رؤية من طوكيو... الحرب التي أخذت العالم رهينة

بين الحليف الأميركي ومضيق هرمز

سارا بادوفان/المجلة
سارا بادوفان/المجلة

رؤية من طوكيو... الحرب التي أخذت العالم رهينة

عند الثالثة فجرا من يوم 28 فبراير/شباط 2026، أيقظت صفارات الإنذار سكان طهران. وخلال اثنتي عشرة ساعة، كانت أكثر من تسعمئة ضربة أميركية وإسرائيلية، قد مزقت البنية التحتية النووية الإيرانية، وأطاحت بالقيادة العسكرية العليا، وأودت بحياة "المرشد الأعلى" علي خامنئي. وحملت العملية اسم "الغضب الملحمي" في واشنطن، و"زئير الأسد" في تل أبيب، وكانت أوسع حملة جوية مركزة يشهدها الشرق الأوسط منذ حرب الخليج الثانية.

جاء الرد الإيراني سريعا، متشعّب المسارات، ومقصودا في لا تناظره. فقد انهالت موجات من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الانتحارية، أطلقت في دفعات إغراقية متعاقبة، على مدن إسرائيلية، وقواعد عسكرية أميركية في المنطقة، وعواصم عربية خليجية رأت طهران أنها شاركت في الهجوم أو يسرت له. وبلغت أنظمة الدفاع الجوي في أنحاء المنطقة أقصى طاقتها، فيما عجز بعضها عن الصمود. واشتعلت المصافي. وفي الوقت نفسه، تحركت بحرية "الحرس الثوري" لإغلاق مضيق هرمز، ذلك الممر البحري البالغ عرضه 33 كيلومترا، والذي يعبره، في صباح اعتيادي، خُمس الإمدادات النفطية اليومية في العالم، إلى جانب نسبة معتبرة من الغاز الطبيعي المسال، ضمن موكب منتظم من ناقلات النفط العملاقة. وقد توقف ذلك الموكب.

وإذ عجزت طهران عن مجاراة خصومها في ميزان القوة العسكرية التقليدية، لجأت إلى إلحاق الأذى عبر الاستنزاف الاقتصادي. فالحرب التي بدأت عملية أميركية-إسرائيلية مشتركة ضد إيران، تحولت إلى شيء آخر تماما: حصار اقتصادي عالمي، صار فيه أهم ممر بحري في العالم رهينة لمآلات الصراع.

تغيير قواعد الحرب

لفهم الاستراتيجية الإيرانية، لا بد أولا من الإقرار بالاختلال العسكري الحاد الكامن في أصلها. فالولايات المتحدة قادرة على نشر مجموعات قتالية بحرية، وقاذفات شبحية، وصواريخ كروز دقيقة في أي بقعة من العالم. وتملك إسرائيل واحدة من أكفأ القوات الجوية، وأشد أجهزة الاستخبارات فاعلية في العالم. أما إيران، فلا تملك ما يوازي أيا منهما في ميدان الحرب التقليدية. وقد جرى إلى حد بعيد تحييد دفاعاتها الجوية. واستهدفت صواريخها الباليستية البعيدة المدى. كما تعرضت شبكة وكلائها، ولا سيما "حزب الله" الذي كان يمتلك يوما نحو 150 ألف صاروخ، لتآكل كبير.

وأمام هذا الخلل، عادت الجمهورية الإسلامية إلى أقوى ما بقي في يدها: الجغرافيا، فمضيق هرمز لا يمكن قصفه بما يفقده قيمته، ومصدر هذه القيمة، في قلب الاقتصاد العالمي، أنه ورقة مساومة عصية على التعطيل. ومن خلال التهديد بإغلاق المضيق ثم المضي في ذلك، حولت إيران مواجهة عسكرية كانت تخسرها إلى مواجهة اقتصادية، ترى أنها أقدر على احتمالها، وقد لخص الاستراتيجي الإيراني علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، قبل خبر إسرائيلي عن مقتله في إحدى الغارات، هذا المنطق بوضوح حين قال: "لن يمر لتر واحد من النفط عبر مضيق هرمز، إذا كان ذلك يصب في مصلحة الولايات المتحدة أو إسرائيل أو حلفائهما. استعدوا لسعر يبلغ 200 دولار للبرميل". هذا منطق آخذ الرهائن، لا منطق قائد في ساحة المعركة.

كان وقع التهديد بالألغام في هرمز على الرأي العام الياباني مباشرا وحادا. فقد استعاد كبار السن ذكريات حرب الناقلات بين عامي 1980 و1988

كان وقع التهديد بالألغام في هرمز على الرأي العام الياباني مباشرا وحادا. فقد استعاد كبار السن ذكريات حرب الناقلات بين عامي 1980 و1988، حين هاجمت القوات الإيرانية والعراقية أكثر من خمسمئة سفينة تجارية، وتسببت الألغام الإيرانية في إعطاب المدمرة الأميركية "يو إس إس صامويل ب. روبرتس". وكانت الألغام التي زرعت آنذاك، أدوات تماس بدائية من الطراز السوفياتي القديم، تثبت بسلاسل وتنفجر عند الاصطدام. أما ما تنشره إيران اليوم، فهو شيء آخر تماما.

