هل تستطيع كندا توجيه بوصلتها الاقتصادية نحو الصين؟

نجاح الاستراتيجيا الكندية لا يقاس بمدى الابتعاد عن واشنطن، بل بكيفية إدارة العلاقة معها

"المجلة"
"المجلة"

هل تستطيع كندا توجيه بوصلتها الاقتصادية نحو الصين؟

قبل عام فقط، لم يكن أحد يتوقع أن يصل تدهور العلاقات السياسية والاقتصادية بين كندا والولايات المتحدة الاميركة، الى حد أن يعرف المشهد الدفاعي الكندي تحولا، ولو اعلاميا، يعكس القلق المتزايد من التحديات الجيوسياسية بين الجارين والحليفين التاريخيين.

لقد سجّلت طلبات الانضمام إلى القوات المسلحة الكندية ارتفاعا بنحو 13 في المئة خلال السنة المالية الحالية (2025-2026)، في انعكاس واضح لسنوات من التراجع ونقص الأفراد المزمن. وأعلن الجيش انضمام نحو 6700 مجند جديد حتى نهاية العام المنصرم، وهو أعلى رقم يُسجل خلال عقد كامل، مما يشير إلى انتعاش ملحوظ في الاهتمام بالخدمة العسكرية. وعلى الرغم من نفي السلطات العسكرية وجود ربط مباشر بهذه الزيادة مع التوترات السياسية الراهنة أو التصريحات الأميركية المثيرة للجدل حول مناطق مثل القطب الشمالي، يرى خبراء أن المناخ الجيوسياسي العام يلعب دورا غير مباشر في تشجيع الشباب على الالتحاق بالجيش الكندي.

منذ مطلع عام 2026، تواجه كندا بيئة تجارية دولية أكثر تقلبا وتعقيدا، في ظل تصاعد النزعة الحمائية الأميركية وتزايد استخدام أدوات التجارة، من تعريفات جمركية وعملات، كسلاح في الصراعات الجيوسياسية. هذا الواقع المتسارع يدفع أوتاوا إلى تسريع مسار تنويع الشراكات الاقتصادية، وهو توجه مطروح منذ سنوات، لكنه يكتسب زخما جديدا مع ازدياد عدم اليقين حول مستقبل العلاقة التجارية مع الولايات المتحدة، أكبر شريك تجاري لها.

أبرمت كندا 12 اتفاقية تجارية وأمنية في ستة أشهر عبر أربع قارات، لعدم جدوى الشراكة مع أميركا في المرحلة الحالية

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني

الا أن الانفتاح الكندي تجاه بكين مع رغبة واضحة في فتح أسواق جديدة، يأخذ العلاقات الأميركية - الكندية نحو منعطف خطير، غير مسبوق، وقد توعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب كندا، في آخر تصريحاته: "إذا أبرموا اتفاقا مع الصين، فسنرد بشكل قوي للغاية. لا نريد أن تستولي الصين على كندا. وإذا أبرموا الاتفاق الذي تسعى إليه، فستستولي الصين على كندا".

أونتاريو
الرئيس الصيني شي جينبينغ لدى استقباله رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في بكين 16 يناير 2026

وقد برزت تحركات ديبلوماسية وتجارية كندية نحو آسيا وأوروبا ومنطقة الخليج، إضافة إلى محاولة إعادة ضبط العلاقة الاقتصادية مع الصين. غير أن السؤال الجوهري يبقى: هل يشكل هذا المسار بديلا فعليا من السوق الأميركية، أم أنه يظل هامشيا، مقارنة بوزن العلاقة مع واشنطن؟

ما الإطار السياسي للتحرك الكندي؟

في 20 يناير/كانون الثاني الماضي، ألقى رئيس الوزراء الكندي مارك كارني خطابا مؤثرا في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، ترددت أصداؤه في مختلف دول العالم، وهو وصف الوضع الدولي بـ"الانقطاع" بدلا من "التحول"، مشددا على أن القوى الكبرى تستخدم الاقتصاد كسلاح، مما يهدد النظام القائم على القواعد.

