ترمب والنظام العالمي الجديد... تصفية الحسابات وانسحاب هادئ لأميركا

المصالح الوطنية أولا

أ.ف.ب- المجلة
أ.ف.ب- المجلة

ترمب والنظام العالمي الجديد... تصفية الحسابات وانسحاب هادئ لأميركا

في سجلات الدبلوماسية الدولية الحديثة، ثمة تطورات قليلة قادرة على حمل الثقل الرمزي والعملي للانسحاب الهادئ لقوة عظمى، لا سيما بعد أن وقع الرئيس الأميركي، دونالد ترمب في دافوس الميثاق التأسيسي لـ "مجلس السلام" الذي أنشأه. وبينما تمضي الولايات المتحدة في خروجها من 66 منظمة دولية (31 كيانا تابعا للأمم المتحدة و35 هيئة عالمية أخرى) فإنها لا تقلص عضويتها في تلك الهيئات فقط، بل سيرخي انسحابها بظلال تمتد أبعد من ذلك بكثير. إنها تفكك ركائز أساسية للهيكل الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، والذي ساهمت ذات يوم في تصميمه وإضفاء الشرعية عليه ودعمه.

إن الاحتضان المتجدد لشعار "أميركا أولا" في ظل إدارة ترمب (الذي يستهدف المؤسسات التي تتعامل مع تغير المناخ والتجارة والتنمية والقانون الدولي) لا يشكل قطيعة مفاجئة بقدر ما هو تسارع لمسار طويل الأمد أشار إليه علماء العلاقات الدولية منذ فترة طويلة: التآكل التدريجي لنظام أحادي القطب يتمحور حول القيادة الأميركية وظهور عالم متعدد الأقطاب، يدور بشكل متزايد حول فضاءات النفوذ الإقليمية.

ورغم ما قد تحمله هذه اللحظة من زعزعة للاستقرار بالنسبة لأنصار التعددية، فإنها قد تنجلى عن فرصة لطالما أرجأها المجتمع الدولي: فرصة الاضطلاع بإصلاح جوهري لنظام دولي يتزايد اختلاله وشلله، مما يحول دون قدرته على الاستمرار. والسؤال المُلحّ الآن: هل يمتلك العالم الإرادة السياسية لاغتنام هذه الفرصة، أم إن الانسحاب الأميركي سيعجل ببساطة من انحدار النظام نحو حالة من التهميش؟

وُضع الأساس الفكري لهذا التحول في السياسة بوضوح في استراتيجية الأمن القومي الأميركي لعام 2025، التي صدرت في عهد الرئيس ترمب، التي تبيّن أن الانسحاب من المنظمات الدولية لم يكن نوعا من الاندفاع أو التهور، بل هو تنفيذ مدروس لعقيدة متماسكة، وإن كانت مثيرة للجدل. ترفض هذه الاستراتيجية النزعة الدولية الواسعة القائمة على القيم، وتُعلي من شأن المصالح الوطنية الضيقة، معلنة أن "أيام الولايات المتحدة التي كانت تدعم النظام العالمي برمته كمحيط لا ينفذ قد ولّت من غير رجعة"، مما يعني إعطاء الأولوية للسيادة والقوة الاقتصادية والهيمنة الإقليمية على حساب الحفاظ على نظام دولي ليبرالي. ويترجم هذا على أرض الواقع إلى علاقات ثنائية قائمة على المصالح المتبادلة، وشكوك عميقة تجاه القيود القانونية والمؤسسية الدولية.

وفي حين صورت استراتيجيات الأمن القومي السابقة المؤسسات العالمية كمنصات لا غنى عنها لحل المشكلات الجماعية، فإن استراتيجية الأمن القومي لعام 2025 تصورها كساحات يتضاءل فيها النفوذ الأميركي، أو حتى يُقوّض فعليا، من خلال الأيديولوجيات المتنافسة. ويتردد صدى هذا المنظور في وصف الرئيس ترمب المتكرر لمنظمات مثل صندوق الأمم المتحدة للسكان، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، والاتحاد الدولي للحفاظ على الطبيعة، بأنها "بيروقراطيات عالمية" لا تتوافق مع جوهر الأولويات الأميركية.

