عن الفن والحاجة إليه في زمن التقنية والذكاء الاصطناعي

يعيد فتح المجال أمام الهشاشة والخيال والتأمل والاختلاف

Philippe Lopez / AFP
Philippe Lopez / AFP
الرياضي الفرنسي في المبارزة باولو بوا-روليه يحمل الشعلة الأولمبية أمام مركز لاسكو الرابع للفنون الكهفية في مونتينياك، 2024

عن الفن والحاجة إليه في زمن التقنية والذكاء الاصطناعي

تنبثق الحاجة إلى الفن من التجربة الداخلية للكائن البشري، وهي منطقة تتجاوز مطلب الزينة والمتعة العابرة، وتمتد نحو إعادة ترتيب العلاقة بالعالم والزمن والذاكرة والجسد والموت. فالفن، قبل أن يتحول إلى مفهوم فلسفي مستقل داخل الحداثة الأوروبية، كان ممارسة شعائرية ورمزية وتقنية تتقاطع فيها الرغبة بالرهبة، والاحتفال بالخوف، واستحضار القوى الغامضة التي تحيط بالجماعة البشرية منذ بداياتها الأولى.

تكشف رسوم الكهوف في لاسكو وألتاميرا عن هذا الامتزاج الكثيف بين الصورة والطقس، حيث ارتبط الحيوان المرسوم بالصيد والخصب والسيادة على المجال الطبيعي، ضمن اقتصاد رمزي تتداخل فيه الأسطورة بالحياة اليومية. وتظهر دراسات الأنثروبولوجيا الدينية، كما عند ميرسيا إلياد، أن الإنسان القديم كان ينظر إلى الصورة والرقص والقناع والنقش بوصفها أفعالا قادرة على فتح منافذ نحو المقدس، وتوليد شكل من أشكال الحضور الكوني داخل العالم المادي.

تصور كوني

من داخل هذا الأفق يمكن إدراك أن لفظة "الفن" بمعناها الحديث لم تكن قائمة في أغلب الحضارات القديمة بالصورة المتداولة اليوم. فقد ارتبطت الممارسات التشكيلية والموسيقية والشعرية بفكرة الصنعة والحرفة والمهارة التقنية. وتشير الدراسات التاريخية والفنية إلى أن الإغريق استعملوا لفظة "تخني" (Technè) للدلالة على المعرفة العملية المنظمة التي تجمع بين المهارة والإتقان، وهو المعنى ذاته الذي حملته كلمة "آرس" (Ars) في الثقافة اللاتينية. من ثم فإن الرسام (المصور الصباغي) أو النحات أو الشاعر لم يكن منفصلا عن الحرفي أو البناء أو صانع السفن. وقد ظل هذا التصور سائدا قرونا طويلة، بحيث ارتبطت القيمة الفنية بالقدرة على الإنجاز والإحكام والتناغم، داخل تصور كوني يرى العالم بنية منسجمة قابلة للقياس والنسبة.

بدأ الفن في التحول من مجرد تقليد سطحي للطبيعة نحو بنية معرفية وانفعالية تمنح الإنسان قدرة على إدراك العالم

وقد منح أفلاطون الفن مكانة ملتبسة داخل جمهوريته. فالصورة عنده تبتعد ثلاث درجات عن الحقيقة، لأن العالم الحسي نفسه صورة ناقصة لعالم المثل، في حين تتحول المحاكاة الفنية إلى ظل للظل. من هذا المنطلق تعامل أفلاطون مع الشعراء بريبة فلسفية، لأنهم يثيرون الانفعال ويؤثرون في الجماعة عبر التخييل والإيهام. غير أن أرسطو سيعيد النظر في هذه العلاقة بين الفن والحقيقة، حين اعتبر المأساة تطهيرا للانفعالات عبر الخوف والشفقة، ورأى في المحاكاة حاجة إنسانية أصيلة ترتبط بالتعلم والمتعة والفهم. وهنا بدأ الفن في التحول من مجرد تقليد سطحي للطبيعة نحو بنية معرفية وانفعالية تمنح الإنسان قدرة على إدراك العالم عبر الصورة والإيقاع والسرد.

