يرتكز الفنان البريطاني شيزاد داوود على علم البيئة والهندسة المعمارية، لإنجاز أعماله التي تتخذ منحى فلسفيا، حيث يطرح تساؤلات ويستكشف عوالم بديلة.
خلال مسيرته أقام الكثير من المعارض الفردية وأنجز الكثير من الأعمال التي كلف بها مثل "كاسكيد"، بتكليف من "كادوجان"، لندن، و"حديقة العالم العائم" في مومباي، و"ليفياتان" في كاتدرائية سالزبوري، وغير ذلك الكثير، أما مجموعاته فتعرض في الكثير من الدول حول العالم منها متحف غوغنهايم، متحف سيول للفنون.
لم تقتصر تجربة داوود على الفن بل أنتج أعمالا سينمائية عدة عرضت في مهرجانات عالمية وحازت جوائز مثل فيلم "الفنان". هنا حوار "المجلة" معه.
متى بدأت رحلتك مع الفن، وكيف عملت على صقلها وتطويرها على مر السنوات؟
كنت طفلا مبكر النضج إلى حد كبير. ففي سن السابعة، أدركت أنني أريد أن أصبح فنانا، ولم يتزعزع هذا القرار الجوهري منذ ذلك الحين. وبالطبع، تمضي الحياة حاملة معها الكثير من التحديات والاختبارات التي تضع مثل هذه القناعات على المحك، لكن ما ساعدني على الاستمرار هو حرصي الدائم على صقل علاقتي البصرية بالعالم من حولي وتعميقها. لذلك، وفي معظم الأعمال التي مارستها خارج نطاق عملي كفنان، سعيت إلى عدم الابتعاد كثيرا عن المجال الإبداعي. فقد عملت في التقاط الصور الثابتة في مواقع تصوير الأفلام، ومارست التصوير المعماري، وقمت بمراجعة الكتب وتدقيقها، وعملت منسقا موسيقيا في النوادي، كما درست في كليات الفنون.
غالبا ما يكون شكل العمل الفني نفسه نتاجا لما يكشفه البحث من معطيات وحوارات
وجميع هذه التجارب أسهمت، بطرق مختلفة، في تشكيل ممارستي الفنية وإثرائها. ولطالما شعرت أن الخطر الحقيقي يكمن في الانغماس في وظيفة بدوام كامل توفر قدرا كبيرا من الراحة والاستقرار، إلى الحد الذي قد يبعدني عن المسار الإبداعي الذي اخترته لنفسي منذ البداية.
سمفونية بصرية
حدثنا عن معرضك الاستعادي الأول، "حس الأحلام"، الذي يستضيفه المجمع الثقافي في أبوظبي حتى منتصف شهر سبتمبر/ أيلول المقبل؟
يمثل هذا المعرض، الذي أشرفت عليه القيمة الفنية جيسيكا سيراسي، رحلة ذات دلالة خاصة عبر مجموعة من الأعمال المحورية التي أنجزتها على مدار السنوات الست عشرة الماضية. وعلى الرغم من أن مسيرتي الفنية تمتد لأكثر من خمسة وعشرين عاما، فقد اختارت جيسيكا التركيز على مرحلة واضحة ومفصلية في تطور ممارستي الفنية، بدأت منذ عام 2010 عندما شرعت في توظيف منسوجات "الرالي" التقليدية القادمة من موطني في جنوب آسيا بصورة أكثر حضورا وعمقا. ويستعرض المعرض كيف قاد هذا التوجه إلى نشوء سلسلة من التحولات والأنماط الفنية بين الرسم والمنسوجات المعلقة، إلى جانب مسارات إبداعية أخرى امتدت إلى الخزف والوسائط الرقمية على مدار السنوات اللاحقة.
لماذا تحرص على توظيف الوسائط المتعددة في معظم أعمالك الفنية؟
خلال سنوات دراستي الجامعية، وحتى بعد ذلك، كثيرا ما طلب مني التركيز على وسيط فني واحد فقط. لكنني كنت أرى دائما أن القيمة الحقيقية تكمن في التفاعل والحوار بين الوسائط المختلفة، إذ أجد أن العمل الفني يبلغ أقصى درجات تأثيره عندما تتقاطع هذه الوسائط وتتداخل في ما بينها. وهذا الأمر أشبه ما يكون بسمفونية موسيقية، حيث تسهم كل آلة في بناء طبقات متداخلة من المعنى والحوار، فتتضاعف قوة كل عنصر على حدة من خلال علاقته بالعناصر الأخرى.
