ما أسباب "معركة" تكساس الأميركية لوقف "الأسلمة"؟

أكبر ولاية جمهورية في الولايات المتحدة ترسم ملامح سياسة هوية جديدة

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
أشخاص يتوافدون على مسجد لأداء صلاة الجمعة في بلانو بولاية تكساس، وسط تصاعد تهديدات موجهة للمسلمين على خلفية مشروع سكني يضم مسجدا ومدرسة إسلامية لخدمة الجالية المسلمة قرب شرق بلانو.11 أبريل 2025

ما أسباب "معركة" تكساس الأميركية لوقف "الأسلمة"؟

قبل ثمانية عشر شهرا، خاض الجمهوريون في تكساس معركة جديدة. بدأت المواجهة في فبراير/شباط 2025، حين وصف حاكم الولاية غريغ أبوت مشروعا سكنيا اقترحه مركز شرق بلانو الإسلامي بأنه نموذج لـ"مدن الشريعة"، وسرعان ما تحركت اثنتا عشرة وكالة حكومية في الولاية لفتح تحقيقات بشأن المشروع، وفي نوفمبر/تشرين الثاني، صنف أبوت مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية (كير)، أكبر منظمة مدافعة عن الحقوق المدنية للمسلمين في الولايات المتحدة، باعتباره "منظمة إرهابية أجنبية"، كما منعه من شراء الأراضي داخل الولاية.

وفي مارس/آذار، قرر مراقب حسابات الولاية استبعاد المدارس الإسلامية من برنامج القسائم التعليمية الجديد، وأصبح الحزب الجمهوري في الولاية يضع هدف "وقف أسلمة تكساس" في المرتبة الثانية على قائمة أولوياته التشريعية.

للوهلة الأولى، قد تبدو هذه الحملة امتدادا لموجة العداء للإسلام المتطرف التي تصاعدت في أعقاب هجمات 11 سبتمبر/أيلول، غير أن المحرك الأساسي للموجة الحالية لا يتمثل في الخوف من عنف قادم من الخارج، بقدر ما يرتبط بالقلق من تحول يحدث في الداخل، ففي أنحاء الولايات المتحدة، يتزايد التأييد لأفكار تسعى إلى مزج الحياة المدنية الأميركية بالقيم المسيحية، وهي أفكار تندرج، على نحو فضفاض، تحت اسم القومية المسيحية.

ولا يزال المسار الذي قد يسلكه هذا المشروع غير واضح. لكن تكساس، بوصفها أكبر ولاية جمهورية في البلاد، تقدم اليوم نموذجا محتملا لما يمكن أن يبدو عليه هذا التوجه، من خلال التشديد على الجذور المسيحية للولايات المتحدة، والدخول في مواجهة شرسة مع تهديد تتصوره الولاية.

المحرك الأساسي للموجة الحالية لوقف "الأسلمة" لا يتمثل في الخوف من عنف قادم من الخارج، بل القلق من تحول في الداخل


وفي وقت سابق من هذا العام، قال أبوت، خلال دفاعه عن الحرية الدينية: "تأسست الولايات المتحدة الأميركية بوصفها دولة مسيحية"، ومن أبرز المدافعين عن الهوية المسيحية للبلاد نائب الرئيس جيه دي فانس، ووزير الحرب بيت هيغسيث، والمؤثر المحافظ  تشارلي كيرك، الذي اغتيل عام 2025.

(أ.ف.ب)
غريغ أبوت، حاكم ولاية "تكساس" يتحدث خلال المؤتمر الوطني الجمهوري لعام 2024 ، في مدينة ميلووكي في ولاية ويسكونسن الأميركية، 17 يوليو 2024

وكان كيرك، الذي منحه دونالد ترمب بعد وفاته وسام الحرية الرئاسي، يربط الطابع المسيحي لأميركا بتركيبة سكانية محددة، وقد رأى أن البلاد تمر بـ"أزمة دستورية"، لأن "الحرية لا يمكن أن تقوم من دون سكان مسيحيين".

وينظر عدد متزايد من السياسيين إلى الإسلام، على وجه الخصوص، بوصفه تهديدا لهوية الولايات المتحدة، وعلى مدى ثلاثة عشر شهرا حتى مارس/آذار، نشر 46 مسؤولا جمهوريا منتخبا في أنحاء البلاد 1,111 منشورا معاديا للمسلمين، ما يمثل زيادة قدرها خمسة عشر ضعفا في المتوسط الشهري، وفقا لمركز دراسة الكراهية المنظمة، وهو جهة رقابية.

وصورت منشورات كثيرة الإسلام على أنه عقيدة تمجد الموت، وتسعى إلى تلقين الأطفال أفكارا متطرفة وإحكام السيطرة على المجتمع.