ربما تكون هناك فرصة في نظام ترمب الجديد للاضطلاع بإصلاح جوهري لنظام دولي يتزايد اختلاله وشلله

إن ما تواجهه منظومة الأمم المتحدة اليوم هو أزمة وجودية ومالية في آن واحد. فقد كانت الولايات المتحدة أكبر مساهم فيها عبر تاريخها، حيث تسهم بنحو 22 في المئة من ميزانيتها الاعتيادية وبـ26 في المئة من مخصصات حفظ السلام. وتقترح ميزانية إدارة ترمب للسنة المالية 2026 إلغاء تمويل معظم هيئات الأمم المتحدة بالكامل، مع حجب المدفوعات التي سبق إقرارها بموجب اعتمادات الكونغرس السابقة. وقد أكد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أن المساهمات المقررة تشكل "التزاما قانونيا بموجب ميثاق الأمم المتحدة"، بيد أن الالتزامات القانونية لا يُعتد بها كثيرا عندما تُخل بها الدولة ذات الاقتصاد الأكبر في العالم.

وتمتد التداعيات لتشمل مجال المساهمات الطوعية، التي تمول الجزء الأكبر من أنشطة الأمم المتحدة التشغيلية، بدءا من مبادرات التخفيف من آثار تغير المناخ مثل برنامج الأمم المتحدة للحد من الانبعاثات الناتجة عن القطع الجائر للغابات وتدهورها (UN-REDD)، مرورا بالتعليم في حالات الطوارئ من خلال مبادرة "التعليم لا ينتظر"، وصولا إلى برامج مكافحة العنف الجنسي في النزاعات. وسينجم عن سحب هذه الأموال تقليص عمليات، وإلغاء مشاريع، وإلحاق ضرر مباشر بالفئات السكانية الضعيفة في جميع أنحاء العالم.

أ ف ب
أعضاء مجلس الأمن يصوتون على قرار وقف إطلاق النار في غزة، 18 سبتمبر 2025

ويخلق هذا الواقع ضرورة ملحة لتحديد آليات تمويل بديلة. وثمة خيارات عديدة جديرة بأن تحظى بدراسة جادة. أولا: يمكن للجمعية العامة مراجعة جداول المساهمات المقررة لإعادة توزيع حصة الولايات المتحدة على الاقتصادات الكبرى الأخرى، وأبرزها الصين التي ارتفعت مساهمتها المقررة إلى حوالي 20 في المئة، بالإضافة إلى القوى الصاعدة مثل الهند والبرازيل ودول الخليج، التي تتجاوز قوتها الاقتصادية مساهماتها الحالية بكثير.

ثانيا: يتعين على المجتمع الدولي مواجهة الضعف الهيكلي الناجم عن الاعتماد المفرط على التمويل الطوعي. وتتسم المساهمات الطوعية بالمرونة السياسية، إلا أنها تخلق في الوقت نفسه تبعية خطيرة لتقلبات الجهات المانحة، وتجعل المؤسسات عرضة لما يصفه الباحثون بـ"الاستيلاء المؤسسي" إذا ما توسع التمويل الخاص دون رادع. ويمكن اعتماد نهج أكثر استدامة يجمع بين الرسوم الإلزامية والرسوم العالمية الموجهة، مثل فرض ضرائب متواضعة على المعاملات المالية، واعتماد آليات تسعير للكربون توجه الإيرادات إلى المؤسسات متعددة الأطراف، أو الرسوم المفروضة على الملاحة البحرية عبر المياه الدولية.

ثالثا: يمكن للمنظمات الإقليمية، كالاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي ورابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) وجامعة الدول العربية، أن تضطلع بمسؤولية أكبر في تمويل عمليات الأمم المتحدة في مناطقها. من شأن هذا النهج أن يؤسس لهيكل مالي أكثر مرونة وعدالة في التوزيع، ويتوافق مع المقترحات القائمة منذ زمن طويل لمنح المنظمات الإقليمية أدوارا معززة ضمن إطار مجلس الأمن.

