زلزال قضائي يضرب التجارة الاميركية... من يملك سلطة فرض التعريفات؟

ارتدادات دستورية وقلق اقتصادي عالمي وترقب لمؤشرات الأسواق في "اليوم التالي"

رويترز
رويترز
مبنى المحكمة العليا الأميركية في واشنطن، حيث أصدرت قرارها، برئاسة جون روبرتس، بإلغاء الرسوم الجمركية الواسعة التي فرضها الرئيس دونالد ترمب. 20 فبراير 2026.

زلزال قضائي يضرب التجارة الاميركية... من يملك سلطة فرض التعريفات؟

في قرار تاريخي يعيد ترسيم حدود التماس بين سلطة الرئيس الدستورية وصلاحيات الكونغرس، شكل قرار المحكمة العليا الأميركية زلزالا دستوريا، بالغاء التعريفات الجمركية الواسعة التي فرضها الرئيس دونالد ترمب، قبل أقل من عام في "يوم التحرير" في أبريل/نيسان 2025، معتبرة أنها تتجاوز الصلاحيات الممنوحة له بموجب قانون الطوارئ الاقتصادية الدولية لعام 1977 (IEEPA).

وفي وقت تُرتقب أول ردود فعل المؤشرات الاقتصادية مع افتتاح أسواق الولايات المتحدة وبورصات العالم غدا، مستهلّ الأسبوع، صدر الحكم بعد شهور من الجدلين القانوني والاقتصادي، ليمثل انتصارا للشركات والدول المتضررة، لكنه يثير تساؤلات حول مستقبل السياسة التجارية الأميركية في ظل إصرار ترمب على إعادة فرض رسوم مشابهة بطرق أخرى. ويأتي القرار في وقت يشهد فيه الاقتصاد العالمي توترات جيوسياسية متزايدة، إذ أدت التعريفات السابقة إلى ارتفاع الأسعار واضطراب سلاسل الإمداد.

خلفية المسار القضائي ومراحله

كانت الدعوى بدأت في أعقاب إعلان ترمب في أبريل/نيسان 2025 فرض تعريفات جمركية واسعة النطاق باستخدام قانون الطوارئ، الذي يمنح الرئيس صلاحيات اقتصادية لمواجهة التهديدات الأجنبية خلال حالات الطوارئ. حدد ترمب تدفق المخدرات من كندا والمكسيك والصين كتهديد طارئ. وأعلن فرض تعريفات جمركية إضافية للضغط على الدول المعنية بوقف تدفق المخدرات (وخصوصا الفنتانيل) إلى الولايات المتحدة، وذلك بنسبة 25 في المئة على معظم السلع المستوردة من كندا ومن المكسيك، وبنسبة 10 في المئة إضافية على الواردات القادمة من الصين. أما "التعريفات المتبادلة" فكانت نسبة أساسية في المئة على معظم الواردات من جميع الشركاء التجاريين (مع تعديلات أعلى في بعض الحالات).

رويترز
مصور أمام مبنى المحكمة العليا الأميركية في واشنطن، بعد صدور حكم بإبطال الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضها الرئيس دونالد ترمب. 20 فبراير 2026.

كانت هذه الخطوة غير مسبوقة في عالم التجارة والاقتصاد، إذ لم يستخدم أي رئيس سابق هذا القانون لفرض تعريفات بهذا الحجم، فيما لجأ الرئيس ترمب إلى قانون الطوارئ لأنه يمنحه هامش تحرك سريعا من دون الحاجة إلى تحقيقات مطولة أو مسارات إجرائية معقدة، كما هو الحال في قوانين التجارة الأخرى، وهو ما اعتبره خصومه التفافا على دور الكونغرس.

ورفعت شركات صغيرة مثل "ليرنينغ ريسورسيس"، و"في. أو. إس. سيليكشنز"، إلى جانب اثنتي عشرة ولاية أميركية، دعاوى قضائية في محكمة مقاطعة كولومبيا ومحكمة التجارة الدولية(CIT) . كانت هذه الولايات تجادل بأن التعريفات غير قانونية وتتسبب بأضرار اقتصادية شديدة.