وتشير التقديرات الاستخباراتية إلى أن إيران تملك ما بين ألفي لغم وستة آلاف. ومن أكثرها إثارة للمخاوف اللغم الصاعد، وهو سلاح يعمل بالدفع الصاروخي، وتستند بعض نسخه إلى تصميم "EM-52" الصيني. ويمكن لهذا اللغم أن يرقد بصمت في قاع البحر على أعماق تصل إلى 200 متر، ثم يطلق صاروخا مندفعا إلى أعلى حين ترصد مستشعراته البصمات المغناطيسية والصوتية، وضغط المياه الناجمة عن اقتراب سفينة. وإلى جانبه هناك اللغم الذكي، وهو سلاح متعدد المؤثرات تعود أصوله إلى تقنيات روسية وصينية، ومبرمج للتمييز بين سفن الشحن العادية، والسفن التابعة لجنسيات محددة. وتفيد التقارير بأن "الحرس الثوري الإيراني" ما زال يحتفظ بنحو 90 في المئة من قدرته على زرع الألغام، رغم الضربات الأميركية التي قالت إنها دمرت 16 سفينة مخصصة لهذه المهمة في 10 مارس/آذار. كما أن لكل واحدة من القيادات الإقليمية الإحدى والثلاثين التابعة لـ"الحرس الثوري" صلاحية مستقلة لزرع الألغام، ما يجعل احتواء هذا التهديد من مركز واحد أمرا متعذرا عمليا.

فهذه ليست ألغام ثمانينات القرن الماضي. إنها أدوات دقيقة لتعطيل الملاحة وحرمان الخصوم من المرور، وكان مجرد وجودها في المياه، حتى بأعداد محدودة، كافيا لشل أكبر ممر للتجارة البحرية في العالم.

أ.ف.ب
انفجارات عقب غارات جوية استهدفت مصفاة نفط طهران في 7 مارس 2026

تهديد ثلاثي في البحر

ولا تمثل الألغام البحرية سوى بعدٍ واحد من أبعاد التهديد. فقد دفعت إيران، في الوقت نفسه، بأسراب من الطائرات المسيّرة الانتحارية من فئة شاهد، وزوارق سطحية غير مأهولة قادرة على تنفيذ هجمات انتحارية ضد هياكل الناقلات، وقد أصاب أحد هذه الهجمات الناقلة "MKD VYOM" في مطلع مارس، فضلا عن المركبات غير المأهولة المتخفية تحت الماء المسماة "أجدار"، أي التنين الأسطوري الإيراني، والتي تتحرك بصمت تحت السطح. وهذا المزيج من المسيّرات الجوية، والزوارق السريعة الانتحارية، والمسيّرات الغاطسة، والألغام الذكية، أوجد ما بدأ محللون يصفونه بمنطقة منع معقدة: بيئة متعددة الطبقات، عصية على التوقع، إلى حد أن أي ربان تجاري، مهما بلغت خبرته، لا يستطيع أن يأمر طاقمه بدخولها على نحو مسؤول.

وقد خلصت سوق التأمين إلى النتيجة نفسها. ففي الأول من مارس 2026، سحب ثمانية من كبار اثني عشر مكتتبا رئيسا لتأمين أخطار الحرب تغطيتها. وما زالت مؤسسة "Lloyd's of London" تعرض وثائق تأمين، لكن بأقساط تتراوح بين 1 و1.5 في المئة من قيمة السفينة في كل رحلة، وهي كلفة باهظة تتجاوز ما يستطيع معظم المشغلين التجاريين تحمله. ومن دون تأمين، لن يغامر أي مالك سفن محترف بالإبحار، وهكذا يشد الطوق المالي أزر الطوق الميداني.

بالنسبة إلى اليابان، هذه الأزمة ليست افتراضية. فالبلاد تستورد نحو 2.8 مليون برميل من النفط الخام يوميا، يأتي قرابة 95 في المئة منها من الشرق الأوسط، ويعبر نحو 70 في المئة منها مضيق هرمز

بالنسبة إلى اليابان، هذه الأزمة ليست افتراضية. فالبلاد تستورد نحو 2.8 مليون برميل من النفط الخام يوميا، يأتي قرابة 95 في المئة منها من الشرق الأوسط، ويعبر نحو 70 في المئة منها مضيق هرمز. وتوفر السعودية وحدها نحو 1.6 مليون برميل يوميا. كما تعتمد اليابان على المنطقة في حصة كبيرة من وارداتها من الغاز الطبيعي المسال، والأهم في مادة النافتا التي تشكل اللقيم الأساسي لصناعتها البتروكيماوية. ولا يرفع إغلاق هرمز كلفة ملء خزان السيارة فحسب، وإنما يهدد أيضا سلاسل إمداد اللقيم في بعض أهم القطاعات الصناعية في اليابان.

