رئيس "مكافحة الكسب غير المشروع" في سوريا يكشف لـ"المجلة" آليات تفكيك شبكة النظام السابق... واستعادة "أموال الشعب"

قال إن اللجنة "ثمرة تطوّر مؤسسي فرضته الظروف التاريخية والتحولات الكبرى"

"المجلة"
"المجلة"
المهندس باسل السويدان

رئيس "مكافحة الكسب غير المشروع" في سوريا يكشف لـ"المجلة" آليات تفكيك شبكة النظام السابق... واستعادة "أموال الشعب"

أثارت لجنة مكافحة الكسب غير المشروع في سوريا كثيرا من الأسـئلة عند السوريين، بدءا من فكرتها، وتاريخها، مرورًا بتعقيدات عملياتها، مثل إجراء تسويات اقتصادية مع تجار وشخصيات كانت تعمل عن قرب مع النظام السوري السابق وبمباركته، وهو ما أثار كثيرا من الغضب، حيث عدّ السوريون هذه التسويات "صكّ براءة" للشخصيات التي شاركت النظام السوري السابق في تجويع السوريين وسلب مواردهم المالية.

الحديث بين السوريين أيضا يتمحور حول الإطار القانوني لعمل اللجنة في سياق التسويات، وتداعيات هذه التسويات وسياسات اللجنة على ملف العدالة الانتقالية، ومحاسبة المتورطين في تعذيب الشعب السوري وتجويعه وقتله على مدار سنوات الثورة السورية. إضافة إلى وجود أسئلة أخرى عن مصير الأصول والأموال التي تستردها اللجنة، وطبيعة الإجراءات التي تتخذها في إطار التحقيق في الأصول المالية للشخصيات المستهدفة، وتفكيك البنية الاقتصادية للنظام السوري السابق، وفوائد ذلك على الاقتصاد السوري وتعافيه، واستعادة حقوق السوريين.

"المجلة" أجرت عدّة لقاءات مع مسؤولين في اللجنة، وحاورت رئيس "اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع" باسل السويدان، الذي أكد لـ"المجلة" أن اللجنة ليست وليدة اللحظة، تعود جذروها إلى محافظة إدلب، وفكرتها تعود إلى الخمسينات من القرن الماضي، موضحا لـ"المجلة" آليات عمل اللجنة، وإطارها القانوني، وإجراءاتها، وحدود اللجنة القانونية، وطبيعة الفئة المستهدفة، وآليات تفكيك شبكة النظام السوري السابق المالية، واستعادة أموال السوريين من تلك الشبكات، ومشيرا إلى أن التسويات التي أُبرمت مع بعض رجال الأعمال، ومنهم سامر الفوز وطريف الأخرس، جاءت في إطار برنامج الإفصاح الطوعي، وأكد أن هذه التسويات لا تمنح حصانة جزائية ولا تمس حقوق الغير، بل تعالج الشق المالي فقط، بينما تبقى بقية المسارات القضائية قائمة وفق اختصاصها.

وفيما يلي نص الحوار الذي أجرته "المجلة" مع رئيس "اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع" باسل السويدان

نشأة اللجنة وإطارها القانوني

* هل يمكنكم أن تحدثونا عن الظروف والعوامل التي قادت إلى فكرة إنشاء اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع؟

- إنشاء لجنة مكافحة الكسب غير المشروع لم يكن وليد لحظة سياسية عابرة، ولم يكن قراراً مفاجئاً منفصلاً عن سياقه؛ بل جاء ثمرةً لمسار تطوّر مؤسسي فرضته الظروف التاريخية والتحولات الكبرى التي شهدتها البلاد سيما بعد التحرير، ويمكن الحديث عن التطور الذي أحاط بهذه اللجنة منذ نشأتها وفق الآتي:

كانت اللجنة قبل التحرير، تعمل تحت اسم اللجنة الاقتصادية في محافظة إدلب، وكانت جزءاً من الهيكل الإداري الذي تولّى إدارة ملفات مالية بالغة الحساسية في ظروف استثنائية بامتياز. وقد اضطلعت في تلك المرحلة بمهام جوهرية ثلاث: أولها التحوّط على أملاك الغائبين قسراً، وثانيها إدارة الأصول المصادرة من أعوان النظام السابق وأذرعه، وثالثها الإشراف على بعض الأملاك التي خرجت عن سيطرة النظام، وذلك كله بقصد توجيه ودعم العوائد لصالح مجموع الشعب. لم تكن هذه المهام سياسية بطبيعتها، بقدر ما كانت ضرورة إدارية ملحّة لضبط الفوضى وحماية الأصول ومنع التعدّي عليها، في سياق انهارت فيه المؤسسات الرسمية عملياً في تلك المناطق.

