هجوم على الاقتصاد العالمي

مهما تكن نهاية ما يجري في مضيق هرمز فإن أسواق الطاقة تبدلت إلى الأبد

(رويترز)
(رويترز)
خريطة تظهر مضيق هرمز، في رسم توضيحي بتاريخ 22 يونيو 2025

هجوم على الاقتصاد العالمي

في السابق اكتشف الرئيس الأميركي دونالد ترمب كلفة الرسوم الجمركية، وها هو الآن يكتشف كلفة الحرب. ففي 9 مارس/آذار، أعلن أن حملته على إيران ستنتهي "قريبا جدا"، فهوت أسعار النفط، التي كانت قد لامست في اليوم السابق نحو 120 دولارا للبرميل، إلى ما يقارب 80 دولارا، وقبل اندلاع الحرب كانت عند 70 دولارا. ولكن الإغلاق الإيراني الفعلي لمضيق هرمز عطل نحو 15 في المئة من الإمدادات النفطية العالمية. وترمب، الذي يواجه انتخابات تجديد نصفي وناخبين أنهكهم التضخم، يبعث بإشارة واضحة مفادها أنه لا يستطيع تحمل هذه الكلفة، تماما كما تراجع عن حربه التجارية حين ترنحت الأسواق تحت وطأتها في الربيع الماضي.

ومع ذلك، فإن ترمب في مسائل الحرب والسلم لا يقل اضطرابا عنه في السياسة الاقتصادية. ففي وقت نشر هذا المقال، كان مضيق هرمز لا يزال شبه مغلق بعد الضربات الإيرانية التي استهدفت الملاحة فيه. وكان سعر النفط قد ارتد من جديد إلى حدود 100 دولار. وفي الأثناء، ظلت اللهجة الأميركية مشحونة بالتصعيد، مع تعهد بيت هيغسيث، وزير الحرب، بالمضي في القتال بوتيرة أشد من ذي قبل.

هذا الارتباك يكشف ضيق الخيارات المتاحة أمام الرئيس، فخفض التصعيد في الحرب التجارية كان، إلى حد بعيد، أمرا يملكه بقراره. أما إعادة سوق الطاقة إلى ما كانت عليه، فليست في متناوله. ومهما يكن المسار الذي ستسلكه الأحداث، فإن العالم يدخل طورا جديدا من انعدام الأمن الطاقوي.

(أ.ف.ب)
دخان يتصاعد من ناقلة بضائع تايلاندية قرب مضيق هرمز بعد تعرضها لهجوم، 11 مارس 2026

وقد تكون الصدمة التي أطلقتها هذه الحرب هائلة. صحيح أن العالم بات أقل اعتمادا على النفط مما كان عليه في عام 1973، حين أدى الحظر العربي إلى تضاعف أسعار الخام أربع مرات، أو في عامي 1979 و1980، حين ضربت الثورة الإيرانية ثم الحرب العراقية-الإيرانية الإمدادات. ففي تلك الحقبة، كان إحراق النفط لتوليد الكهرباء أمرا شائعا. أما اليوم، فقد انحسر هذا الاستخدام، وبات النفط يذهب أساسا إلى تشغيل وسائل النقل وصناعة البتروكيماويات.

في سبعينات القرن الماضي كان إحراق النفط لتوليد الكهرباء أمرا شائعا، حاليا انحسر هذا الاستخدام، وبات النفط يذهب أساسا إلى تشغيل وسائل النقل وصناعة البتروكيماويات

على أن هذا التحول ينطوي على حدين. فمع أن النفط لم يعد يحتل الموقع نفسه الذي كان يشغله في الاقتصاد العالمي قبل عقود، فإن الطلب المتبقي عليه بات أكثر صلابة وأقل قابلية للتراجع السريع. وهذا يعني أن أي نقص في الإمدادات لا يمكن امتصاصه بسهولة، بل يدفع الأسعار إلى الارتفاع الحاد حتى ينكمش الطلب ويقترب من مستوى المعروض. وتزداد خطورة الأزمة الحالية لأن حجم الإمدادات المفقودة يفوق ما شهده العالم في أزمتي النفط في سبعينات القرن الماضي. ومع ذلك، فإن الأسواق، حتى في أشد لحظات التوتر، لم تذهب إلى حد تسعير احتمال إغلاق المضيق لفترة طويلة. ولو حدث ذلك فعلا، فقد تضطر أسعار النفط إلى تجاوز 150 دولارا للبرميل حتى يعود التوازن بين العرض والطلب.