وقد عرفت الحضارات الشرقية والإسلامية والمسيحية الوسيطة بدورها تصورات مختلفة للصورة والجمال. ففي الفن الإسلامي تشكلت الحساسية البصرية ضمن أفق روحي متصل بالهندسة والخط والزخرفة والإيقاع التجريدي، حيث تحولت الوحدة الزخرفية إلى شكل من أشكال التأمل في اللانهائي والامتداد الكوني. وقد أبرز الباحث المتخصص في الفن الإسلامي، أوليغ غرابار، أن الزخرفة الإسلامية لا تشتغل بوصفها تزيينا سطحيا، وإنما بوصفها بنية فكرية تعيد تنظيم الفضاء والضوء والحركة داخل التجربة الإدراكية. أما في المسيحية الوسيطة فقد ارتبطت الأيقونة بالحضور الروحي والتمثيل الرمزي للقداسة، وهو ما جعل الصورة وسيطا تعبديا أكثر من كونها موضوعا جماليا مستقلا.

الفنان الفرد

ومع عصر النهضة الأوروبية بدأ التحول الجذري الذي سيمنح الفن استقلاله المفهومي والمؤسساتي. ظهرت صورة الفنان الفرد بوصفه عبقرية خلاقة، وارتبط العمل الفني بفكرة التوقيع والتميز والأسلوب الشخصي. فقد نقل عصر النهضة الفنان المصور الصباغي من موقع الصانع إلى موقع المبدع، وحرر الصورة من وظيفتها الطقسية المغلقة نحو فضاء البحث البصري والمنظور والهندسة والتشريح. ومنذ تلك اللحظة بدأ الفن يكتسب استقلاله عن الدين والحرفة التقليدية، وبدأت الإستتيقا تتشكل بوصفها حقلا فلسفيا مستقلا.

 STRINGER / AFP
تمثال نصفي للفيلسوف الألماني إيمانويل كانط في متحفه بمدينة كالينينغراد

هذا ما قاد ألكسندر بومغارتن في القرن الثامن عشر ليصوغ مصطلح "الإستتيقا" (Aesthetica)  بوصفه علما للإدراك الحسي والجمال. ومن هنا دخل الفن مرحلة جديدة ارتبطت بالسؤال الفلسفي حول الذوق والخيال والعبقرية والحكم الجمالي. وقد منح كانط الفن في "نقد ملكة الحكم" مكانة مركزية داخل التجربة الإنسانية، إذ اعتبر الحكم الجمالي تجربة حرة تنشأ من انسجام المخيلة والفهم دون غاية نفعية مباشرة. فالجمال عند كانط يحرر الإنسان من المنفعة المباشرة، ويفتح أمامه أفقا للتأمل الحر. وهكذا استحال الفن إلى فضاء تتجاوز فيه الذات ضغط الحاجة اليومية، وتعيد اكتشاف علاقتها بالعالم من خلال المتعة والتخييل.

نقل عصر النهضة الفنان المصور الصباغي من موقع الصانع إلى موقع المبدع، وحرر الصورة من وظيفتها الطقسية المغلقة

غير أن القرن التاسع عشر حمل معه تحولات عنيفة مست بنية الفن ووظيفته الاجتماعية. فقد أدى التصنيع المتسارع ونمو المدن الحديثة وتوسع الرأسمالية إلى إعادة تشكيل الحواس وأنماط الإدراك والزمن الاجتماعي. وقد وصف شارل بودلير الفنان الحديث بوصفه كائنا يعيش وسط الحشود والسرعة والتغير الدائم، ويحاول اقتناص الجمال العابر داخل المدينة الصناعية. من هنا ظهرت الحداثة الفنية باعتبارها مواجهة جذرية مع التحولات التقنية والاجتماعية، حيث تحررت اللوحة من التمثيل الواقعي الصارم، وبدأ اللون والخط والكتلة تكتسب استقلالها الداخلي.