قضت المحكمة العليا بغالبية 6 الى 3 بأن قانون الطوارئ لا يخول الرئيس فرض تعريفات جمركية، مؤكدة أن النص لا يمنحه تفويضا مفتوحا، وأنه لا يمكنه ممارسة سلطة استثنائية غير محدودة من دون سند تشريعي واضح

أيدت محكمة الاستئناف الفيديرالية الحكم في أغسطس/آب 2025، بعدما قضت المحكمة الابتدائية بعدم مشروعية التعريفات، معتبرة أن الرسوم التي فرضت بموجب قانون الطوارئ كانت "غير محدودة في النطاق والمبلغ والمدة". إثر ذلك، قبلت المحكمة العليا النظر العاجل في القضية، وقررت دمج الدعويين، واستمعت إلى المرافعات في 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، قبل أن تصدر حكمها النهائي في 20 فبراير/شباط 2026، منهية بذلك مسارا قضائيا متسارعا، أعاد التأكيد أن السياسة التجارية الاميركية، وعلى الرغم من بعدها التنفيذي، تظل في جوهرها اختصاصا تشريعيا ما لم يمنح الكونغرس تفويضا صريحا ومحددا.

ماذا في موجز قرار المحكمة؟

تاريخيا، لجأت إدارات سابقة إلى قوانين التجارة لفرض رسوم بعد تحقيقات رسمية تتعلق بالأمن القومي أو الإغراق، لكن استخدام قانون الطوارئ بهذا الاتساع شكل سابقة دفع المحكمة إلى رسم خط أحمر.

.أ.ف.ب
مبنى المحكمة العليا الأميركية في واشنطن، حيث قضت المحكمة بغالبية 6 مقابل 3 بعدم قانونية رسوم الرئيس ترمب، 20 فبراير 2026.

قضت المحكمة بغالبية 6 في مقابل 3، أن قانون الطوارئ لا يمنح الرئيس صلاحية فرض تعريفات، معتبرة أن التعبيرين "تنظيم" و"استيراد" في القانون لا يشكلان تفويضا واسعا لفرض رسوم غير محدودة، وشدد رئيس المحكمة، القاضي جون روبرتس، على أن الرئيس ترمب لا يستطيع ممارسة "سلطة استثنائية غير محدودة" دون تفويض تشريعي واضح.

صوت أربعة قضاة ليبراليين وقاضيان محافظان مع الغالبية، فيما عارضه ثلاثة قضاة. ومن بين القضاة الثلاثة الذين عينهم ترمب، صوّت اثنان ضد التعريفات. وألغت المحكمة الحكم في قضية "ليرنينغ ريسورسيس" لعدم اختصاص المحكمة الابتدائية في بعض الجوانب، وأيدت حكما في قضية "في. أو. إس. سيليكشنز"، مع إعادة القضية إلى المحاكم الأدنى لمناقشة رد الأموال.

يندرج الحكم ضمن ما يعرف في الفقه القضائي الأميركي بـ"عقيدة الأسئلة الكبرى"، التي تشترط تفويضا تشريعيا صريحا عندما تمارس السلطة التنفيذية صلاحيات ذات أثر اقتصادي أو سياسي واسع

في الرأي المعارض، حذر القاضي بريت كافانو من أن الحكومة "قد تكون مطالبة برد مليارات الدولارات للمستوردين الذين دفعوا التعريفات بموجب قانون الطوارئ، على الرغم من أن بعض المستوردين قد يكونون نقلوا التكاليف إلى المستهلكين أو الآخرين"، مضيفا أن "تعريفات قانون الطوارئ ساعدت في تسهيل صفقات تجارية بقيمة تريليونات الدولارات، بما في ذلك مع دول أجنبية، من الصين إلى المملكة المتحدة فاليابان، وقد يولد قرار المحكمة عدم يقين في شأن اتفاقيات تجارية مختلفة".

يندرج الحكم ضمن ما يعرف في الفقه القضائي الأميركي بـ"عقيدة الأسئلة الكبرى" (Major Questions Doctrine)، التي تشترط تفويضا تشريعيا صريحا عندما تمارس السلطة التنفيذية صلاحيات ذات أثر اقتصادي أو سياسي واسع. وهو توجه كرسته المحكمة في قضايا حديثة تتعلق بالبيئة والتنظيم المالي. ويعكس هذا التوجه ميلا متزايدا داخل المحكمة للحد من توسع الدولة الإدارية وإعادة السلطات الكبرى إلى الكونغرس، وتثبيت "بند التجارة" في الدستور كاختصاص أصيل للكونغرس، بعد عقود من التوسع التنفيذي الذي بلغ ذروته في استخدام قانون الطوارئ الاقتصادية الدولية خارج سياقه التقليدي. بهذا القرار، سحبت المحكمة "الصك الاستباقي على بياض" الذي كانت تتمتع به الإدارات السابقة تحت ذريعة الأمن القومي.