وتستطيع الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية السحب من مخزونات طارئة تبلغ 1.8 مليار برميل، وقد شرعت بالفعل في الإفراج عن 400 مليون برميل منها. لكن الوصول إلى هذه الكميات كثيرا ما تعرقله خطوط الأنابيب أو قيود أخرى. وحتى الصين، التي راكمت مخزونا منفصلا وضخما، وجدت نفسها مضطرة إلى وقف صادرات بعض المنتجات المكررة. ولأن النقل عنصر أساسي في قطاعات واسعة من الاقتصاد العالمي، فإن أي اختناقات في هذا المجال قد تلحق أضرارا جسيمة.

ولا تقف الصدمة عند حدود النفط. فالمرفق الرئيس لتصدير الغاز الطبيعي المسال في قطر لا يزال مغلقا بعد ضربه بطائرة مسيرة، ما أخرج من السوق ما يقارب خُمس الإمدادات العالمية. كما أرجئ التوسع في إنتاجه. وأشعل غياب الصادرات القطرية سباقا محموما في آسيا. وفي أوروبا- حيث تبدو خزانات الغاز أقل امتلاء من المعتاد في هذا الوقت من السنة- ارتفعت الأسعار بأكثر من النصف. وكان في مقدور الولايات المتحدة أن تصدر مزيدا من الغاز الطبيعي المسال، غير أن طلبها المحلي على الغاز آخذ في الارتفاع هو الآخر، مدفوعا بازدهار مراكز البيانات الشرهة إلى الطاقة.

(أ.ف.ب)
منظر عام لمحطة إعادة تحويل الغاز المسال في زيربينا بإقليم الباسك في إسبانيا، 12 مارس 2026

وتسعى إيران إلى إطالة أمد الحرب لتوحي بأنها هي، وليس العم سام، من يمسك بزمام الأمور. واستهدفت إيران في 11 مارس/آذار ثلاث سفن شحن في مضيق هرمز، ثم ناقلتي نفط قرب العراق لاحقا. وكما فعل الحوثيون في اليمن، الذين نجحوا في ضرب الملاحة في البحر الأحمر بأسلحة متواضعة الكلفة، رغم المحاولات عالية التقنية التي بذلها أعضاء حلف شمال الأطلسي لوقفهم، أدرك النظام الإيراني أنه قادر على قذف السفن ومنشآت الطاقة بالطائرات المسيرة، حتى وهو يتعرض لوابل من القصف.

تسعى طهران لإطالة أمد الحرب لتوحي بأنها هي، وليست واشنطن، من يمسك بزمام الأمور

وحتى حين تضع الحرب أوزارها، فإن العالم لن يعود كما كان. فالزعيم الأعلى الإيراني الجديد، المتشدد مجتبى خامنئي، بات يدرك أن أسعار الطاقة هي نقطة الضعف الأميركية. وفي أوكرانيا، التي خضعت فيها دفاعات الطائرات المسيرة لاختبار قاس، ما زالت بعض المسيرات ذات الطراز الإيراني تنجح في العبور. وليس من المرجح أن تحتل القوات الأميركية إيران لوقف هذه الهجمات. كما أن واشنطن لا تملك القدرة على حماية كل ناقلة، حتى لو وفرت لها تغطية تأمينية زهيدة الكلفة. ولهذا، فإن اضطراب أسواق الطاقة سيظل يتقدم ويتراجع مع التوترات الجيوسياسية، ولا سيما إذا انتهت إيران إلى قناعة مفادها أن امتلاك سلاح نووي هو السبيل إلى الأمان.