في القرن العشرين

سيصل في القرن العشرين هذا التحول إلى ذروته مع الحركات الطليعية والتجريدية والدادائية والسوريالية والفن المفاهيمي. وقد رأى فاسيلي كاندينسكي أن الفن الحديث مطالب بتحرير الروح من ثقل المادة والعادة البصرية، وأن اللون والخط يمتلكان قدرة روحية تتجاوز التمثيل المباشر للأشياء. بينما سعى كازيمير ماليفيتش إلى تأسيس "السوبرماتية" بوصفها تجربة مطلقة للشكل الخالص، حيث يتحول المربع الأسود إلى علامة على التحرر من العالم الموضوعي.

 Nick Gammon / AFP
لوحة فاسيلي كاندينسكي "إطلالة على مورناو مع الكنيسة 2"

ضمن هذا التحول الجذري الحداثي، الذي انطلقت أسئلته مع بدايات الانعطاف الانطباعي، وخاصة التجربة المتقدمة لفان غوغ وبول سيزان، هذا الفنان الذي أعاد التفكير في مفهوم المنظور والعناصر البصرية المشكلة للوحة ومواضيعها، واضعا تصورا هندسيا يختزل التصوير في الأشكال الاعتيادية، المثل والدائرة والمربع. بدأ رواد التكعيبية بالتفكير في صوغ منظور خاص، بعيدا من مفهوم العمق، متأثرين بنظريات الرياضيات المستحدثة، ليضعوا العالم بكل زواياه في حيز رؤية واحدة. وضمن السياق التاريخي ذاته لم تخرج الحركة السوريالية عن دائرة الاختراق التمثيلي هذا، إذ ستنزع إلى اللاشعور ومنافذ الحلم لتمثيل الخفي واللامدرك والكائن خلف عالمنا المحسوس، لتحول الحلم إلى عمل فني.

 GABRIEL BOUYS / AFP
زائرة خلال معرض غامر لأعمال الفنان الهولندي فنسنت فان غوغ في ميلانو، 2023

كان ذلك قبل أن تعمد حركات ما بعد طلائعية، متمردة على كل الأساليب الكلاسيكية والحداثية، إلى قلب المفاهيم الفنية كليا، مدفوعة بحركة فلسفية متصاعدة متأثرة بالرؤى النيتشوية والفينومينولوجية للعالم، معيدة قلب المعادلة الإستتيقية، جاعلة من الفكرة والمفهوم في الدرجة الأولى، بينما تقع مادية العمل في مقام الذريعة الوجودية والضرورة مظهرية وبصرية، أو مثلما يؤكد كوسوث "الفن مفاهيمي"، أي أنه متولد عن المفهوم لا عن السند الحامل له. فقد كان هذا التحول، ولا يزال، نابعا من الرؤية الفكرية التي لا تفصل الخطاب/اللغة عن المنجز الإبداعي، فما هو إلا نتاج نظرية نحوية، أو بتعبير آخر "لعب لغوي".