وشارك تومي توبرفيل، عضو مجلس الشيوخ عن ألاباما، منشورا جمع بين صور لعمدة نيويورك المسلم ومشاهد للبرجين التوأمين وهما يحترقان، محذرا من أن "العدو بات داخل الأسوار"، أما آندي أوغلز، عضو الكونغرس عن تينيسي، فقال إنه "لا مكان للمسلمين في المجتمع الأميركي".

يعد مؤيدو فكرة "أميركا المسيحية" أكثر ميلا لاعتبار الإسلام تهديدا بحسب معهد بحوث الدين العام

ويكرر ترمب الاستشهاد بمدن أوروبية بوصفها نماذج تحذيرية لما يراه مسارا كارثيا، فهو يقول إن ملامح باريس ولندن تغيرت إلى حد بات معه "من المتعذر التعرف إليهما"، وإن العاصمة البريطانية تتجه نحو "حكم الشريعة".

وفي العام الماضي، أسس عضوا الكونغرس عن تكساس تشيب روي وكيث سيلف تجمع "أميركا بلا شريعة" داخل الكونغرس، ومنذ ذلك الحين، انضم إلى التجمع 66 عضوا آخر يمثلون 25 ولاية.

ويعكس هذا التوجه قلقا متناميا لدى شرائح من الناخبين، فبحسب معهد بحوث الدين العام، يرى ثلاثة أرباع الجمهوريين أن الإسلام يتعارض مع القيم الأميركية، مقابل 30 في المئة فقط من الديمقراطيين، وقد تضاعفت هذه الهوة الحزبية منذ عام 2011 ، ويعد مؤيدو فكرة أن الولايات المتحدة دولة مسيحية أكثر ميلا إلى النظر إلى الإسلام بوصفه تهديدا.

تبدو المخاوف من استيلاء المسلمين على البلاد منفصلة عن الواقع، إذ لا تتجاوز نسبتهم نحو 1 في المئة من السكان

قد تبدو المخاوف من استيلاء المسلمين على البلاد منفصلة عن الواقع، إذ لا تتجاوز نسبتهم نحو 1 في المئة من السكان، غير أن أنصار هذه الحركة يرون أن جوهر القضية لا يكمن في حجم الوجود الإسلامي، ففي بيان صحافي حديث احتفى فيه بنجاح التجمع المناهض للشريعة، قال السيد سيلف: "تشكل القيم المسيحية أساس أمتنا والنظام الدستوري الذي يحكم حياتنا اليومية"، وأضاف أن "الشريعة ومبادئها تتعارضان مباشرة مع تلك الأسس"، ويرى أندرو وايتهيد، الباحث في القومية المسيحية بجامعة إنديانا، أن المسلمين يمثلون النقيض الأنسب الذي يجري عبره تحديد ملامح "المواطن الحقيقي".

(أ.ف.ب)
مسلمون يؤدون صلاة الجمعة في مسجد في بلانو بولاية تكساس الأميركية، 11 أبريل 2025

وينظر الكونغرس في عدد من مشاريع القوانين التي لا تزال في مراحلها الأولى، فقد تقدم السيد روي بتشريع يمنع الأجانب الذين يلتزمون بأحكام الشريعة من دخول البلاد، فيما طرح راندي فاين، من فلوريدا، مشروع قانون ساخرا يهدف إلى "حماية الجراء" من أشكال الحظر المستندة إلى الشريعة، وفي هذا المسار، تبدو تكساس متقدمة على غيرها بخطوات، وقال مكتب السيد أبوت لمجلة "ذي إيكونوميست" إن سياسات الحاكم لا تهدف إلى تشويه صورة "مسلمي تكساس الملتزمين بالقانون"، بل تستهدف "من يدعمون الإرهاب أو يسعون إلى فرض قانون أجنبي على الأراضي الأميركية".

بين منع وصول أموال دافعي الضرائب لمنظمات "تدين بالولاء لنظام قانوني أجنبي"، والمطالبة "بترحيل دعاة الشريعة الإسلامية" تتباين مواقف الجمهوريين

عمليا، تتباين مواقف الجمهوريين تباينا واسعا، فهي تبدأ بمحاولات منع وصول أموال دافعي الضرائب إلى أي منظمة "تدين بالولاء لنظام قانوني أجنبي"، وتمتد إلى دعوات تطالب "بترحيل دعاة الشريعة الإسلامية" ، وبعدما ألزم المجلس التشريعي في تكساس المدارس بعرض الوصايا العشر داخل الفصول الدراسية العام الماضي، أعاد مجلس التعليم في الولاية، أواخر يونيو/حزيران، صياغة المناهج الدراسية، وبموجب الإرشادات الجديدة، تلغى مادة "ثقافات العالم" في المرحلة المتوسطة، كما تستبدل بوحدات المرحلة الثانوية التي كانت "تشرح المعتقدات الأساسية في الإسلام" وحدات جديدة "تصف تعاليم الجهاد وكيف أسهمت في انتشار الإسلام وغزو الأراضي المسيحية" ، وسيطلب من التلاميذ أيضا قراءة مزيد من قصص الكتاب المقدس.

