فقد أطلقت إيران عام 2024 خط أنابيب "غوره-جاسك" البري للالتفاف على مضيق هرمز والوصول إلى بحر عمان. ولكن هذا المسار البديل فشل في عمليات النقل الكبرى، ولم يتمكن من تصدير إلا نحو 20 في المئة مما يمكن موانئ جزيرة خرج تصديره. ترك ذلك النظام الإيراني دون خيارات تصديرية حقيقية خارج مياه الخليج، وأعاد ناقلات طهران إلى اعتماد مضيق هرمز كما هو حال باقي المصدرين.
تصعيد محسوب وردع استباقي في معركة خرج
أسفر القصف الأميركي المكثف على جزيرة خرج عن تدمير مواقع عسكرية وبنى تحتية مدنية، لكنه لم يستهدف المواقع النفطية. في المقابل، اعتمدت طهران ما يعرف باستراتيجية "الطبقات الهجينة" لحماية الجزيرة، التي تضم لواء "ذو الفقار" التابع للحرس الثوري، الذي يدير زوارق هجومية سريعة، مجهزة بصواريخ مضادة للسفن وألغاما بحرية. كما تشتمل دفاعاتها الجوية على أنظمة صواريخ S-300 الروسية، ورادارات لكشف الهجمات. إلا أن الضربات الأميركية استهدفت هذه الأسلحة قبل تحريكها.
ونقلت الولايات المتحدة إلى الشرق الأوسط من منطقة المحيطين الهندي والهادئ تعزيزات وأصولا بحرية وبرية، أبرزها السفينة الهجومية البرمائية، "تريبولي"، ووحدة استكشافية مكونة من 2,500 عنصر من جنود المارينز متمركزة في اليابان، بالإضافة الى سرب طائرات "إف.-35" (F-35) ومروحيات.

وتدربت هذه القوات على الحروب الساحلية والاستيلاء على الجزر والمواقع الحيوية وتأمين ممرات الملاحة في البيئات المعادية، ما يوفر للقوات الأميركية إمكان تنفيذ عمليات إنزال للاستيلاء على جزيرة خرج في حال قرر الحرس الثوري الاستمرار في إغلاق مضيق هرمز.
الألغام البحرية
منذ ثمانينيات القرن الماضي، استخدمت إيران نفوذها في مضيق هرمز كأداة للضغط الاقتصادي العالمي. وقد حولت المضيق في هذه الحرب، إلى بيئة ملاحة محفوفة بالأخطار العالية، إذ توقفت نحو 150 ناقلة نفط وغاز في مياه الخليج وبحر عمان في انتظار ضمانات أمنية للعبور في الاتجاهين.
وعادة ما تستخدم طهران في عملياتها العسكرية طرقا مختلفة من الهجمات في مضيق هرمز، منها إطلاق صواريخ قصيرة المدى، ومهاجمة السفن مباشرة عبر زوارق صغيرة والقيام بعمليات اختطاف، بالإضافة إلى زرع الألغام البحرية التي تمتلك منها أكثر من 5 آلاف لغم، وفق تقرير خدمة أبحاث الكونغرس لعام 2026. وحتى الآن، لم يقم الحرس الثوري بزرع الألغام بشكل واسع خوفا من إصابة الناقلات الإيرانية، كذلك تحسبا من قيام واشنطن بإغلاق المضيق أمام السفن الإيرانية، ما يجعلها تحت حصار محكم، على الرغم من وجود تقارير تتحدث عن نشر أقل من 12 لغما في الممرات الملاحية الشمالية.
وتمتلك إيران 3 أنواع من الألغام البحرية، تشمل ألغاما تستقر في قاع البحر وتنفجر بحسب ضغط المياه والتغيرات الصوتية أو المغناطيسية الناتجة من مرور السفن الكبيرة فوقها، كذلك الكرات المتفجرة الطافية المثبتة بسلاسل على أعماق محددة، بحيث تستهدف غاطس السفن الكبيرة. أما النوع الأخطر، فهي الألغام التي تطفو على السطح وتتحرك مع التيارات المائية، ما يجعل اكتشافها وتحييدها أو العودة لإزالتها أمرا صعبا.