للمزيد اقرأ:  النص الحرفي لخطاب رئيس الوزراء الكندي في دافوس... نهاية أوهام النظام الدولي

استلهم كارني من تاريخ اليونان القديمة، مستشهدا بالمؤرخ الإغريقي الشهير ثوقيديدس، ليبرر الحاجة إلى تحالفات جديدة بين "القوى المتوسطة" مثل كندا، للحفاظ على الشرعية والنزاهة. أكد أن كندا أبرمت 12 اتفاقية تجارية وأمنية في ستة أشهر عبر أربع قارات، مشيرا إلى أن "الصفقة مع أميركا لم تعد تعمل".

إذا أبرمت كندا اتفاقا مع الصين، فستُفرض عليها فورا رسوم جمركية بنسبة 100 في المئة على جميع البضائع والمنتجات الكندية الواردة إلى الولايات المتحدة الأميركية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب

هذا الخطاب ينسجم مع توجهات مشابهة لدى دول مثل أوستراليا والاتحاد الأوروبي، التي تعمل بدورها على تعزيز سلاسل التوريد البديلة في مجالات المعادن الحرجة، التكنولوجيا النظيفة، والطاقة. لكن على المستوى العملي، يواجه هذا الطموح حدودا صلبة تفرضها الجغرافيا والاقتصاد.

أثار خطاب كارني ردود فعل إيجابية عالمية، حيث وصفه قادة مثل حاكم كاليفورنيا غافن نيوسوم بأنه "أفضل خطاب لقائد عالمي منذ زمن طويل"، وأشاد به سياسيون من أوستراليا وأوروبا والمكسيك كدليل على قيادة استراتيجية واقعية. ومع ذلك، أثار غضبا أميركيا، حيث عاد ترمب إلى التهديد المبطن عبر نشر صورة تظهر فيها كندا وغرينلاند وفنزويلا مغطاة بالعلم الأميركي، وقال إن كندا "تعيش بفضل الولايات المتحدة"، محذرا كارني من كلماته. لكن كارني رد "كندا تزدهر بالكنديين… ولا تعيش بفضل أحد".

ونشر ترمب على صفحته "تروث سوشيال": إذا أبرمت كندا اتفاقا مع الصين، فستُفرض عليها فورا رسوم جمركية بنسبة 100 في المئة على جميع البضائع والمنتجات الكندية الواردة إلى الولايات المتحدة الأميركية. وقال دومينيك لوبلان، وزير التجارة الكندي المسؤول عن التجارة مع الولايات المتحدة، إن كندا والصين قد حلتا "العديد من القضايا التجارية المهمة"، ولكن لا يوجد سعي لعقد اتفاقية تجارة حرة. كما كان لافتا تصريح ستيفن ميلر، نائب رئيس موظفي البيت الأبيض، أن "القانون لا يمنح الدول الحق في الاحتفاظ بأراضيها إذا كانت غير قادرة على الدفاع عنها"، في تلميح عن عدم قدرة كندا عسكريا على التصدي للصين أو روسيا في القطب الشمالي.

ثقة كندية كبيرة بكارني

وأظهر تقرير جديد لمعهد "انفيرونيكس" أن 80 في المئة من الكنديين يثقون برئيس وزرائهم كارني وهو أعلى مستوى ثقة برؤساء الحكومات الكندية عموما منذ بدء متابعة احصاءات مستويات الثقة الحكومية في عام 2010، والأكثر إثارة أن الثقة في البرلمان ارتفعت إلى 83 في المئة.

هامش المناورة الكندي ليس مفتوحا بالكامل، بل محكوم باعتبارات داخلية لا تقل أهمية عن الحسابات الجيوسياسية

وعلى الرغم من الحديث المتزايد عن التنويع، تظل الأرقام واضحة: أكثر من 75 في المئة من صادرات كندا تتجه إلى الولايات المتحدة. بينما تمثل الصين أقل من 4 في المئة، والهند وأوستراليا أقل من 1 في المئة لكل منهما، شركاء الخليج نسبهم محدودة للغاية. هذا التفاوت يعني أن ما تسعى إليه كندا ليس "استبدال" السوق الأميركية، بل تقليل الأخطار على الهامش وبناء بدائل تدريجية في قطاعات محددة.

