جزيرة خرج "جوهرة" الاقتصاد الإيراني

بوابة التفاوض الأميركي حول مضيق هرمز وعبور ناقلات النفط والغاز

"المجلة"
"المجلة"

جزيرة خرج "جوهرة" الاقتصاد الإيراني

تمثل جزيرة خرج، في شمال بحر الخليج، مركز تصدير النفط الرئيسي لإيران، قلب الاقتصاد ومصدر العملات الأجنبية. توصف بـ"جوهرة التاج" تعتمد طهران عليها في تصدير أكثر من 90 في المئة من نفطها الخام، خصوصا إلى الصين والهند، ما يجعلها ركيزة أساسية في تمويل الموازنة والإنفاق العسكري.

تُعدّ الجزيرة منذ عقود محورًا أساسيا في الاقتصاد الإيراني. فقد ورد في تقرير لوكالة الاستخبارات المركزية (CIA) عام 1984 أن منشآتها "تمثل العصب الحيوي لمنظومة النفط في إيران، وأن استمرار تشغيلها ضروري لاستقرار الاقتصاد". وفي سياق متصل، اعتبر زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد مؤخرًا أن تدمير هذه المنشآت من شأنه "شلّ الاقتصاد الإيراني والتسبب في سقوط النظام".

خلال الحرب الراهنة، أمر الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتوجيه ضربات محددة للجزيرة، من دون المس بالمنشآت النفطية، ما جعلها تتحول إلى مركز رئيس في المواجهة في الأيام الماضية. ففيها تتركز طموحات النظام الإيراني في الحفاظ على موارده المالية التي تدعم بقاءه وتمويل الحرب، لا سيما أن تهديداته للسفن ومنعها من عبور مضيق هرمز تمكنه من الاستفادة من ارتفاع أسعار النفط عالميا. وفي وقت لم تتدخل البحرية الأميركية حتى الآن لوقف ناقلات النفط الإيرانية من عبور هرمز، تحوّلت الجزيرة إلى ورقة تفاوض استراتيجية، كونها المصدر الرئيس للعملة الصعبة ولتمويل المجهود الحربي.

اعتبر زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد مؤخرًا أن تدمير هذه المنشآت من شأنه "شلّ الاقتصاد الإيراني والتسبب في سقوط النظام"

وفي السياق عينه، حذّر فريق أبحاث السلع العالمية في "جي بي مورغان" الأسبوع الماضي، في مذكرة استثمارية، من أن أي ضربة تستهدف الجزيرة ستكون لها تداعيات اقتصادية كبيرة، إذ من شأنها "أن توقف فوراً الجزء الأكبر من صادرات إيران من النفط الخام، مع احتمال أن تؤدي إلى ردّ انتقامي عنيف في مضيق هرمز أو ضد البنية التحتية للطاقة في المنطقة". 

تتعامل محطات التصدير في جزيرة خرج مع نحو 1.55 مليون برميل من النفط الخام يوميا. وهي تكتسب أهميتها من مياهها العميقة التي تسمح للناقلات العملاقة بالرسو في موانئها. وتتكون بنيتها التحتية من أكثر من 50 خزانا للنفط الخام، ما يجعلها أكبر خزان احتياطي لإيران، كما ويتيح لها الحفاظ على وتيرة تصدير عالية لأسابيع، حتى في حال تعطل خطوط الأنابيب القادمة من اليابسة.

أ.ف.ب
صورة التقطتها وكالة الفضاء الأوروبية عبر القمر الصناعي "كوبرنيكوس سنتينل-2"، تظهر جزيرة خرج الإيرانية، 2 مارس/آذار 2026

وقالت مويو شو، كبيرة محللي النفط الخام في شركة "كبلر"، لشبكة "سي إن إن": "إذا تعرّضت منشآت النفط في جزيرة خرج لهجوم، فقد تستغرق إيران أشهراً، إن لم يتجاوز الأمر عاماً كاملاً، لإعادة بنائها." وأضافت أن الصين، بوصفها المشتري الرئيسي للنفط الإيراني، ستكون على الأرجح الأكثر تأثراً.

