بعيدا عن النفوذ الأميركي... بريطانيا تنوع أوراق قوتها بالانفتاح على الصين

سياسة تحوّط مدروسة

المجلة
المجلة

بعيدا عن النفوذ الأميركي... بريطانيا تنوع أوراق قوتها بالانفتاح على الصين

قبل سنوات قليلة فقط، لم يكن تخيّل هذا التقارب المتنامي بين الدول الغربية والصين بالأمر اليسير. ففي مايو/أيار 2023، وبضغط من الرئيس الأميركي جو بايدن، أقرت دول "مجموعة السبع" نهجا يهدف إلى تقليص اعتمادها الاقتصادي والاستراتيجي على الصين، وسط تصاعد تحذيرات من تحول التوتر القائم إلى "حرب باردة جديدة" تندلع بين الصين والغرب. غير أن المشهد تبدّل سريعا. ففي يناير/كانون الثاني الماضي، قصد اثنان من أبرز قادة المجموعة العاصمة الصينية، بدءا برئيس الوزراء الكندي مارك كارني، ثم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، في مسعى لإصلاح العلاقات، وتعزيز التبادل التجاري. وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد سبقهما إلى بكين في ديسمبر/كانون الأول ، بينما كان فريدريش ميرتس يستعد للزيارة بعد ستارمر. فما الذي تغيّر؟ الإجابة المختصرة تكمن في كلمة واحدة: ترمب.

وبعد لقائه الرئيس الصيني شي جينبينغ، في زيارة هي الأولى لرئيس حكومة بريطاني منذ 2018، دعا ستارمر إلى شراكة استراتيجية شاملة مع بكين في ظل "الأوقات الصعبة التي يمر بها العالم". وفي خطوة غير مسبوقة، أعلنت الحكومة البريطانية توصلها لاتفاق مع السلطات الصينية، يقضي بتخفيف قيود السفر، حيث سيُسمح لمواطني المملكة المتحدة، بدخول الصين دون تأشيرة للزيارات التي لا تتجاوز مدتها 30 يومًا، ما يسهم في نمو أعمال الخدمات البريطانية في الأسواق الآسيوية.

وبذلك تنضم المملكة المتحدة إلى قائمة الدول التي تتمتع بهذا الامتياز، مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا وأستراليا واليابان، ويتوقع أن يعزز القرار آفاق صادرات الخدمات البريطانية إلى الصين والتي تصل حاليًا إلى 18 مليار دولار سنويا.

الفوضى التي رافقت عودة الرئيس الأميركي إلى البيت الأبيض، أربكت الحلفاء الغربيين ودَفعتهم إلى مراجعة عميقة لمستقبل التحالف عبر ضفتي الأطلسي. تصرفات ترمب الأخيرة، من التهديد بغرينلاند إلى التلويح بفرض رسوم جمركية على الحلفاء الذين يعترضون على خططه، مرورا بالاستخفاف بدور "حلف شمال الأطلسي" (الناتو) في حرب أفغانستان، دفعت حتى شخصيات كانت تميل إلى مسايرته، مثل ستارمر، إلى تبني مواقف أكثر تشددا. ومع ذلك، فإن الانفتاح على الصين، لا يعكس انتقالا في الولاءات، وإنما يندرج ضمن سياسة تحوّط مدروسة. فالدول الغربية لا تنوي التفريط بتحالفها مع الولايات المتحدة، لكنها تدرك أن البيئة الاستراتيجية تبدلت على نحو جذري، وأن التعامل مع مرحلة ترمب، يفرض تنويع الخيارات وتوزيع الرهانات.

توزيع الرهانات

لم يكن الحلفاء الغربيون ينتظرون طريقا معبّدا مع عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني الماضي، لكن حجم الصدمة تجاوز توقعاتهم. فقد تدهورت علاقة كندا بجارتها الجنوبية خلال أسابيع قليلة، بعدما لمح ترمب إلى إمكانية ضمها، بوصفها الولاية الأميركية الحادية والخمسين، وفرض عليها رسوما تجارية. أما الشركاء الأوروبيون فواجهوا مسارا مشابها، إذ انتهى الأمر بالاتحاد الأوروبي إلى القبول بـ"اتفاق تورنبيري" الذي فرض رسوما بنسبة 15 في المئة على معظم صادراته، بينما نجحت بريطانيا في التفاوض على نسبة أقل بلغت 10 في المئة. وكان من الممكن استيعاب الأعباء التجارية، غير أن القلق الحقيقي تمثّل في اهتزاز الأمن الأوروبي مع عودة ترمب إلى السلطة. فقد لمح مرارا إلى فتور الدعم الأميركي لأوكرانيا، والتقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وأبدى تأييدا لمقترحات "سلام" تنسجم مع مطالب موسكو، قبل أن يعيد ضبط خطابه لاحقا.

