كيف يمكن أن تسير عملية برية أميركية في إيران؟

لا يزال الغزو البري الشامل خياراً بالغ التعقيد، فيما تتركز التقديرات على عمليات محدودة بأهداف عسكرية محددة

(رويترز)
(رويترز)
أحد أفراد الطاقم الأرضي يعمل إلى جانب قاذفة استراتيجية من طراز "بي-1 بي لانسر" التابعة للقوات الجوية الأميركية، في قاعدة فيرفورد التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، التي تستضيف أفرادًا من القوات الجوية الأميركية، 23 أبريل 2026

كيف يمكن أن تسير عملية برية أميركية في إيران؟

مع احتدام الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، تتزايد المخاوف من أن تكون عملية برية قد أصبحت تلوح في الأفق، في ظل عجز الضربات الجوية الأميركية المتواصلة عن كسر إرادة طهران.

ورفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب استبعاد احتمال نشر قوات برية، فيما تواصل الحرب، التي باتت تدور إلى حد بعيد حول السيطرة على مضيق هرمز، إلحاق أضرار جسيمة بأسواق الطاقة العالمية، وأفادت تقارير بأن الولايات المتحدة أرسلت مزيدا من العسكريين إلى المنطقة، بينهم عناصر من قوات العمليات الخاصة ومسعفون عسكريون، لتوسيع نطاق الخيارات المتاحة أمام ترمب.

وضغط أعضاء في الكونغرس هذا الأسبوع على كبار مسؤولي إدارة ترمب لمعرفة ما إذا كانت عملية برية تخضع فعلا لدراسة جدية، وخلال جلسة استماع عقدت يوم الثلاثاء، امتنع الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، عن تحديد ما إذا كان يتوقع أن يشكل القتال البري الخطوة التالية للولايات المتحدة في هذه الحرب، لكنه أقر بأن "للقوة الجوية حدودا"، وقال: "نحن نضع دائما عددا هائلا من الخيارات".

(أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مع قائد الفيلق المحمول جوا الثامن عشر، الفريق غريغوري أندرسون، وقادة عسكريين أثناء مشاهدتهم عرضا تنفذه قوات العمليات الخاصة في قاعدة فورت براغ بولاية نورث كارولينا في 10 يونيو 2025

وقال مسؤولون عسكريون أميركيون سابقون وخبراء لمجلة "فورين بوليسي" إن الولايات المتحدة لا تبدو متجهة نحو عملية برية كبرى في إيران، إذ ستتطلب عملية من هذا النوع قوات يزيد عددها كثيرا على نحو خمسين ألف جندي منتشرين حاليا في المنطقة، لكنهم أشاروا إلى احتمال مشاركة قوات برية في عمليات محدودة، مثل التحرك للسيطرة على جزر مهمة كجزيرة خارك، أو تنفيذ غارات لقوات العمليات الخاصة على مواقع عسكرية.

 الأهداف المحتملة قد تشمل مراكز القيادة، ومنصات الإطلاق، وعقد الاتصالات، لكن عملية أكبر، مثل السيطرة على أراض في البر الإيراني مجاورة لمضيق هرمز، ستتطلب ما لا يقل عن مئة ألف جندي.

وقال الجنرال المتقاعد جوزيف فوتيل، الذي أشرف على العمليات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط بين عامي 2016 و2019 خلال توليه قيادة القيادة المركزية الأميركية: "لا أعتقد أننا نتطلع إلى إرسال قوات إلى وسط طهران"، وأشار أيضا إلى أن البيت الأبيض لا يبدو أنه يدرس تنفيذ عملية برية تستهدف المنشآت النووية الإيرانية.

وأضاف فوتيل: "قد نشهد استخدام قوات برية في غارات محدودة تستهدف مواقع رئيسة"، وقد تركز هذه العمليات على "التعامل مع القدرات العسكرية التي يبدو أن إيران تعتمد عليها في الوقت الراهن، والموجودة عموما في المناطق الساحلية"، أو على مسافة ما داخل اليابسة.

وقد تشمل الأهداف المحتملة مراكز القيادة والسيطرة، ومنصات الإطلاق، ومواقع التخزين، وعقد الاتصالات، وغيرها من البنى التحتية الحيوية التي تدعم قدرة إيران على مواصلة التأثير في الوضع داخل مضيق هرمز.