وأوضحت شو أن إيران، في ظل استمرار العقوبات الغربية، لا تستطيع تأمين التمويل الكافي ولا التكنولوجيا والخبرات اللازمة، ما يجعل عملية إعادة الإعمار صعبة.

وكتب السيناتور الأميركي ليندسي غراهام، أحد أبرز حلفاء دونالد ترامب من الجمهوريين، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي يوم السبت 14 مارس/آذار الجاري: "من يسيطر على جزيرة خرج، يسيطر على مصير هذه الحرب." 

دفعت التوترات السياسية طهران، منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية قبل 47 عاما، وخصوصا حربها مع العراق في ثمانينيات القرن الماضي واندلاع حرب الناقلات في ذلك الحين، للتفكير بمشروع بديل لمواجهة انقطاع الطرق أو ما يحصل اليوم في جزيرة خرج. 

تتعامل محطات التصدير في جزيرة خرج مع نحو 1.55 مليون برميل من النفط الخام يوميا، وتكتسب أهميتها من مياهها العميقة التي تسمح للناقلات العملاقة بالرسو في موانئها، وتتكون بنيتها التحتية من أكثر من 50 خزانا للنفط الخام

فقد أطلقت إيران عام 2024 خط أنابيب "غوره-جاسك" البري للالتفاف على مضيق هرمز والوصول إلى بحر عمان. ولكن هذا المسار البديل فشل في عمليات النقل الكبرى، ولم يتمكن من تصدير إلا نحو 20 في المئة مما يمكن موانئ جزيرة خرج تصديره. ترك ذلك النظام الإيراني دون خيارات تصديرية حقيقية خارج مياه الخليج، وأعاد ناقلات طهران إلى اعتماد مضيق هرمز كما هو حال باقي المصدرين.

تصعيد محسوب وردع استباقي في معركة خرج

أسفر القصف الأميركي المكثف على جزيرة خرج عن تدمير مواقع عسكرية وبنى تحتية مدنية، لكنه لم يستهدف المواقع النفطية. في المقابل، اعتمدت طهران ما يعرف باستراتيجية "الطبقات الهجينة" لحماية الجزيرة، التي تضم لواء "ذو الفقار" التابع للحرس الثوري، الذي يدير زوارق هجومية سريعة، مجهزة بصواريخ مضادة للسفن وألغاما بحرية. كما تشتمل دفاعاتها الجوية على أنظمة صواريخ S-300 الروسية، ورادارات لكشف الهجمات. إلا أن الضربات الأميركية استهدفت هذه الأسلحة قبل تحريكها.

ونقلت الولايات المتحدة إلى الشرق الأوسط من منطقة المحيطين الهندي والهادئ تعزيزات وأصولا بحرية وبرية، أبرزها السفينة الهجومية البرمائية، "تريبولي"، ووحدة استكشافية مكونة من 2,500 عنصر من جنود المارينز متمركزة في اليابان، بالإضافة الى سرب طائرات "إف.-35" (F-35) ومروحيات.

"المجلة"

وتدربت هذه القوات على الحروب الساحلية والاستيلاء على الجزر والمواقع الحيوية وتأمين ممرات الملاحة في البيئات المعادية، ما يوفر للقوات الأميركية إمكان تنفيذ عمليات إنزال للاستيلاء على جزيرة خرج في حال قرر الحرس الثوري الاستمرار في إغلاق مضيق هرمز.

الألغام البحرية

منذ ثمانينيات القرن الماضي، استخدمت إيران نفوذها في مضيق هرمز كأداة للضغط الاقتصادي العالمي. وقد حولت المضيق في هذه الحرب، إلى بيئة ملاحة محفوفة بالأخطار العالية، إذ توقفت نحو 150 ناقلة نفط وغاز في مياه الخليج وبحر عمان في انتظار ضمانات أمنية للعبور في الاتجاهين.