رويترز
حرس الشرف الصيني في استقبال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر

وفي الأسابيع التالية، تصاعدت مؤشرات القلق لدى الحلفاء الغربيين. ففي ديسمبر، استهدفت استراتيجية الأمن القومي الجديدة قادة أوروبا الوسطيين، وحذرت من أن القارة تواجه "محوا حضاريا" ودعت واشنطن إلى "تعزيز المقاومة" عبر دعم الأحزاب اليمينية المتطرفة. ثم بدا ترمب متجاهلا منظومة القانون الدولي التي يوليها الحلفاء الغربيون أهمية كبرى، حين أشرف على انقلاب في فنزويلا مطلع يناير/كانون الثاني. وبعد ذلك، صعّد حملته للسيطرة على غرينلاند، رغم كونها أرضا تابعة لدولة عضو في "حلف شمال الأطلسي"، وهدد الدول الأوروبية التي وقفت إلى جانب الدنمارك بفرض رسوم تجارية. واكتمل المشهد بخطابه المربك في "دافوس"، حين قال إن الولايات المتحدة "لم تحصد شيئا" من حلفائها في "الناتو"، وادعى أنهم كانوا "بعيدين عن خطوط المواجهة" في أفغانستان. مجمل هذه الوقائع رسم عاما مثقلا بالارتباك والقلق لدى الحلفاء الغربيين التقليديين للولايات المتحدة.

الدول الغربية تدرك أن البيئة الاستراتيجية تبدلت على نحو جذري، وأن التعامل مع مرحلة ترمب يفرض تنويع الخيارات وتوزيع الرهانات

في مواجهة هذا المشهد المتحوّل، اعتمد القادة الأوروبيون، إلى جانب كندا، مجموعة من المسارات المتوازية. أولها التشبث بالعمل الجماعي. وقد تجلّى ذلك بوضوح خلال أزمة غرينلاند الأخيرة، حين اصطفت سبع دول من "حلف شمال الأطلسي"، هي بريطانيا وفرنسا وألمانيا وهولندا والسويد والنرويج وفنلندا، خلف موقف الدنمارك وغرينلاند. وتكرّس هذا التماسك مجددا في أغسطس/آب، عندما اجتمع قادة بريطانيا وفرنسا وألمانيا وفنلندا وإيطاليا مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، والأمين العام لـ"الناتو" مارك روته، ورئيسة "المفوضية الأوروبية" أورسولا فون دير لاين في البيت الأبيض، وتمكنوا من إقناع ترمب بالتراجع عن تعهدات كان قد قطعها للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن أوكرانيا.

غير أن هذا المسار لا يخلو من تحديات. فالحفاظ على وحدة الموقف الغربي يظل رهنا بتباين المصالح بين العواصم الأوروبية، كما يبقى عرضة للتقويض من أصوات مؤيدة لترمب داخل أوروبا، في مقدمها رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان وقوى يمينية أخرى. ومع ذلك، فإن الرفض الذي عبّرت عنه شخصيات يمينية بارزة، مثل الفرنسي غوردان بارديلا، لمطالب ترمب المتعلقة بغرينلاند، يشي بتحوّل لافت. فقد وصف بارديلا التهديد الأميركي لإقليم أوروبي عبر الضغط التجاري بأنه إكراه لا حوار، في إشارة إلى إدراك متنام لحجم التحدي الذي تمثله سياسات ترمب حتى داخل أوساط اليمين الأوروبي.