ويستخدم الحرس الثوري زوارق صغيرة جدا معروفة باسم "عاشوراء" لزرع الألغام. وهي تتميز بصعوبة تتبعها بالرادارات مقارنة بالسفن الكبيرة، وهي زوارق أكد ترمب تدمير عدد كبير منها، ما يعني أن طهران فقدت قدرتها على قطع الممر بشكل كامل.
لم يتوقف الشركاء في المفاوضات مثل سلطنة عمان، في المفاوضات عن محاولات فتح مسارات جديدة تخفف وقع الحرب. ويقول مصدر إيراني إن الحرس الثوري يفرض "سيطرة ذكية" على حركة الملاحة. فهو يسمح لبعض الدول، مثل الهند وغيرها، بمواصلة المرور، لكنه في المقابل يحاول منع الدول التي تعتبر طرفا في الصراع، خصوصا الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية، من الاستفادة الكاملة من هذا الممر الحيوي. لكن طهران تشترط على الناقلات التي تسمح لها عبور مضيق هرمز أن يتم تداول النفط بالعملة الصينية بدلا من الدولار. يهدف ذلك إلى الالتفاف على العقوبات الأميركية، وفتح ممر للدول التي تقبل التعامل بالعملة الصينية، ما يسمح لإيران بشراء التقنيات الحديثة من بكين لتطوير قدرات قواتها.
وطهران تعلم أنه لا يمكن إقناع دونالد ترمب بتمرير هذا النوع من فرض الأمر الواقع. وقد يعمل الزعيم الجديد مجتبى خامنئي ومعه الحرس الثوري على تقديم تنازلات، منها السماح بعبور الناقلات في مضيق هرمز، لمنع سقوط الجزيرة "الجوهرة".

ويرى مصدر إيراني أن الصين وحدها ترتبط اقتصاديا بالمنطقة بحجم تبادل تجاري يقدر بمئات المليارات من الدولارات، وكذلك اليابان وكوريا الجنوبية والهند، إضافة إلى الولايات المتحدة. وهذا يعني أن أي تصعيد كبير في هذه المنطقة لن يكون تأثيره محصورا بدول الخليج أو إيران فقط، بل سيمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.
العمليات البرية في الجزيرة
انتقل النقاش في واشنطن من الحديث عن عدم التدخل في معارك برية إلى التهديد بذلك لفرض فتح مضيق هرمز لكل الناقلات من دون استثناء، أو حتى إمكان الاستيلاء على جزيرة خرج، لحرمان الحرس الثوري من تمويل عملياته.
لكن السيطرة على الجزيرة تعتمد خططا مختلفة عن الحروب التقليدية التي تبنتها وتدربت عليها قوات الحرس الثوري خلال مناوراتها في السنوات والأشهر التي سبقت الحرب. فالخطط الأميركية تتبنى عمليات قصف تدمر كل ما هو موجود في الميدان من عناصر ومعدات عسكرية، عبر استخدام ذخائر دقيقة موجهة بالليزر ومسيرات لمسح ومراقبة أي وجود لمنصات صواريخ متحركة أو مواقع دفاعية تحت الأرض.
فيما تقوم وحدات خاصة أو "كوماندوس" بتنفيذ عمليات قفز بالمظلات، أو إنزال بمركبات بحرية، وتسلل مجموعات في غواصات للسيطرة الميدانية على مدرج مطار الجزيرة، لتأمين مرحلة إنزال المروحيات وطائرات نقل للجنود، بينما تتقدم سفن الإنزال المدرعة على الشواطئ الشمالية.
كما تتحرك قوات نحو جنوب الجزيرة للسيطرة على محطات تحميل النفط بهدف منع الحرس الثوري من تفجير خطوط الأنابيب والمنشآت أو تخريبها.
تشكل هذه الخطط أخطارا على الجنود الأميركيين بسبب قرب الجزيرة من البر الإيراني، ما يجعل عناصر "المارينز" عرضة لعمليات قصف مدفعي مباشر وهجمات من صواريخ "غراد" روسية يصل مداها إلى أربعين كيلومترا وتطلق من راجمات متنوعة وسهلة النقل بعكس الصواريخ البالستية.