.أ.ف.ب
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في غرفة الصحافة في البيت الأبيض، معلناً رفع الرسوم العالمية على الواردات إلى 15%، غداة حكم المحكمة العليا بإبطال معظمها. 20 فبراير 2026.

مع ذلك، إعادة السلطة نظريا إلى الكونغرس لا تعني بالضرورة عودته عمليا إلى موقع القيادة في السياسة التجارية. فالاستقطاب الحاد داخل المجلس قد يجعل من الصعب تمرير تشريعات تجارية كبرى، مما يترك فراغا تنفيذيا قد تبحث الإدارات المتعاقبة عن طرق أخرى لملئه.

تجاوز رد فعل ترمب الخطاب الصاخب إلى إحداث هزة مؤسسية بتحديه الضمني لروح الحكم عبر تفعيل قانون 1974 في غضون 24 ساعة، مما يضع القضاء أمام اختبار جديد: هل العيب في "الأداة القانونية" المستخدمة أم في "جوهر السلطة" التي يمارسها الرئيس؟

أثار حكم المحكمة العليا غضب ترمب الشديد، الذي وصفه بأنه "وصمة عار"، ووصف القضاة الستة بـ"الأغبياء والكلاب الموالية"، متهما إياهم بالخيانة والتأثر بمصالح أجنبية. وقع ترمب أمرا تنفيذيا لإنهاء كل التعريفات بموجب قانون الطوارئ في أقرب وقت عمليا. وأعلن في مؤتمر صحافي عاجل، فرض تعريفة جديدة مؤقتة بنسبة 10 في المئة تحت قانون التجارة لعام 1974، ثم رفعها إلى 15 في المئة في اليوم التالي، وهو قانون يمنح الرئيس صلاحيات أوسع نسبيا في فرض رسوم عقب تحقيقات تجارية، مما قد يفتح الباب أمام جولة جديدة من المواجهات ولكن عبر مسار قانوني أبطأ. 

وتجاوز رد فعل ترمب الخطاب الصاخب إلى إحداث هزة مؤسسية بتحديه الضمني لروح الحكم عبر تفعيل قانون 1974 في غضون 24 ساعة، مما يضع القضاء أمام اختبار جديد: هل العيب في "الأداة القانونية" المستخدمة أم في "جوهر السلطة" التي يمارسها الرئيس؟

وانتقد نائب الرئيس الأميركي، جيه دي فانس ما وصفه بـ"تجاوز القانون من جانب المحكمة"، وقال ان الرئيس يتمتع بصلاحيات جمركية واسعة لحماية العمال الأميركيين. في المقابل، تجنب رئيس مجلس النواب مايك جونسون التعليق المباشر، مشيرا إلى أن التعريفات السابقة جلبت مليارات الدولارات، مشيرا إلى ان الكونغرس والإدارة الأميركية سيحددان أفضل مسار في شأن الرسوم الجمركية خلال الأسابيع المقبلة.

داخليا، كرس الحكم انقساما حزبيا واضحا: الديمقراطيون اعتبروه كبحا لسياسة تجارية مكلفة، فيما رأى بعض الجمهوريين فيه دفاعا عن الدستور، في مقابل آخرين حذروا من إضعاف اليد التفاوضية الأميركية.

ردود الفعل الدولية

على الصعيد الدولي، عكست الردود الدولية مزيجا من الارتياح الحذر والقلق من الخطوة الأميركية التالية، إذ رحبت العواصم المتضررة بإلغاء الرسوم، لكنها لم تستبعد عودة المواجهة التجارية بصيغة مختلفة. ويأتي ذلك في لحظة تتزايد فيها المخاوف من تحول التجارة العالمية إلى أداة صراع جيوسياسي، لا مجرد أداة تبادل اقتصادي.

أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن القرار يبرز أهمية "الموازنات للسلطة وسيادة القانون في الديمقراطيات"، محذرا من الاحتفاء المبكر بسبب الرسوم الجديدة، وقال إن فرنسا ستدرس العواقب وتؤكد على "التبادلية لا الخضوع للقرارات الأحادية"

في كندا، ذكر مصدر في الحكومة أن قرار المحكمة العليا الأميركية في شأن الرسوم يعزز موقف كندا، ورحب وزير التجارة دومينيك ليبلان بالحكم كتأكيد أن التعريفات "غير مبررة"، لكنه حذر من التحديات المقبلة في مفاوضات اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا  USMC.