وعادة ما تستخدم طهران في عملياتها العسكرية طرقا مختلفة من الهجمات في مضيق هرمز، منها إطلاق صواريخ قصيرة المدى، ومهاجمة السفن مباشرة عبر زوارق صغيرة والقيام بعمليات اختطاف، بالإضافة إلى زرع الألغام البحرية التي تمتلك منها أكثر من 5 آلاف لغم، وفق تقرير خدمة أبحاث الكونغرس لعام 2026. وحتى الآن، لم يقم الحرس الثوري بزرع الألغام بشكل واسع خوفا من إصابة الناقلات الإيرانية، كذلك تحسبا من قيام واشنطن بإغلاق المضيق أمام السفن الإيرانية، ما يجعلها تحت حصار محكم، على الرغم من وجود تقارير تتحدث عن نشر أقل من 12 لغما في الممرات الملاحية الشمالية.

وتمتلك إيران 3 أنواع من الألغام البحرية، تشمل ألغاما تستقر في قاع البحر وتنفجر بحسب ضغط المياه والتغيرات الصوتية أو المغناطيسية الناتجة من مرور السفن الكبيرة فوقها، كذلك الكرات المتفجرة الطافية المثبتة بسلاسل على أعماق محددة، بحيث تستهدف غاطس السفن الكبيرة. أما النوع الأخطر، فهي الألغام التي تطفو على السطح وتتحرك مع التيارات المائية، ما يجعل اكتشافها وتحييدها أو العودة لإزالتها أمرا صعبا.

ويستخدم الحرس الثوري زوارق صغيرة جدا معروفة باسم "عاشوراء" لزرع الألغام. وهي تتميز بصعوبة تتبعها بالرادارات مقارنة بالسفن الكبيرة، وهي زوارق أكد ترمب تدمير عدد كبير منها، ما يعني أن طهران فقدت قدرتها على قطع الممر بشكل كامل.

لم يتوقف الشركاء في المفاوضات مثل سلطنة عمان، في المفاوضات عن محاولات فتح مسارات جديدة تخفف وقع الحرب. ويقول مصدر إيراني إن الحرس الثوري يفرض "سيطرة ذكية" على حركة الملاحة. فهو يسمح لبعض الدول، مثل الهند وغيرها، بمواصلة المرور، لكنه في المقابل يحاول منع الدول التي تعتبر طرفا في الصراع، خصوصا الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية، من الاستفادة الكاملة من هذا الممر الحيوي. لكن طهران تشترط على الناقلات التي تسمح لها عبور مضيق هرمز أن يتم تداول النفط بالعملة الصينية بدلا من الدولار. يهدف ذلك إلى الالتفاف على العقوبات الأميركية، وفتح ممر للدول التي تقبل التعامل بالعملة الصينية، ما يسمح لإيران بشراء التقنيات الحديثة من بكين لتطوير قدرات قواتها.

وطهران تعلم أنه لا يمكن إقناع دونالد ترمب بتمرير هذا النوع من فرض الأمر الواقع. وقد يعمل الزعيم الجديد مجتبى خامنئي ومعه الحرس الثوري على تقديم تنازلات، منها السماح بعبور الناقلات في مضيق هرمز، لمنع سقوط الجزيرة "الجوهرة".

رويترز

ويرى مصدر إيراني أن الصين وحدها ترتبط اقتصاديا بالمنطقة بحجم تبادل تجاري يقدر بمئات المليارات من الدولارات، وكذلك اليابان وكوريا الجنوبية والهند، إضافة إلى الولايات المتحدة. وهذا يعني أن أي تصعيد كبير في هذه المنطقة لن يكون تأثيره محصورا بدول الخليج أو إيران فقط، بل سيمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.

العمليات البرية في الجزيرة

انتقل النقاش في واشنطن من الحديث عن عدم التدخل في معارك برية إلى التهديد بذلك لفرض فتح مضيق هرمز لكل الناقلات من دون استثناء، أو حتى إمكان الاستيلاء على جزيرة خرج، لحرمان الحرس الثوري من تمويل عملياته.

لكن السيطرة على الجزيرة تعتمد خططا مختلفة عن الحروب التقليدية التي تبنتها وتدربت عليها قوات الحرس الثوري خلال مناوراتها في السنوات والأشهر التي سبقت الحرب. فالخطط الأميركية تتبنى عمليات قصف تدمر كل ما هو موجود في الميدان من عناصر ومعدات عسكرية، عبر استخدام ذخائر دقيقة موجهة بالليزر ومسيرات لمسح ومراقبة أي وجود لمنصات صواريخ متحركة أو مواقع دفاعية تحت الأرض.