وقد لامس خام برنت مستوى 119 دولارا للبرميل في مطلع مارس، وزادت وطأة ذلك على اليابان بفعل استمرار ضعف الين، لذلك فعلت حكومة رئيسة الوزراء سانائي تاكائيتشي إجراءات الطوارئ، وفتحت مشاورات مع وكالة الطاقة الدولية، التي تستعد لما قد يصبح أكبر سحب في التاريخ من الاحتياطيات الاستراتيجية، بحجم يقارب 400 مليون برميل. أما اليابان نفسها، فلديها مخزونات نفط تكفي 254 يوما في الاحتياطيين الحكومي والخاص. وهو هامش حقيقي، لكنه ليس بلا حدود.

ازدواجية المعايير الصينية

ولا تكتمل أي قراءة لهذه الأزمة من دون التوقف عند السلوك الصيني، وهو سلوك أخذ يثير استياء مكتوما لكنه متصاعد في عواصم الخليج وطوكيو على حد سواء، فقد زودت بكين إيران بتكنولوجيا عسكرية، منها نظام الملاحة عبر الأقمار الصناعية "BeiDou-3"، ورادار "YLC-8B" المضاد للطائرات الشبحية، فضلا عن تقارير متعددة تحدثت عن مفاوضات متقدمة بشأن الصاروخ المضاد للسفن الأسرع من الصوت "CM-302". وعلى الصعيد التجاري، واصلت إيران شحن النفط إلى الصين بمعدلات، يقال إنها تجاوزت مستويات ما قبل الحرب، بما يتراوح بين 1.7 و1.9 مليون برميل يوميا، مستعينة بأسطول ظل من السفن التي عطلت أجهزة التتبع فيها. ويبدو أن الحصار الانتقائي، الذي يمنع مرور الناقلات اليابانية والكورية والأوروبية، لا يسري بالقدر نفسه على الناقلات الصينية.

أما الأداء الدبلوماسي الصيني، فقد كان كاشفا بدوره، فمن 28 فبراير، إلى 10 مارس، دأبت بكين على إدانة الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران بعبارات شديدة الوضوح، لكنها التزمت الصمت حيال الهجمات الإيرانية على مصافي الخليج وخطوط الأنابيب والسفن، وهي هجمات أشعلت النيران في "مجمع الرويس الإماراتي"، أكبر مصفاة في البلاد بطاقة تبلغ 922 ألف برميل يوميا. ولم يصدر عن وزارة الخارجية الصينية إلا في 11 مارس، أي بعد ثلاثة عشر يوما من اندلاع الحرب، قولها بلغة محسوبة بعناية إنها "لا توافق" على الهجمات ضد دول الخليج. ولم يغب هذا التفاوت في اللغة ولا في وتيرة الاستجابة عن عواصم الرياض وأبوظبي والدوحة.

وما يجمع اليابان والعالم العربي في هذه الأزمة هشاشة مشتركة، ومصلحة استراتيجية مشتركة أيضا في مواجهتها

في 11 مارس 2026، اعتمد مجلس الأمن الدولي القرار 2817، برعاية مشتركة من 135 دولة عضوا، مدينا هجمات إيران، وداعيا إلى إعادة فتح ممرات الملاحة الدولية فورا. ويعكس هذا التأييد الواسع، الذي يقترب من 70 في المئة من عضوية الأمم المتحدة، إلى أي حد كف هذا النزاع عن كونه شأنا إقليميا، إنها حرب على الاقتصاد العالمي.

وفي اليوم التالي، رد "المرشد الأعلى" الجديد، مجتبى خامنئي، بإصدار أمر يقضي بمواصلة إغلاق هرمز، والدعوة إلى إقفال جميع القواعد العسكرية الأجنبية في المنطقة. وحتى لو جرى الاتفاق على وقف لإطلاق النار غدا، فإن الأضرار التي لحقت بالفعل بالبنية التحتية للتكرير في الخليج، حيث توقف نحو 1.9 مليون برميل من الطاقة اليومية عبر ست منشآت، لن تزول سريعا. فالآبار المتضررة تفقد ضغط المكامن، وإعادة تشغيلها عملية تقاس بالشهور لا بالأيام.

أ.ف.ب
رئيسة الحزب الليبرالي الديمقراطي ساناي تاكايتشي بعد اختيارها رئيسة جديدة للوزراء في اليابان خلال جلسة استثنائية لمجلس النواب في طوكيو في 21 أكتوبر 2025

وما يجمع اليابان والعالم العربي في هذه الأزمة هشاشة مشتركة، ومصلحة استراتيجية مشتركة أيضا في مواجهتها. فقد أظهرت حرب إيران أن الألغام المتقدمة، والأسلحة غير المأهولة، والتسليح المتعمد لسوق التأمين، قادرة على إغلاق أهم ممر بحري في العالم بفاعلية تفوق أي حصار بحري تقليدي. ويقتضي التصدي لهذا التحدي إرادة متعددة الأطراف، ومحاسبة أوضح بكثير للدور الذي تؤديه القوى الخارجية في إطالة أمده.

font change

مقالات ذات صلة