إلغاء رسوم ترمب يطلق سيل دعاوى للشركات الأميركية والأجنبية

محكمة التجارة الدولية ساحة معركة التعويضات... من يستحقها؟ وكيف تحتسَب؟

إلغاء رسوم ترمب يطلق سيل دعاوى للشركات الأميركية والأجنبية

في قرار مفصلي صدر في 20 فبراير/شباط بغالبية ستة أصوات في مقابل ثلاثة، اعتبرت المحكمة العليا الأميركية أن قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية (IEEPA) لعام 1977، لا يجيز للرئيس استخدامه أساسا قانونيا لفرض رسوم جمركية شاملة على ما تستورده البلاد من دول كثيرة، مؤكدة أن هذه السلطة تعود للكونغرس، وأن أي توسع فيها عبر قرارات تنفيذية يحتاج إلى تفويض تشريعي صريح.

بذلك وضعت المحكمة حدا لتفسير فضفاض اعتمدته إدارة الرئيس ترمب، كان يسمح باستخدام حالة "الطوارئ الاقتصادية" لفرض رسوم تتجاوز حدودا تقليدية في السياسة التجارية. وأعادت المحكمة النقاش إلى مربعه الدستوري المتمثل في حدود السلطة التنفيذية في إدارة التجارة الدولية.

لكن الأثر الفعلي للحكم لا يقتصر على إبطال الأساس القانوني. فالأهم هو أنه فتح الباب أمام موجة دعاوى قضائية تطالب باسترداد مليارات الدولارات المدفوعة منذ فرض الرسوم في الخامس من أبريل/نيسان 2025. وهنا تبدأ المعركة الحقيقية: في المحاكم، لا في السياسة.

إصرار "ترمبي" على أداة الرسوم الجمركية

لم تُخفِ الإدارة امتعاضها من قرار المحكمة. فبالنسبة إلى ترمب، كانت الرسوم الجمركية إحدى أبرز أدواته في إدارة العلاقات التجارية مع الصين وأوروبا وكندا والمكسيك وغيرها، وكذلك وسيلة لإعادة تشكيل سلاسل الإمداد وتعزيز الصناعات المحلية. عكس هذا الموقف إصرارا سياسيا على عدم التخلي عن الأداة الجمركية، حتى وإن تغير الأساس القانوني.

تشير موجة الدعاوى التي تقودها شركات أميركية وأجنبية كبرى إلى أن النزاع تجاوز حدوده المحلية، ليأخذ بُعدا اقتصاديا دوليا يرتبط بسلاسل الإمداد والتجارة العالمية

وبالفعل، أعلنت الإدارة رسما عالميا مؤقتا بنسبة 10 في المئة على الواردات، استنادا إلى المادة 122 من قانون التجارة الأميركي الصادر في عام 1974، وهي مادة تتيح فرض رسوم محدودة ولمدة زمنية قصيرة بغرض معالجة اختلالات في ميزان المدفوعات. وتجيز رفع النسبة إلى 15 في المئة ولمدة لا تتجاوز 150 يوما ما لم يتدخل الكونغرس. وتدرس الإدارة اللجوء إلى قوانين أخرى، مثل مواد قانونية تتعلق بالأمن القومي أو بالممارسات التجارية غير العادلة، لفرض رسوم وفق أطر مختلفة.

وفي خطاب "حالة الاتحاد"، قدّم ترمب الرسوم الجمركية بوصفها ركنا أساسا في رؤيته الاقتصادية، معتبرا أنها ستنقل تكلفة التمويل من الأميركيين إلى الدول الأجنبية وقد تحل في نهاية المطاف محل ضرائب الدخل.

رويترز

وقال إن الرسوم التي تحصلها الولايات المتحدة على الواردات ستفضي مع الوقت إلى "استبدال النظام الحديث لضريبة الدخل" و"تخفيف العبء عن الأميركيين"، واصفا إياها كمصدر إيرادات وأداة لحماية الصناعة الأميركية في آن واحد. كذلك صوّر ترمب سياسته الجمركية بأنها نجاح ينبغي توسيعه، مؤكدا أن الدول الأجنبية ستدفع مالا أكثر بينما سيدفع الأميركيون مالا أقل، وأن الرسوم يمكن أن تتحول إلى آلية تمويل رئيسة بعيدة الأجل للحكومة الفيديرالية.

محكمة التجارة الدولية... ساحة المعركة الجديدة؟

لم يبدد هذا الالتفاف القانوني القلق في أوساط الشركات. فالسؤال المركزي غدا يدور حول ما ستؤول إليه المليارات التي دُفِعت بالفعل؟

خلال أيام من صدور الحكم، بدأت محكمة التجارة الدولية الأميركية، التي تتخذ من نيويورك مقرا، تتلقى دعاوى متتالية تطالب باسترداد الرسوم التي فُرِضت بموجب الأساس القانوني الذي أبطلته المحكمة العليا. وتُعَد هذه المحكمة الجهة المختصة حصريا بالنظر في النزاعات المتعلقة بالجمارك والرسوم.