الشيئية والتكرار

من داخل هذه التحولات بدأ السؤال القديم يعود بصيغة أكثر تعقيدا: ما الذي يجعل العمل الفني فنا؟ وهل القيمة الفنية كامنة داخل الشكل ذاته أم داخل المؤسسة الثقافية التي تمنحه الشرعية؟ حاول مارتن هايدغر تجاوز التصور الإستتيقي التقليدي للفن حين اعتبر العمل الفني انكشافا للحقيقة داخل التاريخ. فهو عنده لا يقتصر على تمثيل العالم فحسب، إذ يفتح عالما جديدا ويكشف أنماطا من الوجود كانت كامنة خلف الاستعمال اليومي للأشياء، التي يلغي عنها شيئتها. لهذا اعتبر أن الفن يقيم الحقيقة داخل المادة، ويمنح الإنسان إمكان سكن العالم شعريا. وهي الرؤية الفلسفية التي تقترب إلى الحد البعيد من النظرة المعاصرة للفن من حيث كونه مفاهيميا، ملغيا عن الشيء ارتباطه الشيئي بالعالم، وواضعا إياه ضمن سيرورة من الصيروات والتصورات التي تجعل من الناظر فاعلا في صنعه وإعادة استشكال الوجود من خلاله. وبالتالي، لا يفر الفن عن القضايا الإنسانية الوجودية والفكرية والاجتماعية والراهنة، مثلما فعل جوزيف بويز حينما عمد إلى جعل الجمهور عنصرا في تشييد المنجز الفني، الذي يتمثل في غرس أشجار، ضمن ما سماه "نحت المجتمع".

لم تخرج الحركة السوريالية عن دائرة الاختراق التمثيلي هذا، إذ ستنزع إلى اللاشعور ومنافذ الحلم لتمثيل الخفي واللامدرك


من جهة أخرى ربط فالتر بنيامين مصير الفن الحديث بالتقنيات الجديدة للاستنساخ، وخاصة التصوير الفوتوغرافي والسينما. وقد رأى أن العمل الفني فقد "هالته" التقليدية مع قابلية إعادة إنتاجه تقنيا على نطاق واسع. فالصورة الحديثة تتحرك عبر الشاشات والصحف والملصقات، وتفقد فرادتها الطقسية المرتبطة بالمكان والأصل. غير أن بنيامين رأى أيضا أن هذا التحول يفتح إمكانات ديمقراطية جديدة للفن، حيث يتحرر المتلقي من السلطة الأريستوقراطية للذوق التقليدي، ويدخل العمل الفني إلى المجال الجماهيري والسياسي.

وقد اتخذ تيودور أدورنو، وفق هذا المنظور، موقفا أكثر تشاؤما تجاه الثقافة الجماهيرية، حين رأى أن الصناعة الثقافية حولت الفن إلى سلعة خاضعة لمنطق السوق والاستهلاك. فالأغنية والسينما والإعلان والبرامج التلفزيونية تنتج وفق نماذج متكررة تستهلك الوعي وتعيد إنتاج الامتثال الاجتماعي. ومن هنا تصبح الحاجة إلى الفن مرتبطة بالحاجة إلى المقاومة الرمزية ضد التنميط والتشابه. فالفن العظيم عند أدورنو يحتفظ بقدرته على الصدمة والاختلاف والتوتر، ويكشف التناقضات العميقة داخل المجتمع الصناعي.

 MATT CAMPBELL / AFP
امرأة تمر أمام عمل آندي وارهول "علب حساء كامبل" خلال افتتاح متحف الفن الحديث في كوينز بنيويورك، 2002

بينما تزداد أهمية هذا السؤال اليوم مع التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي والثقافة الخوارزمية. فالصورة المعاصرة تعيش حالة تضخم غير مسبوقة، حيث تنتشر ملايين الصور يوميا عبر الهواتف والمنصات والشبكات الاجتماعية. وقد أدى هذا الفيض البصري إلى تغير جذري في علاقة الإنسان بالنظر والانتباه والذاكرة. ويشير الناقد الفني الاميركي جوناثان كرياري إلى أن الرأسمالية الرقمية أعادت تشكيل الإدراك الإنساني عبر اقتصاد الانتباه والتدفق المتواصل للصور والمعلومات. ومن ثم فإن الفن المعاصر يتحرك داخل عالم تتراجع فيه المسافة التأملية لصالح الاستهلاك الفوري والعبور السريع.

