا كهربائية هائلة في عدد محدود من المواقع. ويؤكد معهد مهندسي الكهرباء والإلكترونيات أن أكبر حمل كهربائي منفرد كانت شركات الكهرباء تخدمه في الماضي كان في حدود بضع مئات من الميغاواط، بينما أصبحت مراكز البيانات الحديثة تصل إلى نطاق الجيغاواط، وهو ما يجعلها من أكبر الأحمال المنفردة التي تتعامل معها شركات الكهرباء، ويخلق تحديات غير مسبوقة في الربط والتشغيل واستقرار الشبكة.

وهنا ينشأ قلق مشترك بين شركات المرافق ومطوري مراكز البيانات الفائقة التوسع. فشركات المرافق تخشى أن تؤدي هذه الأحمال المركزة إلى زعزعة استقرار الشبكة، في حين يخشى المشغلون أن تتسبب اضطرابات الشبكة في إتلاف معدات شديدة التكلفة. وقد تكفي اضطرابات طفيفة لدفع مراكز البيانات إلى الانفصال عن الشبكة لحماية أصولها العالية القيمة. وكما يقول بشروش: "يشكل الحجم والتركيز تحديات إضافية، لأنه إذا تعطلت عدة مراكز بيانات أو عادت إلى الاتصال بالشبكة في الوقت نفسه، فقد يؤدي ذلك إلى تغير مفاجئ وكبير في الطلب على الشبكة"، وهو ما قد يقود إلى انقطاعات كهربائية واسعة.

 رويترز
موظف يعمل بقسم الخوادم في شركة مايكروسوفت، في أحد فروعها في دبلن، إيرلندا، 17 فبراير/شباط 2026

لقد بدأت هذه الخصائص بالفعل في إعادة تشكيل تخطيط الكهرباء. فبحسب وكالة الطاقة الدولية، من المتوقع أن يزيد استهلاك مراكز البيانات للكهرباء على الضعف، من نحو 415 تيراواط/ساعة في عام 2024 إلى قرابة 945 تيراواط/ساعة في حلول عام 2030، وهو ما يعادل تقريبا الاستهلاك السنوي الحالي للكهرباء في اليابان.

وبالنسبة إلى دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ولا سيما السعودية والإمارات اللتان تبرزان كمركزين للذكاء الاصطناعي، تتجاوز أهمية هذه المسألة أرقام الطلب نفسها. فالكهرباء باتت ممكنا استراتيجيا للتنافسية الرقمية، ويتمثل التحدي الأساس في قدرة شركات الكهرباء والأطر التنظيمية على التطور بالسرعة الكافية لدعم اقتصاد الذكاء الاصطناعي. ومن هنا، تحتاج مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي إلى أن تُعامَل كفئة خاصة من العملاء الاستراتيجيين للكهرباء، مع قواعد مخصصة للربط بالشبكة، والتعرفات، والاستثمار في البنية التحتية.

شركات المرافق لم تعد الجهات الوحيدة التي تبني

لعقود طويلة، كانت العلاقة بين شركات الكهرباء وكبار مستهلكيها واضحة نسبيا. كانت شركات الكهرباء تخطط للنظام، وتوازن بين العرض والطلب انطلاقا من نمو يمكن التنبؤ به نسبيا في الاستهلاك السكني والتجاري والصناعي، ثم توصل الكهرباء عبر الشبكة. أما كبار المستهلكين الصناعيين، فكانوا يركزون على عملياتهم الخاصة، لا على تأمين مصادر الطاقة بأنفسهم.

غير أن الذكاء الاصطناعي يطمس هذه الحدود. فهو يفرض أحمالا ذات تغيرات سريعة في القدرة الكهربائية، وهي ذات آثار بالغة على الشبكة. وعلى خلاف المستهلكين التقليديين، لا يستطيع مطورو مراكز البيانات الفائقة التوسع الانتظار خمس سنوات أو عشر سنوات للحصول على توصيلات جديدة. فالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي تُنشأ عادة خلال عامين أو ثلاثة، في حين أن الشبكة المادية لا تستطيع التوسع بالسرعة التي يطلبها المطورون. وهذا يخلق فجوة متزايدة بين وتيرة الاستثمار الرقمي السريعة، والجداول الزمنية الأطول اللازمة لبناء محطات التوليد، وخطوط النقل، والمحطات الفرعية.

لم يعد مطورو مراكز البيانات الفائقة التوسع يكتفون بدور مستهلكي الكهرباء، بل أصبحوا مشاركين فاعلين في قطاع الكهرباء من خلال جلب طاقتهم معهم

ولسد هذه الفجوة، لم يعد مطورو مراكز البيانات الفائقة التوسع يكتفون بدور مستهلكي الكهرباء، بل أصبحوا مشاركين فاعلين في قطاع الكهرباء من خلال "جلب طاقتهم معهم". فهم، في أنحاء مختلفة من العالم، يوقعون اتفاقيات شراء طاقة طويلة الأجل، ويستثمرون مباشرة في مشاريع الطاقة المتجددة وتخزين البطاريات، ويطورون قدرات توليد خلف العداد، غالبا بالغاز، من أجل تأمين كهرباء موثوق بها وتسريع جاهزية الإمداد. وبهذا، يتحول هؤلاء المطورون إلى منتجين عرضيين للكهرباء، وهو دور لم تصمم قطاعات الكهرباء في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لاستيعابه.

يمثل ذلك تحولا جوهريا في العلاقة بين شركات الكهرباء وأكبر عملائها. فمطورو مراكز البيانات الفائقة التوسع الذين يبرزون كفئة جديدة من المستهلكين الاستراتيجيين، واستعدادهم للمشاركة في الاستثمار في البنية التحتية الكهربائية يتطلب مقاربة تنظيمية وتجارية مختلفة. لقد صُممت الأطر التقليدية للربط بالشبكة، والتعرفات، وتخطيط البنية التحتية لخدمة أحمال تقليدية. أما عصر الذكاء الاصطناعي، فيدفع قطاعات الكهرباء إلى التطور.