وأعلنت الرئاسة المكسيكية أنها شرعت في تقييم شامل لآثار الحكم، مع اتصالات فورية بالولايات المتحدة. أما الصين، فكان رد فعلها هادئا بسبب عطلة السنة القمرية الجديدة. كما رحب الاتحاد الأوروبي بالقرار بحذر، مطالبا بالاستقرار والتنبؤ في العلاقات التجارية، مع تحليل الخطوات الأميركية التالية، والتواصل مع إدارة ترمب لمعرفة موقفها في شأن الرسوم.

.أ.ف.ب

وأكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن القرار يبرز أهمية "الموازنات للسلطة وسيادة القانون في الديمقراطيات"، محذرا من الاحتفاء المبكر بسبب الرسوم الجديدة، وقال إن فرنسا ستدرس العواقب وتؤكد على "التبادلية لا الخضوع للقرارات الأحادية".


قانونيا، لا يعني الحكم انتهاء الرسوم فورا في كل الحالات، إذ ستتولى المحاكم الأدنى تحديد آلية استرداد المدفوعات، مما قد يفتح موجة دعاوى معقدة حول من تحمل التكلفة فعليا، المستورد أم المستهلك

وأعربت دول أخرى مثل المملكة المتحدة عن الأمل في قواعد تجارية عادلة، لكنها حذرت من "خيارات أخرى" لدى ترمب، كما نقلت "بلومبيرغ". وفي كوريا الجنوبية عقد وزراء الحكومة اجتماعاً طارئاً لمناقشة التأثيرات، معبرين عن القلق من التقلبات التجارية.

قانونيا، لا يعني الحكم انتهاء الرسوم فورا في كل الحالات، إذ ستتولى المحاكم الأدنى تحديد آلية استرداد المدفوعات، مما قد يفتح موجة دعاوى معقدة حول من تحمل التكلفة فعليا، المستورد أم المستهلك. وفي الوقت ذاته، يمنح قانون التجارة لعام 1974 الإدارة مسارا بديلا، وإن كان أبطأ وأكثر عرضة للطعن.

اقتصاديا، قد يؤدي الحكم إلى إعادة مليارات الدولارات للمستوردين، وتخفيف الضغوط التضخمية على بعض السلع، لكنه في المقابل يخلق حالة من عدم اليقين لدى الشركات التي أعادت هيكلة سلاسل الإمداد بعيدا من الصين أو المكسيك بناء على افتراض استمرار الرسوم، وقد تجد نفسها أمام حسابات استثمارية مختلفة، مما يضيف طبقة جديدة من عدم اليقين إلى قرارات التصنيع والتوريد. وستواجه إدارة الجمارك وحماية الحدود (CBP) كابوسا لوجستيا في حساب التعويضات، خصوصا للشركات التي أفلست أو اندمجت خلال فترة التقاضي.

تأثيرات اقتصادية محتملة وآفاق مستقبلية

في المحصلة، لا يعد الحكم مجرد انتكاسة لسياسة تجارية بعينها، بل إعادة رسم لخط فاصل دستوري بين الكونغرس والبيت الأبيض في إدارة الاقتصاد العالمي. وإذا كان القرار قد أوقف سلاح التعريفات المستند إلى قانون الطوارئ، فإنه لم ينه النزعة الحمائية في واشنطن، بل ربما دفعها نحو أدوات أكثر تعقيدا وأشد تسييسا. وهكذا، يتحول النزاع من معركة حول الرسوم إلى اختبار أعمق لتوازن السلطات في زمن العولمة المتوترة. كما قد يدفع الحكم بعض الشركاء التجاريين إلى إعادة تقييم استراتيجياتهم التفاوضية مع واشنطن، في ضوء محدودية أدوات الطوارئ التنفيذية.

لا شك أن القرار لم ينه النزعة الحمائية الأميركية، لكنه أعاد تعريف أدواتها. إذا استعاد الكونغرس نظريا مفاتيح الرسوم، فإن الاختبار الحقيقي سيكون في مدى قدرته على استخدامها بفاعلية. عندها فقط سيتضح ما إذا كان الحكم قد أغلق باب "تعريفات الطوارئ" أم فتح فصلا جديدا من الصراع المؤسسي حول إدارة الاقتصاد الأميركي في عصر تسييس التجارة العالمية.

font change

مقالات ذات صلة