القيد الداخلي الأكبر: أونتاريو وصناعة السيارات

العلاقة الكندية - الأميركية ليست مجرد تجارة، بل منظومة إنتاج متكاملة، خصوصا في صناعة السيارات، وسلاسل الإمداد الصناعية، والزراعية. أي تصعيد تجاري كبير مع واشنطن لا يضرب الصادرات فقط، بل يطال البنية الصناعية نفسها، خاصة في مقاطعة أونتاريو.

.أ.ف.ب
حاويات البضائع في ميناء مونتريال، كندا 1 أغسطس 2025

أي تحول كبير في توجهات كندا التجارية، يصطدم بواقع اقتصادي داخلي حساس، خصوصا في أونتاريو، حيث تتمركز صناعة السيارات. هذا القطاع مرتبط عضويا بالمصانع في ديترويت وغيرها من المدن الأميركية وبالسوق الأميركية، عبر إنتاج مشترك وسلاسل توريد عابرة للحدود. لذا فإن أي توتر حاد مع واشنطن قد يؤدي إلى: إعادة تموضع استثمارات، خسارة وظائف صناعية، ضغط سياسي داخلي كبير على الحكومة الفيديرالية.

ولهذا، فإن هامش المناورة الكندي ليس مفتوحا بالكامل، بل محكوم باعتبارات داخلية لا تقل أهمية عن الحسابات الجيوسياسية.

ما مصير اتفاقية التجارة الحرة مع أميركا؟

لا يمكن قراءة مساعي التنويع الكندي بمعزل عن الاستحقاق القانوني الأهم في عام 2026، وهو "بند المراجعة" لاتفاقية التجارة الحرة (USMCA). إن هذا البند يمنح واشنطن قدرة تقنية وقانونية على إعادة التفاوض أو التهديد بإنهاء الاتفاقية إذا رأت أن شركاءها يفتحون "أبوابا خلفية" للنفوذ الصيني.

تمثل الصين في الوقت الراهن فرصة تجارية واعدة، ومصدرا لأخطار لا يستهان بها ، إذ يمكن أي تعاون تكنولوجي أو استثماري مع الصين أن يثير رد فعل قويا من واشنطن

لكن بالنسبة لأوتاوا، يمثل هذا الاستحقاق ضغطا هائلا، فأي تقارب هيكلي مع بكين في قطاعات حساسة قد يفسر في واشنطن كخرق لروح الاتفاقية، مما يضع الاقتصاد الكندي تحت مقصلة الرسوم الجمركية مجددا.

الصين: فرصة تجارية … ومصدر أخطار

تمثل الصين في الوقت الراهن فرصة تجارية واعدة، ومصدرا لأخطار لا يستهان بها. يعكس الانفتاح الكندي الحذر تجاه بكين رغبة واضحة في فتح أسواق جديدة للمنتجات الزراعية والموارد الطبيعية، لكن التعامل مع الصين يبقى مختلفا جوهريا عن التنويع التجاري مع الحلفاء الغربيين التقليديين. السبب الأول يكمن في تسييس التجارة بشكل كبير، فأي خلاف ديبلوماسي أو سياسي يمكن أن ينعكس بسرعة على تدفق السلع وحركة التبادل التجاري. أما السبب الثاني فيتمثل في الحساسية الأمنية الأميركية العالية، إذ يمكن أي تعاون تكنولوجي أو استثماري مع الصين أن يثير رد فعل قويا من واشنطن، مما قد يعرض سلاسل التوريد المشتركة مع الولايات المتحدة لأخطار جدية.

رويترز
اجتماع الوفد الكندي مع الجانب الصيني، خلال زيارة رئيس الحكومة الكندية مارك كارني، بكين 16 يناير 2026

وأخيرا، يبرز خطر استبدال نوع من التبعية بأخرى، فتقليل الاعتماد على السوق الأميركية لا يُعدّ مكسبا حقيقيا إذا أدى إلى اعتماد مرتفع ومكثف على سوق صينية واحدة شديدة التسييس والتقلب السياسي. لذلك، تبقى الصين شريكا تجاريا مهما لا يمكن تجاهله، لكنها لا ترقى، بسهولة، إلى مرتبة الشريك الاستراتيجي الآمن والمستقر بالمعنى الغربي التقليدي للكلمة.