رويترز
وزير الأعمال البريطاني بيتر كايل ووانغ ويندوياو، وزير التجارة بجمهورية الصين الشعبية، بعد توقيع مذكرة تفاهم، في 29 يناير

 

في مواجهة هذا المشهد المتحوّل، اعتمد القادة الأوروبيون، إلى جانب كندا، مجموعة من المسارات المتوازية. أولها التشبث بالعمل الجماعي

المسار الثاني يقوم على توسيع الشراكات خارج المظلة الأميركية. ففي حين كان الحديث عن "تقليل المخاطر" موجها في السابق نحو الصين حصرا، بات القادة الأوروبيون اليوم يتناولون المسألة من زاوية أوسع، تشمل علاقتهم بالولايات المتحدة نفسها. وإلى جانب كندا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا التي تعمل على تحسين علاقاتها مع بكين، أبرم الاتحاد الأوروبي اتفاقية تجارة مع تكتل ميركوسور في أميركا اللاتينية، وصفتها فون ديرلاين بأنها "أكبر منطقة تجارة حرة في العالم". وفي "دافوس"، تحدثت عن اتفاق جديد مع المكسيك، وتقدّم في مفاوضات التجارة مع الفلبين وتايلاند وماليزيا والإمارات، فضلا عن اتفاق "تاريخي" مع الهند قيد الإعداد. كما أشار فريدريك كيمب، رئيس مركز بحوث "Atlantic Council" إلى أن نقاشات "دافوس" تناولت تقليص اعتماد أوروبا على التكنولوجيا الأميركية، ومنصات التواصل والدفع، مع السعي إلى تنويع الشراكات وتعزيز قدرات الاكتفاء الذاتي.

أما المسار الثالث، فيقوم على تجنّب القطيعة الكاملة مع ترمب. فرغم أن التطورات الأخيرة دفعت الحلفاء الغربيين إلى مراجعة سياسة الاستيعاب التي انتهجوها خلال عامه الأول، فإن التخلي عنها كليا لا يبدو واردا. وقد بدا ذلك واضحا حين كانت إسبانيا الدولة الأوروبية الكبرى الوحيدة التي انضمت إلى دول أميركا اللاتينية، ومعها روسيا والصين وإيران، في إدانة عملية القبض على نيكولاس مادورو. وفي المقابل، تعاونت بريطانيا مع القوات الأميركية في احتجاز ناقلة نفط ترفع العلم الروسي، كانت تحاول خرق الحصار الذي فرضه ترمب على فنزويلا. ورغم تصاعد التوتر، يرجّح أن يستمر التنسيق الغربي مع واشنطن في الملفات ذات الاهتمام المشترك، وعلى رأسها أوكرانيا. وإذا مضى ترمب قدما في تنفيذ ضربات إضافية ضد إيران، كما لمح أخيرا، فلن يكون غياب إدانات أوروبية واسعة أمرا مستبعدا.

مواجهة النظام العالمي الجديد

في "دافوس"، عبّرت أورسولا فون ديرلاين بوضوح عن ضرورة أن تواجه أوروبا واقع التحولات التي أحدثها ترمب في النظام العالمي. قالت إن "الرهان على عودة الأمور إلى ما كانت عليه لن يعالج الاختلالات البنيوية القائمة"، قبل أن تضيف: "إذا كان هذا التغيير دائما، فعلى أوروبا أن تتغير بدورها". وقد بدأ الاتحاد الأوروبي، ومعه بريطانيا وكندا وعدد من الحلفاء الغربيين، يقرّ متأخرا بأنه أساء تقدير الطابع الجذري لعودة ترمب.

أ.ف.ب
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في معرض للدراجات الهوائية البريطانية في مدينة شنغهاي، 30 يناير

ومع دخول ترمب عامه الثاني في الحكم، اتجه الحلفاء الغربيون إلى ما بعد سياسة الاستيعاب، معتمدين نهج توزيع الرهانات الذي يوازن بين المواجهة في الملفات الحساسة والتعاون الانتقائي، إلى جانب توسيع شبكة الشراكات والحد من الارتهان لتغيرات السياسة الأميركية.

ومع ذلك، يظل السؤال الأعمق معلقا: إلى أي حد سيكون هذا التحول دائما؟

تنتهي ولاية ترمب بعد ثلاثة أعوام، وقد تتقلص قدرته على المناورة داخليا في نوفمبر/تشرين الثاني إذا جاءت نتائج الانتخابات النصفية معاكسة. مثل هذا الاحتمال قد يدفع بعض الحلفاء الغربيين إلى التريث، أملا في أن تعود الأمور إلى مسار مختلف بعد خروجه من البيت الأبيض. غير أن الرهان على هذا السيناريو يفتقر إلى ضمانات. وحتى تتضح الصورة، يبدو أن توزيع الرهانات يظل الخيار الأكثر واقعية.

font change