ما يبدو الآن أزمة حادة، قد يمثل في مفارقة غريبة الحافز الأقوى لإصلاح الأمم المتحدة منذ عقود

وما يبدو الآن أزمة حادة، قد يمثل في مفارقة غريبة الحافز الأقوى لإصلاح الأمم المتحدة منذ عقود. فعلى مدى سنوات، لم تحظَ دعوات تحديث مجلس الأمن ومؤسسات بريتون وودز إلا بتأييد شكلي عبر اعترافات وخطب رنانة. وقد قاوم الأعضاء الدائمون، على وجه الخصوص، الإصلاحات التي قد تضعف مكانتهم المميزة. اليوم، ومع تنحي إحدى ركائز النظام القائم طواعية، قد يبدأ المشهد المتجمد في التحول أخيرا.

تكمن في صميم مطالب الإصلاح الدعوة إلى تمثيل أكثر إنصافا في صنع القرار العالمي، ولاسيما من قبل دول الجنوب العالمي، داخل مجلس الأمن على وجه التحديد. ويفرض الانسحاب الأميركي سؤالا جوهريا: إذا لم يعد النظام قادرا على الاعتماد على ضامنه التقليدي، فهل يحتفظ الهيكل القائم بأي شرعية أو جدوى؟ إن الإصلاح أمر شاق بالتأكيد، لأنه يتطلب إجماعا أثبت التاريخ صعوبة الوصول إليه، إلا أن انعدام القدرة على الدفاع عن الوضع الراهن تزداد يوما بعد يوم.

يشهد النظام الدولي تحولا منذ نهاية الحرب الباردة. وقد تآكل تدريجيا عهد الهيمنة الأميركية المطلقة الذي أعقب تلك الحرب في ظل الصعود الاقتصادي والسياسي للصين، وتنامي نفوذ قوى متوسطة مثل البرازيل والهند والمملكة العربية السعودية. يعمل انسحاب الولايات المتحدة على تسريع هذا التحول، مما يعجل بإعادة توزيع النفوذ العالمي.

أ.ف.ب
عدد من رؤساء ورؤساء وزراء دول العالم يقفون مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء توقيعهم على ميثاق تأسيسي في اجتماع "مجلس السلام" خلال الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس في 22 يناير 2026

واليوم يقف العالم أمام مفترق طريق سوف يحدد كيف ستؤول الأمور في نهاية المطاف: هل ثمة إمكانية لتجديد التعاون متعدد الأطراف، أم إننا سنشهد سيطرة لنظام مجتزأ من ميادين النفوذ المتنافسة. من المؤسف أن استراتيجية ترمب للأمن القومي تتبنى الخيار الثاني صراحة، وتقترح تشكيل مجموعة "الخمسة الأساسيين" التي تضم الولايات المتحدة والصين وروسيا والهند واليابان كمنتدى جديد لإدارة الشؤون العالمية. تشبه هذه الرؤية مؤتمرا حديثا للقوى العظمى، لا يتقيد بالمعايير الديمقراطية، ولا يكترث إلى حد كبير بأصوات الدول الأصغر حجما، وهو احتمال يثير قلقا بالغا لدى دول الجنوب العالمي والدول الأوروبية على حد سواء.

أما البديل فهو تعددية متجددة ومحسَّنة قادرة على توجيه التعددية القطبية نحو الاستقرار بدلا من التشرذم. إلا أن ذلك يتطلب مؤسسات تحظى بشرعية لدى القوى الصاعدة، وهو ما تفتقر إليه هياكل الأمم المتحدة الحالية بشكل واضح. إن مدى قدرة هذه المؤسسات على التكيف يظل سؤالا مفتوحا، غير أن تطورات مثل مبادرة الحزام والطريق الصينية، وتوسع مجموعة البريكس، وانتشار الترتيبات الأمنية الإقليمية، تؤكد على الحاجة الملحة للإصلاح.