لكن عملية أكبر، مثل السيطرة على أراض في البر الإيراني مجاورة لمضيق هرمز سعيا إلى إعادة فتح الممر المائي، ستتطلب على الأرجح ما لا يقل عن مئة ألف جندي، بحسب فوتيل، وقال: "هذه منطقة شاسعة، وعلينا أن نتوقع أن ترد إيران وتحاول مقاومة العملية".

وأضاف أن إيران لا تملك "جيشا بالغ القوة"، لكنها قادرة على إبداء مقاومة، كما ستواجه الولايات المتحدة تحديات جسيمة في نقل القوات والإمدادات بسبب القيود الجغرافية وغيرها من العقبات اللوجستية.

وخلال حرب العراق، استطاع الجيش الأميركي استخدام الكويت المجاورة قاعدة لانطلاق عملياته، أما في حالة إيران، فلا تملك الولايات المتحدة طريقا مماثلا وواضحا للدخول إلى البلاد، وهذا أحد أسباب عدة تدفع الخبراء العسكريين إلى التشكيك في أن عملية برية واسعة النطاق تخضع فعلا لدراسة جدية.

وقال العقيد المتقاعد في سلاح مشاة البحرية مارك كانسيان، وهو مستشار بارز في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إنه يعتقد أن احتمال تنفيذ عملية برية أميركية على البر الإيراني "يقترب من الصفر"، وأن الإقدام على هذه الخطوة سيكون "بالغ الخطورة"، ولا سيما أن عدد القوات البرية الإيرانية يناهز "مليون عنصر".

لكنه أضاف أن استهداف جزر ذات أهمية استراتيجية يظل "أكثر قابلية للتنفيذ".

(أ.ف.ب)
زوجان إيرانيان يمران بجوار صواريخ "ذو الفقار" الإيرانية الصنع المعروضة في ساحة آزادي بالعاصمة طهران، وقال الجيش الإيراني إنه نفذ هجمات بطائرات مسيرة على عدد من المنشآت والقواعد العسكرية الأميركية في البحرين والأردن، في 24 يوليو2026

وأوضح كانسيان أن الولايات المتحدة تملك في المنطقة القوات اللازمة، بما فيها آلاف من جنود مشاة البحرية والمظليين، للسيطرة على جزر مثل خارك، لكن ذلك سيشكل "عملية قتالية كبرى"، وستكون القوات الأميركية عرضة للصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، و"لا شك" في أن خسائر ستقع في صفوفها، وأضاف: "لكن من المستبعد أن تتمكن إيران من حشد قوة نيران تكفي لطردنا".

وقال كانسيان إن جدوى عملية من هذا النوع "ستتمثل في فرض إعادة فتح المضيق"، ورغم أن جزيرة خارك تقع على بعد نحو أربعمئة ميل من مضيق هرمز داخل الخليج العربي، فإنها تمثل مركزا حيويا لصادرات النفط الإيرانية، ويرى مؤيدو السيطرة عليها أنها تشكل نقطة ضغط قد تمنح واشنطن نفوذا في مواجهة طهران.

عملية برية أميركية على البر الإيراني تقترب من الصفر، لا سيما أن عدد القوات البرية الإيرانية يناهز مليون عنصر... عقيد متقاعد في سلاح المشاة البحرية الأميركية

ومع ذلك، يدور جدل حول ما إذا كانت السيطرة على خارك أو غيرها من الجزر تستحق هذه المخاطر، أو ما إذا كانت ستساعد فعلا على إعادة فتح المضيق، وقال فوتيل إن خارك تمثل أهمية كبيرة للنظام الإيراني، وإن "سيطرتنا عليها قد تحدث بعض الأثر"، لكنه غير واثق من أنها ستقدم "عونا كبيرا في حل مشكلة مضيق هرمز" أو في تحقيق أهداف عملياتية أخرى.

كما يبدي أعضاء في الكونغرس مخاوف جدية من مخاطر إرسال قوات برية إلى إيران، بما في ذلك في أي عملية تهدف إلى السيطرة على جزر.

وقال النائب الديمقراطي تيد ليو، وهو من قدامى المحاربين في القوات الجوية الأميركية وعضو لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، لمجلة "فورين بوليسي": "لا أرى كيف يمكن السيطرة على جزيرة من دون تعريض القوات الأميركية  للنيران الإيرانية كل يوم، المشكلة ليست في قدرة الجيش الأميركي على السيطرة على أراض، فنحن قادرون على ذلك بطبيعة الحال، المشكلة هي ما سيحدث في اليوم التالي".