لم يقتصر التحرك القضائي على شركة بعينها، وإن كانت شركة الشحن العالمية "فيديكس" من أوائل الشركات التي بادرت إلى التقدم بدعوى تطالب باسترداد كامل الرسوم الجمركية التي دفعتها بموجب الإجراءات التي أبطلتها المحكمة العليا. فمع اتضاح ملامح الحكم واتساع أثره، بدأت موجة أوسع من الدعاوى تقودها شركات أميركية وأجنبية كبرى في قطاعات متعددة، من بينها "كوستكو" و"ريفلون" و"ألكوا"، إضافة إلى  شركة السيارات اليابانية "تويوتا" والصينية "بي واي دي"، و"لوريال"، الشركة الفرنسية لمستحضرات التجميل، و"دايسون"، الشركة البريطانية لصناعة الأجهزة المنزلية، في مؤشر إلى أن النزاع تجاوز حدوده المحلية ليأخذ بعدا اقتصاديا دوليا يرتبط بسلاسل الإمداد والتجارة العالمية.

فضلا عن غيرها من الشركات المتوسطة والصغيرة التي وجدت نفسها أمام فرصة قانونية لاستعادة ما دفعته خلال الفترة التي فُرِضت فيها الرسوم. ويعكس هذا التنوع في الجهات المدعية، من النقل والتجزئة إلى الصناعات التحويلية والسلع الاستهلاكية، اتساع نطاق المسألة القانونية وتحولها من نزاع قانوني محدود إلى ملف اقتصادي واسع يمس قطاعات الإنتاج والتجارة على حد سواء. لم تعد المسألة تتعلق بشرعية الرسوم الجمركية لجهة المبدأ فقط، بل بكيفية التعامل مع ما جُمِع منها فعليا، والجهات التي تملك الحق في استرداده، وما إذا كانت الحكومة الفيديرالية ستواجه موجة مطالبات مالية قد تمتد لسنوات.

التنوع في الجهات المدعية، من شركات و12 ولاية أميركية ، من بينها أوريغون ونيويورك وأريزونا وكولورادو وإيلينوي، يعكس اتساع نطاق المسألة القانونية

بالتوازي مع تحركات الشركات، كانت الولايات الأميركية نفسها قد دخلت المعركة القضائية مبكرا. ففي 23 أبريل/نيسان 2025 تقدمت 12 ولاية، من بينها أوريغون ونيويورك وأريزونا وكولورادو وكونيكتيكت وإيلينوي ومينيسوتا، بدعوى أمام محكمة التجارة الدولية للطعن في الرسوم الجمركية المفروضة بموجب قانون الطوارئ الاقتصادية الدولية. وفي 28 مايو/أيار 2025 حكمت المحكمة بعدم قانونية الرسوم، قبل أن تستأنف الحكومة القرار أمام محكمة الاستئناف الفيديرالية التي أيدت الحكم في أغسطس/آب من العام نفسه. وبعد انتقال القضية إلى المحكمة العليا، صدر الحكم النهائي في 20 فبراير/شباط 2026، مما فتح الباب أمام موجة المطالبات القضائية الحالية باسترداد الأموال المدفوعة.

رويترز
شاحنة تابعة لشركة "فيدكس" تنقل شحنة في وسط طريق سريع، كاليفورنيا، 16 سبتمبر 2019

وتشير تقديرات "نموذج وارتون للموازنة" في جامعة بنسلفانيا إلى أن قيمة الرسوم الجمركية التي قد تكون محل نزاع قد تصل إلى نحو 175 مليار دولار، في حال توسع دعاوى الاسترداد لتشمل شريحة واسعة من الشركات التي دفعت تلك الرسوم. وهذا ما يجعل هذه المعركة من أكبر النزاعات المالية بين القطاع الخاص والحكومة الفيديرالية في العقود الأخيرة من الزمن. أما الدول الأجنبية التي شعرت بأثر الرسوم في سياستها التجارية، فلم تتقدم بدعاوى قضائية مباشرة في المحاكم الأميركية لاسترداد الأموال، بل تواصل تحريك ملفات خلافاتها مع واشنطن عبر منظمة التجارة العالمية أو من خلال مفاوضات تجارية ثنائية.