كيف يبدو نموذج الكهرباء في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟

لا يزال نحو 70 في المئة من مرافق الكهرباء في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا متكاملة رأسيا، حيث تتولى الشركة نفسها أنشطة التوليد والنقل والتوزيع، مع استمرار هيمنة الشركات المملوكة للدولة على القطاع في معظم دول المنطقة، وفقا لبيانات شركة "نيو إنرجي كونسلت"، أي إن مرفقا واحدا يملك ويشغل أنشطة التوليد والنقل والتوزيع. وفي معظم دول المنطقة، لا تزال أسعار الكهرباء منظمة ومدعومة.

أ.ف.ب
نموذج تصميم إحدى وجهات مدينة نيوم التي تعتمد على الطاقة المتجددة، في شمال السعودية

يوفر هذا الهيكل مزايا حقيقية في عصر الذكاء الاصطناعي. فمراكز البيانات الفائقة التوسع تحتاج إلى استثمارات منسقة في التوليد، وخطوط النقل، والمحطات الفرعية. ومن الناحية النظرية، تستطيع شركة مرافق واحدة مسؤولة عن تخطيط سلسلة الإمداد الكهربائية وتشغيلها بالكامل أن توفر ذلك بسرعة أكبر من سوق محررة، حيث يتعين على جهات متعددة تمويل أجزاء مختلفة من سلسلة القيمة وتطويرها على نحو منفصل.

ويزداد هذا التباين وضوحا في بعض مناطق الولايات المتحدة وأوروبا، حيث أدت تحديثات الشبكة المطلوبة وطوابير الانتظار الطويلة للحصول على الربط إلى تأخير مشاريع الذكاء الاصطناعي. وفي الولايات المتحدة، يبرز التوليد خلف العداد بسرعة كحل عملي لمطوري مراكز البيانات الفائقة التوسع. كما تعمل بعض شركات المرافق الأميركية على زيادة استثماراتها في الأصول المنظمة وتوسيع الاستثمار في شبكات النقل والتوزيع، بما يعكس القيمة المتزايدة للتخطيط المنسق للبنية التحتية في وقت يفرض فيه الذكاء الاصطناعي ضغوطا غير مسبوقة على أسواق الكهرباء.

مع استثمار دول الخليج بكثافة في الاقتصاد الرقمي، يجب التخطيط للبنية التحتية للكهرباء، والبنية التحتية الرقمية، والسياسة الصناعية ضمن رؤية واحدة، لا في مسارات منفصلة

في الوقت نفسه، يكشف الذكاء الاصطناعي حدود النموذج التقليدي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فقد صُممت قطاعات الكهرباء في المنطقة حول تصور واضح للخدمة يقوم على  شركات مرافق مملوكة للدولة، توفر الكهرباء للمستهلكين، غالبا بأسعار مدعومة. غير أن مطوري مراكز البيانات الفائقة التوسع بدأوا يتحدون هذا التقسيم من خلال السعي إلى سيطرة مباشرة على التوليد والتوصيل، عبر التوليد خلف العداد، والخطوط الخاصة، والبنية التحتية المخصصة.

وهذا يطرح معضلة أساسية حول من يملك ما سيأتي بعد ذلك؟ هل يُسمح للمطورين ببناء وامتلاك قدرات توليد مخصصة لمنشأة واحدة؟ هل يمكنهم الاتصال مباشرة بمنتجي كهرباء مستقلين؟ هل يحق لهم امتلاك أصول نقل خاصة؟ ومن يدفع تكلفة المحطات الفرعية وتحديثات الشبكة التي تبنى أساسا لخدمتهم؟

 رويترز
منشأة ضخمة لصناعة البطاريات في مينيفي، كالفورنيا، 28 مارس/آذار 2024

لا تقدم الأطر التنظيمية الحالية في المنطقة إلا قدرا محدودا من الإجابة، لأنها وُضعت قبل ظهور البنية التحتية الفائقة التوسع للذكاء الاصطناعي بزمن طويل.

لا تعني معالجة هذه المسألة أن على دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ولا سيما دول الخليج، التخلي عن نماذجها الحالية في قطاع الكهرباء. فالمطلوب هو تكييف هذه النماذج. تحتاج الأطر التنظيمية إلى استيعاب التوليد خلف العداد لهذه الفئة من العملاء، مع الحفاظ في الوقت نفسه على موثوقية المرافق الوطنية ودورها الاستراتيجي. كما تحتاج الحكومات إلى قواعد واضحة لتقاسم تكلفة خطوط النقل الجديدة، والمحطات الفرعية، وسائر تحديثات الشبكة بين شركات المرافق ومطوري مراكز البيانات الفائقة التوسع، بما يضمن ألا تتحول الاستثمارات المخصصة لخدمة مشاريع ذكاء اصطناعي بعينها إلى عبء على ميزانيات شركات المرافق، أو الحكومات، أو المستهلكين الآخرين. وكما يوضح جاك إيل من شركة "إكسيل إنرجي": "ينبغي للعملاء ذوي الأحمال الكبيرة أن يدفعوا تكلفة التوليد وخطوط النقل التي تُبنى لخدمتهم".

وأخيرا، مع استثمار دول الخليج بكثافة في الاقتصاد الرقمي، يجب التخطيط للبنية التحتية للكهرباء، والبنية التحتية الرقمية، والسياسة الصناعية ضمن رؤية واحدة، لا في مسارات منفصلة.

font change

مقالات ذات صلة