وفي هذا السياق يبرز الذكاء الاصطناعي، الذي لا ينفصل عن هذا التسارع الرهيب، بوصفه تحديا فلسفيا وجماليا جديدا. فالآلة أصبحت قادرة على إنتاج صور ونصوص وموسيقى تحاكي الأساليب البشرية بدرجة عالية من التعقيد. وقد دفع هذا التحول بعض المنظرين إلى الحديث عن نهاية الإبداع الإنساني أو ذوبان الحدود بين الإنسان والآلة. غير أن السؤال الأعمق يتعلق بطبيعة التجربة الفنية ذاتها: هل الفن مجرد إنتاج لأشكال قابلة للتكرار الحسابي؟ أم أن العمل الفني يرتبط أيضا بالتجربة الوجودية والذاكرة والجسد والزمن والقلق والرغبة؟

إعادة تشكيل

يظهر الفن، ضمن هذا الأفق، بوصفه شكلا من أشكال مقاومة الاختزال التقني للإنسان. فالتجربة الإستتيقية تمنح الكائن البشري إمكان استعادة حساسيته أمام العالم، وتوقظه من التبلد الناتج من التكرار والاستهلاك والسرعة. ولهذا السبب حافظ الشعر والموسيقى والرسم (التصوير الصباغي) والفن البصري (التركيبات، المنشآت، الفيديو، الأداء...) والسينما والفلسفة على قدرتها على مساءلة الواقع وإنتاج المعنى حتى داخل أكثر الأزمنة مادية وتقنية. وقد حاول الفيلسوف الأميركي آرثر دانتو تفسير التحولات التي عرفها الفن المعاصر من خلال تجديد طرح مفهوم "نهاية الفن"، وفق منظور فلسفي تحليلي. فالمقصود عنده لا يتعلق بانتهاء الإنتاج الفني، وإنما بانتهاء السردية التاريخية الكبرى، الهيغلية، التي كانت تحدد ماهية الفن ومساره التطوري.

 MIGUEL MEDINA / AFP
مارة يعبرون أمام عمل للفنان الفرنسي جاي آر يستوحي مجاز "كهف أفلاطون" ويغطي جزءا من واجهة أوبرا غارنييه في باريس، 2023

فمنذ ستينات القرن العشرين أصبح أي شيء قابلا لأن يتحول إلى عمل فني إذا دخل ضمن سياق تأويلي ومؤسساتي معين. هكذا فقد الفن معاييره الأسلوبية الصارمة، ودخل مرحلة التعدد المطلق. بالتالي، صار فعليا الفن موضوعا فلسفيا، بحسب دانتو، أكثر من أي زمن مضى، لأنه صار أكثر قدرة على طرح أسئلة الراهن بعيدا من المفارق والماضوي. وبه، بات الفن في الزمن المعاصر، تبعا لهذه النظرية التحليلية، ضرورة حيوية تستجيب للتفكير الإنساني الآني في تحولاته الكبرى والمتنامية، لكونه يقع ضمن استراتيجيا المضاد والمتناقض والمتكرر المختلف، بالتعبير الدولوزي، فكل علبة أعاد انتاجها وارهول لا تشبه الأولى، فالنسخة لا تطابق الأصل ولكنها تضاعفه.

يبرز الذكاء الاصطناعي، الذي لا ينفصل عن هذا التسارع الرهيب، بوصفه تحديا فلسفيا وجماليا جديدا

غير أن هذا التعدد نفسه يكشف الحاجة المستمرة إلى الفن. فحين تتشابه الأشياء وتخضع الحياة لمنطق الإنتاج والاستهلاك، يبحث الإنسان عن تجارب تعيد إليه الإحساس بالتفرد والمعنى والدهشة. والفن يفتح إمكانات جديدة للعيش والإدراك والتخيل، ويمنح الذات قدرة على إعادة تأويل وجودها داخل العالم. من هنا تبدو الحاجة إلى الفن مرتبطة بالحاجة إلى الحرية الداخلية، وإلى إنتاج مسافة نقدية تجاه الواقع. وقد أدرك نيتشه مبكرا هذه العلاقة بين الفن والحياة، حين اعتبر الفن قوة تسمح للإنسان بتحمل قسوة الوجود وتحويل الألم إلى طاقة خلاقة. فالحياة عنده تحتاج إلى "الوهم الجميل" والأسطورة والرقص والموسيقى حتى تتمكن من الاستمرار. ومن ثم فإن الفن لا يظهر بوصفه ترفا ثقافيا، وإنما بوصفه ضرورة وجودية مرتبطة بطاقة الإنسان على الاحتمال والتجاوز.