سرديات
ما الهدف من المزج بين السرديات المستمدة من الواقع وتلك الرمزية؟
حسنا، إذا كان الهدف يقتصر على إعادة تمثيل الواقع كما هو، فأعتقد أننا نكون أقرب إلى العمل التوثيقي منه إلى الفن البصري. بالنسبة إلي، يشكل الرمز والاستعارة وسيلتين للتعمق في البنية الداخلية للأشياء وتعقيداتها، وفي الوقت ذاته يتيحان لنا التراجع خطوة إلى الوراء لرؤية الأنماط الأوسع والعلاقات الكامنة التي تحكمها. وهذا الأمر يتجلى بشكل خاص في الموضوعات التي تشغل ممارستي الفنية، مثل البيئة العمرانية وعلاقتها المتشابكة بالمنظومات البيئية. ففي المساحة الفاصلة بين المكان الذي نعيش فيه والطريقة التي نعيش بها، تتسع إمكانات الحلم والتخيل، سواء باستشراف مستقبل محتمل أو بتصور بدائل جديدة ومختلفة.
كلفت إنجاز أعمال فنية من قبل العديد من المؤسسات والجهات الدولية. كيف تتعامل عادة مع المشاريع التي تنجز بطلب من جهات أخرى؟
أبدأ دائما بالبحث، وأسعى إلى اكتشاف ثلاثة عناصر أو تفاصيل أو روايات ذات صلة بالسياق أو المجتمع الذي أعمل معه. بالنسبة إلي، يحمل الرقم ثلاثة دلالة خاصة، فهو رقم يتمتع بحيوية وتوازن يفتحان المجال أمام ولادة فكرة المشروع وتطورها. وفي نهاية المطاف، غالبا ما يكون شكل العمل الفني نفسه نتاجا لما يكشفه البحث من معطيات وما ينشأ من حوارات خلال هذه العملية. فكثيرا ما تقودني اللقاءات والنقاشات إلى مسارات غير متوقعة، وأحيانا تكون فكرة المشروع بأكملها ثمرة لقاء عابر أو محادثة لم تكن في الحسبان، لكنها تمنح العمل شكله واتجاهه النهائي.
تركيب أعمال شيزاد داوود النسيجية في كاتدرائية سالزبوري
إشارات النسيج
لماذا تستلهم تاريخ جنوب آسيا وتراثها الثقافي في أعمالك، وما الذي يدفعك إلى استخدام منسوجات "الرالي" الباكستانية التقليدية كخلفية للعديد من لوحاتك؟
تعمل عائلتي بمجال صناعة المنسوجات منذ أجيال عديدة، لذلك كانت البنية والزخارف والأنماط جزءا أساسيا من المشهد البصري الذي نشأت في ظله. أما منسوجات "الرالي" التي أستخدمها في أعمالي، فهي تجمع بين المطبوعات الصناعية والخياطة اليدوية، وكانت تمثل ممارسة شعبية يومية ومألوفة خلال طفولتي، قبل أن تكتسب مع مرور الوقت تقديرا وقيمة أكبر.
أتعامل مع أفلامي بوصفها امتدادا لممارستي الفنية أو طريقة أخرى لصناعة الفن
ما يجذبني فيها أنها تحمل في ذاتها طبقات متعددة من الدلالات والارتباطات الثقافية والذاكرات المتراكمة، وكأنها نسيج من الإشارات والقصص المتداخلة. وهذا ما يتيح لي إدراج ممارستي الفنية ضمن حوار أو نقاش أوسع، تماما كما لو كنت أعمل مع مجتمع موسع عندما أنجز أعمالا فنية كبيرة مصممة خصيصا لمواقع محددة.