الهجرة والسياسة الدفاعية أدوات توازن غير تقليدية

في المقابل، تمتلك كندا أدوات أخرى غير تقليدية تساعدها في تعزيز صمودها الاقتصادي والاستراتيجي في مواجهة التحديات الجيوسياسية. فمن جهة، تُعدّ سياسة الهجرة قوة ناعمة فعالة، إذ لا تقتصر فوائد التدفقات البشرية القادمة من دول مثل الهند والفيليبين وفيتنام على دعم سوق العمل وتعويض النقص الديموغرافي فحسب، بل تمتد إلى بناء جسور اقتصادية حقيقية. هذه الشبكات البشرية العابرة للحدود تخفف العوائق أمام الشركات الكندية، وتسهّل الدخول إلى تلك الأسواق الناشئة والسريعة النمو من خلال علاقات الثقة والمعرفة المتبادلة التي ينشئها المهاجرون.

إن نجاح الاستراتيجيا الكندية لا يقاس بمدى الابتعاد عن واشنطن، بل بكيفية إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة، والقدرة على الاستفادة من التعددية الاقتصادية، والانفتاح على الصين

من جهة أخرى، ترتبط السياسة الدفاعية ارتباطا وثيقً بالمصالح التجارية. تدرك أوتاوا جيدًا أن التزام حصة الـ2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي كإنفاق دفاعي، وفق تعهدات حلف الناتو، لم يعد مجرد التزام أمني رمزي، بل تحول إلى شرط ضمني لا غنى عنه للحفاظ على المعاملة التفضيلية في التبادل التجاري مع الولايات المتحدة.

.أ.ف.ب
رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يلقي خطابه المميز في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، 20 يناير 2026

وفي هذا السياق، يُنظر إلى الإنفاق العسكري المتزايد على أنه بمثابة "ضريبة ضرورية" تدفعها كندا مقابل استمرار حرية الوصول إلى أكبر وأهم سوق تصدير لها، وهي السوق الأميركية. بهذه الطريقة، تجمع كندا بين أدوات متنوعة، من الهجرة كرافعة اقتصادية ناعمة إلى الإنفاق الدفاعي كضمان سياسي، لتحقيق توازن دقيق يحمي مصالحها في عالم تتداخل فيه التجارة والأمن بشكل متزايد.

معادلة التوازن الصعبة وتعددية المسارات

تبدو الشراكات مع الاتحاد الأوروبي، أوستراليا، ودول الخليج أكثر استقرارا. فبينما توفر أوروبا وأوستراليا تعاونا في المعادن الحرجة والتكنولوجيا، يبرز دور دول الخليج كرافد استثماري ومالي ضخم يدعم مشاريع التحول الطاقي، دون إثارة حفيظة الحليف الأميركي. كما أن كندا تجري مفاوضات لاتفاقيات تجارة مع: آسيان (ASEAN) التي تضم بروناي، كمبوديا، إندونيسيا، لاوس، ماليزيا، ميانمار، الفيليبين، سنغافورة، تايلاند، وفيتنام، وميركوسور (Mercosur) التي تضم الأرجنتين، وبوليفيا، والبرازيل، وباراغواي، وأوروغواي.

ما تقوم به كندا في عام 2026 ليس تحولا جذريا بقدر ما هو إعادة توازن حذرة. الهدف ليس فك الارتباط مع الولايات المتحدة، بل خفض نسبة الهشاشة. تظل الصين جزءا من هذا المسار، لكنها ليست محوره الآمن. إن نجاح الاستراتيجيا الكندية لا يقاس بمدى الابتعاد عن واشنطن، بل بكيفية إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة، والقدرة على الاستفادة من التعددية الاقتصادية، والانفتاح على الصين، من دون خسارة الركيزة الأميركية التي يقوم عليها أمن البلاد.

font change

مقالات ذات صلة