تلك هي الحقيقة الجديدة التي سيتعين على المستثمرين والشركات وصناع السياسات التكيف معها في المرحلة المقبلة. أما في نظر المستثمرين، فقد غدا التناقض أكثر حدة بين عالم يزداد تقلبا وأسواق أسهم ما تزال متماسكة. وتضاف فوضى الشرق الأوسط إلى قائمة طويلة من الأخطار التي تثقل كاهل الأسواق، من السيناريوهات القاتمة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، إلى الاضطرابات في الائتمان الخاص، وصولا إلى تآكل الثقة في الحكومات المثقلة بالديون. وارتفعت عوائد السندات الحكومية منذ اندلاع الأزمة، ولا سيما في جنوب أوروبا وبريطانيا التي تعتمد على واردات الغاز الطبيعي المسال.

أما الشركات والأعمال فباتت تواجه كلفة أعلى للعمل في بيئة تسعر فيها الأسواق المخاطر على نحو أشد، إذ تعكس أسعار الطاقة خطر الاشتعال الواسع الحاضر على الدوام. وكما حدث بعد الجائحة ومع بداية الحرب في أوكرانيا، تجد نفسها مضطرة مرة أخرى إلى التدقيق في مخاطر سلاسل التوريد، بما في ذلك انكشافها على اقتصادات المنطقة، التي اهتزت سمعتها في الاستقرار، ويمكن أن تواجه تراجعا في الاستثمارات وتناقصا في أعداد السياح.

(رويترز)
عامل يشغل صمامات في حقل الرميلة النفطي في البصرة - العراق، مع خفض الإنتاج بنحو 1.5 مليون برميل يوميا بعد توقف الصادرات نتيجة إغلاق مضيق هرمز، 4 مارس 2026

وبالنسبة إلى صناع السياسات، فإن قرارات موجعة تلوح في الأفق، ويشكل تخزين الطاقة جزءا من الحل. وكان من قلة التبصر أن لا يبادر ترمب إلى إعادة ملء الاحتياطي النفطي الأميركي حين كانت الأسعار منخفضة قبل الحرب. أما الآن، فإن تعزيز المخزونات الطارئة سيكلف أكثر.  ومن المرجح أن تدفع الأسعار المرتفعة إلى زيادة الإمدادات من خارج الشرق الأوسط. وإلى أن يحدث ذلك، قد تجد دول مثل الولايات المتحدة صعوبة في مقاومة إغراء الحمائية في مجال الطاقة. وحين يبدأ المنتجون والمكررون، ومنهم الصين والهند، في تقييد الصادرات سعيا إلى حماية مستهلكيهم من الأسعار المرتفعة، فإن الضرر الذي يلحق بالدول الأخرى قد يكون فادحا.

اضطراب أسواق الطاقة سيظل يتقدم ويتراجع ولا سيما إذا انتهت إيران إلى قناعة مفادها أن امتلاك سلاح نووي هو السبيل إلى الأمان

وستجد البنوك المركزية نفسها في مواجهة تهديد تضخمي متجدد، يزيد من احتمالات الركود ومن دوامات الأجور والأسعار. كما سيجد الساسة أنفسهم في مواجهة ناخبين يطالبون بإعانات للطاقة، على غرار أشكال الدعم التي أُغرقت بها دول العالم الغني بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، والتي تجاوزت 2.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في كثير من الدول الأوروبية، ما زاد من أعباء ديونها. وهذا من شأنه أن ينقل وطأة الألم إلى الدول الأفقر، ولا سيما في آسيا. ففي عام 2022، عانت بنغلاديش انقطاعات في الكهرباء. ومن العسير التنبؤ بكيفية انتهاء هذه الأزمة. لكن حتى لو أحسنت الدول إدارة سياساتها، فقد بات واضحا أن هذه الحرب جعلت الاقتصاد العالمي أقل رخاء، وأكثر تقلبا، وأعقد على صناع القرار.

font change

مقالات ذات صلة