تعقيدات الاسترداد: من له الحق وكيف يُحتسَب؟

لا يعني إلغاء الأساس القانوني للرسوم الجمركية تلقائيا إعادة الأموال. فالحكم لم يحدد آلية تنفيذية واضحة، تاركا التفاصيل لمحاكم أدنى وللإجراءات الإدارية. هنا تبدأ شبكة من التعقيدات:

- أولا، ما هي الجهات التي لها حق المطالبة بالاسترداد؟ هل تقتصر المطالبات على الشركات التي تقدمت بدعاوى مباشرة، أم يمكن توسيعها لتشمل كل طرف دفع رسوما بموجب القرارات الملغاة؟

- ثانيا، هل يقتصر الاسترداد على أصل المبلغ، أم يشمل فوائد وتعويضات عن الخسائر غير المباشرة التي تكبدتها الشركات نتيجة ارتفاع التكاليف واضطراب سلاسل الإمداد؟

- ثالثا، من يتحمل المسؤولية المالية؟ هل هي وزارة الخزانة، أم جهاز الجمارك وحماية الحدود الذي تولى تحصيل الرسوم، أم أن الأمر سيخضع إلى تسويات إدارية منفصلة؟

لا يعني إلغاء الأساس القانوني للرسوم الجمركية إعادة الأموال تلقائيا، لغياب آلية تنفيذ واضحة، ما يفتح باب التعقيدات

تجعل هذه الأسئلة من ملف الاسترداد أكثر تعقيدا من مجرد تنفيذ حكم قضائي. فالمسألة قد تتحول إلى سلسلة طويلة من الطعون والاستئنافات، وربما إلى مفاوضات تُجرَى خارج قاعات المحاكم بغرض التوصل إلى تسويات. وإذ يمهد الحكم الطريق أمام موجة استرداد واسعة للرسوم الجمركية المدفوعة، ثمة واقع جديد يتبلور إذ لم تعد الرسوم أداة ضغط اقتصادي فحسب، بل أصبحت كذلك عبئا ماليا محتملا على الموازنة الفيديرالية.

القضاء الأميركي يبقى ضابط الإيقاع

يتجاوز النزاع الجانب المالي ليطاول بنية النظام الدستوري الأميركي. فالحكم يكرس مبدأ أن السلطة التنفيذية لا تستطيع استخدام قوانين الطوارئ الاقتصادية لفرض سياسات جمركية واسعة من دون تفويض واضح من الكونغرس. يعيد هذا التطور التوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في ملف التجارة الدولية، ويضع قيودا على أي إدارة مستقبلية قد تفكر في استخدام الرسوم كأداة سياسية سريعة. كذلك يبعث الحكم برسالة إلى الأسواق العالمية مفادها أن السياسات التجارية الأميركية، مهما بدت حازمة أو مفاجئة، تظل خاضعة إلى الرقابة القضائية. وهذا بدوره يعزز عنصر عدم اليقين القانوني في حال التوسع في استخدام أدوات استثنائية.

من أداة ضغط إلى عبء محتمل

لعبت الرسوم الجمركية في عهد ترمب دورا بارزا كعنصر استراتيجي للتفاوض، وكورقة ضغط استُخدِمت مع الشركاء والأخصام التجاريين، ولإعادة تشكيل سلاسل الإمداد، ولتعزيز الإيرادات. لكن الحكم قلب المعادلة. فإذا ألزمت المحاكم الحكومة رد مبالغ ضخمة، فقد يتحول ما كان يُنظَر إليه كمصدر إيرادات إلى عبء مالي فعلي على الموازنة الفيديرالية، وقد يعيد إشعال الجدل حول جدوى السياسات الحمائية.

كذلك سيولّد استمرار التقاضي حالا من الترقب في الأسواق. قد تؤجل الشركات التي تطالب بالاسترداد قرارات استثمارية في انتظار وضوح الصورة، فيما تراقب الدول الشريكة في التجارة التطورات لمعرفة مدى استقرار السياسات التجارية الأميركية وتعتمد على المفاوضات لحل الخلافات التجارية. ويعزز اتساع قاعدة الشركات المدعية، الفرضية القائلة إن النزاع لم يعد محصورا في شركات متضررة مباشرة، بل بات يعكس تحركا مؤسسيا أوسع داخل الاقتصاد الأميركي لإعادة رسم العلاقة بين السياسة التجارية والسلطة التنفيذية.

.أ.ف.ب
مبنى المحكمة العليا الأميركية في واشنطن، 20 فبراير 2026

وعلى الرغم من صدور الحكم، لا يبدو الملف قريبا من الإغلاق. فالإدارة تبحث عن أدوات قانونية بديلة، والشركات تواصل الضغط لاسترداد ما دفعته. وقد تستغرق هذه القضايا سنوات قبل أن تتضح نهاياتها.

في النهاية، لا تتعلق المسألة بالرسوم الجمركية وحدها، بل بكيفية إدارة السياسة الاقتصادية في نظام يقوم على توازن دقيق بين السلطات. ما بدأ بقرار جمركي تحوّل إلى اختبار دستوري ومالي مفتوح. فالمعركة الآن في المحاكم. وقد تبقى هناك طويلا.

font change

مقالات ذات صلة