(أ.ف.ب)
عبد الله جابر، المدير التنفيذي لمجلس العلاقات الأميركية الإسلامية (كير) في فلوريدا، وسط متظاهرين داعمين للفلسطينيين احتجاجا على دخول الجيش الإسرائيلي قطاع غزة، في مدينة تامبا، ولاية فلوريدا، 13 أكتوبر2023

ويضع هذا التحول الجمهوريين الذين طالما رفعوا لواء الحرية الدينية في موقف بالغ الحرج، وتقول شيماء زيان، من مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية (كير)، وهي المنظمة غير الربحية التي وصفها السيد أبوت بأنها منظمة إرهابية، إن ما كان يعرف في السابق باسم "رهاب الإسلام" بات اليوم أقرب إلى "اضطهاد ديني"، وتضيف: "إنهم يسعون إلى جعل حياتنا جحيما حتى نضطر إلى الرحيل من تلقاء أنفسنا".

في المقابل، يرى سام ويستروب، من مؤسسة تكساس للسياسات العامة، أن "الضجيج الجماهيري" على وسائل التواصل الاجتماعي يحجب تصاعدا حقيقيا وخطيرا للتطرف الإسلاموي في الولايات المتحدة. ويقول إن على اليمين أن يدرك أن المسلمين العاديين قد يكونون حلفاء في مواجهة هذا التطرف.

مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية (كير) يرى ما يحدث أقرب إلى "اضطهاد ديني" 

عندما حاولت أوكلاهوما، قبل أكثر من عقد، منع محاكمها من الاستناد إلى أحكام الشريعة، أبطل قاض ذلك الإجراء، ولم تكن مساعي السيد أبوت في تكساس أوفر حظا حتى الآن، فقد أوقفت المحاكم محاولة الولاية استبعاد المدارس الإسلامية من برنامج القسائم التعليمية، وسمحت باستمرار دعوى رفعها مركز شرق بلانو الإسلامي بدعوى تعرضه للتمييز الديني.

(أ.ف.ب)
يافطة "أرض معروضة للبيع" قرب مسجد مركز شرق بلانو الإسلامي في بلانو بولاية تكساس، 11 أبريل 2025

كما وبخ قاض عينه رونالد ريغان الولاية، مؤكدا أنها "لم تقدم أي دليل" على أن المسجد يعتزم فرض الشريعة على سكان تكساس.

ولا يبدو أن ما حصل سيثني مشرعي تكساس، الذين من المقرر أن يعاودوا الاجتماع في يناير/كانون الثاني، ومن المتوقع أن يواصلوا التحرك على هدى توجهات السيد أبوت، ويقول أندرو ماهاليريس، السكرتير الصحافي للحاكم: "لن يسمح الحاكم بأن يتحول التعاطف إلى وسيلة لتمكين جهات سيئة النيات تسعى إلى تدمير تكساس وأميركا من الداخل، كما حدث بالفعل في المملكة المتحدة".

وتراقب ولايات أخرى ما يجري عن كثب، ويقول السيد فاين، عضو الكونغرس عن فلوريدا، إن استطلاعا حديثا أظهر أن ناخبي الانتخابات التمهيدية الجمهوريين في دائرته يولون قضية "الإسلام في أميركا" اهتماما يفوق اهتمامهم بالإجهاض سبع مرات، وبحقوق حمل السلاح ست مرات.

وعندما طلبت مجلة "ذي إيكونوميست" من السيد فاين توضيح ما يقصده بكلمة "الشريعة"، تجنب تقديم تعريف مباشر، وكرر بدلا من ذلك أن الإسلام يقوم على أيديولوجيا ترتكز على "الغزو والإخضاع" وتشكل تهديدا للديمقراطية.

لكن ماذا عن الجماعات الأخرى التي تدفع بدينها إلى المجال العام؟ يتبنى المشرّع اليهودي موقفا أكثر تصالحا، إذ يقول: "الولايات المتحدة دولة مسيحية، وعلينا أن ندرك طبيعة البلد الذي نعيش فيه".

font change

مقالات ذات صلة