البديل هو تعددية متجددة ومحسَّنة قادرة على توجيه التعددية القطبية نحو الاستقرار بدلا من التشرذم

وينطوي التحدي الاستراتيجي الأساسي الذي يواجه المجتمع الدولي على مفارقة جوهرية: تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة دون إثارة غضب أكبر قوة عسكرية واقتصادية في العالم. وهذا يتطلب استجابات مدروسة لا تستسلم للأحادية ولا تثير مواجهة غير مجدية. كما يتطلب اعترافا بأن بعض الانتقادات الأميركية للمؤسسات الدولية تحمل شيئا من الحقيقة. فقد عانت وكالات الأمم المتحدة في بعض الأحيان من عدم الكفاءة والازدواجية وهيمنة المصالح الضيقة. ومن شأن الإصلاح الجاد الذي يعالج أوجه القصور هذه أن يعزز الشرعية المؤسسية، لا أن يضعفها.

وفي الوقت نفسه، لا يصب الانسحاب الأميركي الكامل في مصلحة أي طرف. فالاستجابة الفعالة لتغير المناخ، والأوبئة، وانتشار الأسلحة النووية، والأمن السيبراني، أمور مستحيلة دون مشاركة الولايات المتحدة. لذا، لا بد أن يتلخص الهدف في بناء مؤسسات تتمتع بالمرونة الكافية للعمل دون قيادة أميركية، مع الحفاظ على قدرتها على التكيف لإعادة دمج واشنطن عندما تتغير الظروف السياسية، كما حدث في الماضي، وكما سيحدث مرة أخرى حتما.

باختصار، يشكل انسحاب الولايات المتحدة من المنظمات الدولية أزمة عميقة للحوكمة العالمية. وسوف يسفر نقص التمويل عن تقليص البرامج، وتآكل القدرات المؤسسية، كما أن تخلي دولة عظمى عن التزاماتها التعاهدية يؤسس لسابقة تهدد بتشجيع سلوك مماثل في أماكن أخرى. ولعل الضرر الأشد وطأة على المدى البعيد هو الضرر الرمزي: تآكل الثقة في مفهوم القانون الدولي الملزم نفسه.

بيد أن عالم ما بعد الهيمنة الأميركية لا ينبغي أن يكون عالما بلا تعاون عالمي فعال. إن بناء هذا المستقبل يتطلب اعترافا بأن المؤسسات المصممة لعام 1945 لا يمكنها أن تلبي احتياجات واقع عام 2026 على النحو الأمثل. وتأجيل الإصلاح يتحول سريعا إلى رفض له. لم يعد التعديل التدريجي كافيا؛ فالباب مشرع أمام احتمالين لا ثالث لهما: إما تحول جذري أو تهميش متسارع.

ويحفل التاريخ بأمثلة عن أزمات يمكن أن تحفز إصلاحات لا تستطيع السياسات التدريجية إنجازها. فالأمم المتحدة نفسها ولدت من رحم الدمار الذي خلفته الحرب العالمية الثانية وفشل عصبة الأمم آنذاك. وتتيح هذه القطيعة اليوم فرصة مماثلة لبناء مؤسسات ملائمة لعالم متعدد الأقطاب حقا؛ مؤسسات أكثر تمثيلا، وأكثر مرونة، وأقل اعتمادا على التزام أي قوة أحادية.

فهل يمتلك زعماء العالم اليوم الرؤية والشجاعة اللازمة لاغتنام هذه الفرصة؟ لا مفر من الاعتراف بأن البديل قاتم للغاية: السماح للنظام الدولي بالانقسام إلى ساحات نفوذ متنافسة حيث النتائج ترسمها القوة وحدها؛ بديل لا يمكن قبوله دون مقاومة. وسيحمل العقد القادم الجواب عما إذا كان بإمكان الحوكمة العالمية إعادة ابتكار نفسها، أو ما إذا كان العالم سيستقر في كتل متنافسة لا تتنافس على تقاسم النفوذ فقط، بل على معنى النظام الدولي نفسه.

font change

مقالات ذات صلة