فيما تقوم وحدات خاصة أو "كوماندوس" بتنفيذ عمليات قفز بالمظلات، أو إنزال بمركبات بحرية، وتسلل مجموعات في غواصات للسيطرة الميدانية على مدرج مطار الجزيرة، لتأمين مرحلة إنزال المروحيات وطائرات نقل للجنود، بينما تتقدم سفن الإنزال المدرعة على الشواطئ الشمالية.

كما تتحرك قوات نحو جنوب الجزيرة للسيطرة على محطات تحميل النفط بهدف منع الحرس الثوري من تفجير خطوط الأنابيب والمنشآت أو تخريبها.

تشكل هذه الخطط أخطارا على الجنود الأميركيين بسبب قرب الجزيرة من البر الإيراني، ما يجعل عناصر "المارينز" عرضة لعمليات قصف مدفعي مباشر وهجمات من صواريخ "غراد" روسية يصل مداها إلى أربعين كيلومترا وتطلق من راجمات متنوعة وسهلة النقل بعكس الصواريخ البالستية.

ترتبط الصين وحدها اقتصاديا بالمنطقة بحجم تبادل تجاري يقدر بمئات المليارات من الدولارات، وكذلك اليابان وكوريا الجنوبية والهند، وهذا يعني أن أي تصعيد كبير سيمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله

ويعتبر مصدر إيراني أنه إذا احتلت جزيرة خرج أو أغلق مضيق هرمز بالقوة، فإن رد الفعل الإيراني يمكن أن يكون واسعا جدا. عندئذ، قد تتحول المواجهة إلى حرب حقيقية بكل معنى الكلمة، لأن مثل هذه الخطوة ستعد تجاوزا للخطوط الحمر.

يواجه النظام الإيراني خلال هذه الحرب معضلة مقتل زعيمه علي خامنئي، فيما تكمن المعضلة الثانية، التي يمكن وصفها بالوجودية، في مطالبة الحرس الثوري بالاستمرار بالحرب وتهديد الطرق النفطية ومهاجمة الدول المجاورة، مما يؤدي، وبشكل سريع، إلى حصار وانهيار اقتصادي، مع نقص حاد في العملة الصعبة وتدهور قيمة الريال الإيراني بنسب عالية.

هل تنفذ عملية برية في الجزيرة؟

ومع توقع وصول تعزيزات أميركية إلى المنطقة في الأيام المقبلة، يرتفع احتمال تنفيذ عملية برية خاطفة للسيطرة على الجزيرة، أو استهداف منطقة جاسك، التي يصلها خط الأنابيب البري، في توجه لنقل المواجهة إلى الملف الاقتصادي كبديل من التدمير الشامل، عبر توجيه ضربة مباشرة لمالية النظام، من دون الانزلاق إلى غزو بري واسع للأراضي الإيرانية.

رويترز

ولكن ترى طهران أن الحديث عن احتلال الجزيرة بشكل مباشر أمر غير وارد، بل قد يكون نوعا من التضليل أو المبالغة في الخطاب السياسي، وفق المصدر الإيراني، الذي يشير إلى أن دونالد ترمب يسعى من خلال التهديد، إلى تحقيق إنجاز ذي بعد دولي أو إقليمي فقط، لأن احتلال أرض إيرانية بشكل مباشر لن يكون في مصلحته السياسية.

في المقابل، قد يجد الحرس الثوري أن قبول صفقة تتضمن التخلي عن المواد النووية المخصبة والميليشيات في المنطقة بالإضافة إلى الصواريخ البالستية، أقل تكلفة من الاستمرار في القتال، وتجنبا للانزلاق إلى مواجهة مدمرة قد تفضي إلى تقويض المنظومة برمتها.

ومع تسارع وتيرة التطورات، يبدو أن السيناريو الأقرب للطرفين يتمثل في السعي إلى تحقيق مكسب سياسي يمكن تقديمه كإنجاز، من دون الانجرار إلى احتلال مباشر أو حرب مفتوحة غير محسوبة العواقب.

font change