غالبا ما تحمل أعمالك عناوين لافتة مثل، "عبر الجلد المثقوب، "حس الأحلام"، "ليلة في حديقة الحب"، و"شجرة بألوان عديدة". كيف تختار هذه العناوين؟
كثير من عناوين أعمالي مستوحى من مصادر أدبية أو ثقافية أخرى. فعنوان "حس الأحلام" مأخوذ من رواية للكاتب السوريالي الفرنسي ريمون كينو، ويستخدم فيها كاستعارة للسينما. أما عبارة "عبر الجلد المثقوب" فقد أضفتها بنفسي لتعكس اهتمامي بعلمي الآثار والأنثروبولوجيا، كما تشير إلى عملية الخياطة وإعادة التشكيل التي أخضع لها المنسوجات قبل أن أبدأ الرسم عليها. أما "ليلة في حديقة الحب" فهو عنوان مستوحى من رواية قصيرة مميزة للمؤلف والموسيقي الأميركي من أصل أفريقي، يوسف لطيف، ويأتي بمثابة تحية وتقدير لهذا العمل، وقد تكرمت أرملته عائشة بالسماح لي باستخدامه. وتتناول الرواية القوة التحويلية للموسيقى والحديقة بوصفهما فضاءين للتجدد الروحي. أما عنوان "شجرة بألوان عديدة" فهو من ابتكاري الشخصي، على حد علمي. لكنني أؤمن بأن كل ما نصادفه في حياتنا يترك أثرا فينا بشكل أو بآخر، سواء أدركنا ذلك بوعي أو تسلل إلينا على نحو غير واع.
تجاور الأنواع
متى تلجأ إلى صناعة الأفلام، وهل تحضر الفنون البصرية ضمن أعمالك السينمائية؟
أتعامل مع أفلامي بوصفها امتدادا لممارستي الفنية، أو طريقة أخرى لصناعة الفن، لذلك لا أميل بالضرورة إلى إدراج عمل فني بصري داخل الفيلم نفسه. وتعرض أفلامي في المقام الأول في المتاحف وصالات العرض الفنية، وأحيانا في المهرجانات السينمائية ودور السينما، لكنها لا تنتمي إلى السينما التجارية بالمعنى التقليدي المتعارف عليه.
الفنان البريطاني شيزاد داوود
أما في ما يتعلق بتوقيت التوجه إلى صناعة الأفلام، فالأمر يحدث بصورة دورية إلى حد ما، أشبه بحركة المد والجزر. فهناك فترات تتسم بالتأمل والانغماس في الذات، أكرسها للرسم وتجميع الأعمال داخل المرسم. وفي المقابل، تتطلب فترات أخرى الخروج إلى العالم والعمل مع فريق إنتاج وطاقم تصوير لإنجاز فيلم على مدى زمني معين.
تجاربي المستمرة مع اللون والشكل في الرسم والمنسوجات تسهم باستمرار في صقل نظرتي للتفاصيل الدقيقة
ويمثل هذان الجانبان عنصرين أساسين في ممارستي الفنية، كما يؤثر كل منهما في الآخر بصورة عميقة. فكثيرا ما أغادر غرفة المونتاج بعد اكتشاف طرق جديدة لمجاورة المشاهد وتركيبها، وأنا متحمس لاختبار تلك الأفكار بصريا في لوحاتي. وفي المقابل، فإن تجاربي المستمرة مع اللون والشكل في الرسم والمنسوجات تسهم باستمرار في صقل نظرتي الى التفاصيل الدقيقة، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على عملي في المونتاج والمعالجة اللونية للأفلام.
ما الذي ألهمك لإنجاز فيلمك الروائي الطويل "براعة الإشراق"؟
في ذلك الوقت، كان هناك اهتمام متزايد بالفنانين العاملين في مجال الصورة المتحركة الذين يسعون إلى الانتقال نحو صناعة الأفلام الروائية ذات السرد القصصي. وقد راودتني دائما الرغبة في خوض هذه التجربة واستكشاف إمكاناتها. وعندما تلقيت تكليفا من مؤسسة "إن سيرتن بلاسيز" In Certain Places، وهي جهة متخصصة في تكليف وإنتاج المشاريع الفنية مقرها مدينة بريستون في شمال غرب إنكلترا، قادني البحث إلى مجموعة من الموضوعات المتداخلة، من بينها الهجرة، ومشاهدات الأجسام الطائرة المجهولة، وتواريخ المنسوجات. وقد أسهمت هذه العناصر مجتمعة في تشكيل فيلم خيال علمي متعدد الطبقات، يطرح تساؤلات أوسع حول معنى الإنسانية.