وأضاف ليو: "لا يمكنك الاستيلاء على أراض ثم القول إن الحرب انتهت، عليك أن تحتفظ بتلك الأراضي، وهنا تبدأ المعضلة الكبرى، فإذا أرادت الولايات المتحدة مواصلة العمليات اللازمة للاحتفاظ بأراض داخل إيران، فستجد نفسها في حرب أخرى لا نهاية واضحة لها".

(أ.ف.ب)
لقطة شاشة التُقطت في 24 يوليو 2026 من تسجيل مصور وزعته القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) في 23 يوليو 2026، وتُظهر، بحسب ما أفادت به، ضربة دقيقة نفذتها القوات الأميركية ضد قدرات عسكرية إيرانية.

وأبدى بعض الجمهوريين مخاوف مماثلة، فقد كتب النائب الجمهوري بات هاريغان، وهو جندي سابق في القوات الخاصة الأميركية وعضو لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب، في منشور حديث على "فيسبوك": "إيران هي أخطر أعشاش الدبابير على الإطلاق، ووضع قوات أميركية على الأرض سيحول صراعا خطرا بالفعل إلى حرب أخرى لا نهاية لها".

كما ينطوي نشر قوات برية في إيران، مهما كان نطاقه، على مخاطر سياسية بالنسبة إلى ترمب والحزب الجمهوري، فالحرب، التي دفعت أسعار الوقود إلى الارتفاع، لا تحظى بتأييد الناخبين الأميركيين، فيما يتزايد قلق الحزب الجمهوري من أن يقوض الصراع أغلبيته الضئيلة في الكونغرس خلال انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني.

ومع ذلك، شدد ليو على أن سلوك ترمب في الماضي يكشف عن شهية هائلة للمخاطرة، كما ظهر في استعداده لإرسال قوات برية إلى فنزويلا في وقت سابق من هذا العام.

وقال ليو: "لا أستهين أبدا بقدرة دونالد ترمب على اتخاذ قرارات غبية وضارة، يبدو أن لديه تصورا مشوها للواقع، ولا أعتقد أن مستشاريه يزودونه بالحقائق الصحيحة، كما أعتقد أنه محجوب عن الأنباء السيئة، ولذلك أعتقد أنه، في تصوره الخاص، يرى الغزو البري خيارا ممكنا".

تقارير أشارت إلى أن البنتاغون لم يطلع ترمب على النقص في الذخائر الناجم عن الحرب، لكن البيت الأبيض نفى لصحيفة "فورين بوليسي" أي تباين بين الرئيس والبنتاغون

وأشار تقرير حديث نشرته صحيفة "واشنطن بوست" إلى أن وزارة الدفاع الأميركية لم تطلع البيت الأبيض بصورة كاملة على النقص في الذخائر الناجم عن الحرب، وهو ما قد يحد من خيارات ترمب لتوسيع نطاق القتال، لكن البيت الأبيض نفى وجود أي تباين بين الرئيس والبنتاغون.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي في رسالة إلكترونية إلى مجلة "فورين بوليسي": "أي تلميح إلى أن القائد الأعلى لا يتلقى معلومات دقيقة وفي الوقت المناسب من البنتاغون أمر مثير للسخرية".

وأضافت: "تمتلك القوات المسلحة الأميركية ما يكفي من الأسلحة والذخائر والمخزونات لتحقيق جميع الأهداف الاستراتيجية للرئيس ترمب وما هو أبعد منها، وقد أظهرت عملية "إيبيك فيوري" ما يحدث عندما تعبث بالولايات المتحدة، ومع ذلك، حث الرئيس شركات الصناعات الدفاعية على مواصلة إنتاج مزيد من الأسلحة المصنوعة في الولايات المتحدة، وهي الأفضل في العالم".

(أسوشييتد برس)
وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث والرئيس الأميركي دونالد ترمب يحضران مراسم نقل رفات أربعة من أفراد القوات المسلحة الأميركية الذين قُتلوا مؤخرا في الشرق الأوسط، في قاعدة دوفر الجوية بولاية ديلاوير، الأربعاء 22 يوليو 2026

ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه إدارة ترمب تدقيقا متزايدا بشأن أهدافها من الحرب، بعدما تبدلت هذه الأهداف مرارا، مما جعل تنفيذ المهمة أكثر صعوبة بالنسبة إلى الجيش.

وقال فوتيل: "نفذ الجيش بالضبط ما طلب منه، وفعل ذلك بأفضل ما في وسعه"، لكنه أضاف أن "من الصعب تحديد الأهداف الاستراتيجية البعيدة المدى" لهذه الحرب.

font change