JOHANNES EISELE / AFP)
مصور يوثق عرضا لفيديو يظهر الفنان الألماني جوزيف بويز لدى وصوله إلى طوكيو عام 1984، ضمن معرض في برلين، 2011

ومن داخل هذا المنظور يمكن فهم التحولات الكبرى التي عرفها الفن عبر التاريخ بوصفها تحولات في صورة الإنسان عن نفسه وعن العالم. فالفن الطقسي القديم كان يبحث عن الحماية والخصب والسيطرة الرمزية على الطبيعة. وكان فن عصر النهضة يحتفي بالعقل والمنظور والإنسان الفرد. وواجه الفن الحديث الصدمة الصناعية والحروب والعزلة والاغتراب. أما الفن المعاصر فيتحرك وسط عالم شبكي متشظ، تحكمه البيانات والخوارزميات والتدفقات الرقمية.

ومع ذلك يحتفظ الفن بوظيفته العميقة: إعادة تشكيل الحساسية الإنسانية. فكل عمل فني حقيقي يغير طريقة النظر إلى الأشياء، ويمنح اللغة والصورة والصوت قدرة جديدة على الكشف. وقد كتب موريس ميرلوبونتي أن الرسام يعيد تعليمنا الرؤية، لأن اللوحة تكشف ما يظل مختفيا داخل الإدراك اليومي المعتاد. وهكذا يصبح الفن تمرينا على الانتباه والتأمل والإنصات، داخل عالم يندفع نحو التشتت والسرعة.

 Oli SCARFF / AFP
زائرة تتأمل نسيجا بعنوان "انتصار الثبات" يعود إلى نحو عام 1525 ضمن معرض "اكتشاف عصر النهضة من جديد" في ليفربول، 2023

ولذلك تبدو الحاجة إلى الفن اليوم أكثر كثافة من أي زمن سابق. فالعالم المعاصر ينتج وفرة هائلة من المعلومات والصور والسلع، غير أن هذه الوفرة نفسها تولد فراغا رمزيا وشعورا بالإنهاك والتكرار. وهنا يظهر الفن بوصفه فعلا يعيد بناء العلاقة بالمعنى والزمن والجسد والذاكرة. فالرواية أو القصة تمنح التجربة الإنسانية عمقا سرديا، والموسيقى تعيد تنظيم الانفعال والزمن الداخلي، والسينما تكشف طبقات الذاكرة الجماعية، والشعر يحرر اللغة من الاستعمال النفعي المباشر، وتقود الصورة الفنية بكل أنواعها الألوغرافية والأتوغرفرافية، إلى مضاعفة العالم والكشف عن الخفي فيه وإعادة الاعتبار الى المرئي أيضا.

يمكن فهم التحولات الكبرى التي عرفها الفن عبر التاريخ بوصفها تحولات في صورة الإنسان عن نفسه وعن العالم

ومن ثم فإن السؤال "ما حاجتنا للفن؟" يرتبط في العمق بالسؤال: أي نوع من البشر نريد أن نكون؟ فالمجتمع الذي يفقد حساسيته الفنية ويلغي الوظيفة الإستتيقية للأشياء والأفكار، وينزع إلى تجريد الإنسانية من تقاسم المحسوس، يتحول تدريجيا إلى فضاء تحكمه التقنية والاستهلاك والوظيفة المجردة. أما الفن فيعيد فتح المجال أمام الهشاشة والخيال والتأمل والاختلاف. ومن هنا تنبع ضرورته الحضارية والأنتولوجية.

font change