كان من الضروري توسيع عمل اللجنة الاقتصادية بسرعة لتشمل جميع المحافظات السورية، مع الاعتماد على التوجيهات المسبقة للقيادة والخبرة المتراكمة في إدارة الأصول والتحوّط عليها

* ماذا عن مهام اللجنة وإطارها القانوني بعد انتصار الثورة السورية؟

- في الثامن من ديسمبر/كانون الأول من عام 2024، ومع انطلاق عملية التحرير واجهت البلاد ظرفاً استثنائياً غير مسبوق من حيث السرعة والاتساع الجغرافي لقوات التحرير. وقد برز في تلك اللحظة تحدٍّ بالغ الخطورة، تمثّل في: احتمالات تهريب الأصول والأموال، ومحاولات إخفاء الملكيات والسجلات، وحالة الهروب الجماعي لنواة النظام السابق وأعوانه، فضلاً عن خطر شلل القطاعات الحيوية التي تمسّ حياة المواطنين مباشرةً.

أمام هذا الواقع، كان من الضروري توسيع عمل اللجنة الاقتصادية بسرعة لتشمل جميع المحافظات السورية، مع الاعتماد على التوجيهات المسبقة للقيادة والخبرة المتراكمة في إدارة الأصول والتحوّط عليها. والهدف لم يكن المصادرة في حدّ ذاتها، بل منع تهريب الأموال العامة والمنهوبة، وضمان استمرارية القطاعات الحيوية كالاتصالات والنقل وإمدادات النفط والمصارف، وحماية الاستقرار الاقتصادي من الانهيار.

"المجلة"
نسخة عن قرار الحجز الاحتياطي على املاك بشار الأسد

وبعد مضي ثلاثة أشهر على التحرير، ومع دخول البلاد مرحلةً أكثر استقراراً، توسّعت أعمال اللجنة لتشمل الأشخاص الذين طالتهم عقوبات الاتحاد الأوروبي و"الخزانة" الأميركية، والأسماء المسجّلة ضمن الدوائر الاقتصادية المرتبطة بنواة النظام السابق، والحالات التي ظهرت فيها شبهة كسب غير مشروع تستوجب التحقق المؤسسي. وفي هذه المرحلة، بات الانتقال من الوضع الإداري الاستثنائي إلى وضع قانوني مؤسسي راسخ ضرورةً حتمية لا خياراً، فصدر القرار الرئاسي رقم (13) لعام 2025 المتضمن تشكيل لجنة مكافحة الكسب غير المشروع، بهدف منح اللجنة الغطاء الدستوري والقانوني، وتنظيم أعمالها ضمن إطار منضبط، وتعزيز تعاونها مع الجهات القضائية ومؤسسات الدولة المعنية.

على الصعيد الدولي، تُشكّل اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (UNCAC)، التي دخلت حيّز النفاذ عام 2005، المرجعية المعيارية الأبرز

إنَّ تشكيل اللجنة لم يكن توسيعاً للصلاحيات، بقدر ما كان تقنيناً للممارسة وتحويلها إلى إطار قانوني واضح، يضمن العدالة، ويمنع التسييس، ويُخضع العمل للرقابة والمساءلة.

* هل اعتُمد في فكرة إحداث اللجنة على تجارب مماثلة سابقة في سوريا أو في دول أخرى؟

- إنَّ فكرة إحداث لجنة لمكافحة الكسب غير المشروع في سوريا ليست مستجدة، وليست مستوردة من الخارج؛ فلها جذور قانونية سورية راسخة، كما تتقاطع مع تجارب دولية رائدة في هذا المجال، ويمكن الحديث عن ذلك من الناحية التاريخية. حيث عرفت سوريا سابقاً آليات مشابهة للمساءلة عن تضخم الثروات غير المبرر؛ إذ صدرت تشريعات في هذا الاتجاه منذ عام 1958، ثم عادت الفكرة بقوة عام 1977 بتشكيل لجنة اشتُهرت بلجنة "من أين لك هذا"، التي ارتبطت بمبدأ مساءلة من تتضخم أموالهم بصورة لا تتناسب مع دخلهم المشروع. والمبدأ القانوني بسيط في جوهره: حين تتضخم ثروة شخص تضخماً كبيراً لا يتناسب مع دخله المعروف، يصبح ملزماً بتقديم تفسير مشروع ومقنع لمصدر تلك الزيادة. ومن ثَمَّ، فإنَّ اللجنة الحالية لا تشكّل حالة مستجدة في التاريخ التشريعي السوري، بل تمثّل تطويراً مؤسسياً لفكرة راسخة، غير أنها تُصاغ اليوم ضمن إطار واضح ومنضبط عكس ما كانت عليه زمن النظام البائد.

وعلى الصعيد الدولي، تُشكّل اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (UNCAC)، التي دخلت حيّز النفاذ عام 2005، المرجعية المعيارية الأبرز في هذا الشأن. وتنصّ مادتها العشرون المعنونة بـ"الإثراء غير المشروع" على دعوة الدول الأطراف إلى اعتماد تدابير تشريعية تجرّم الزيادة الكبيرة غير المبرّرة في أصول الموظف العمومي قياساً إلى دخله المشروع. وتبرز أهمية هذه المادة في أنها تعترف قانونياً بمفهوم تضخم الثروة غير المبرر، وتربط المساءلة بالنتيجة المالية لا بالفعل الجرمي وحده، مع إتاحة المجال لكل دولة لتنظيم هذا المفهوم وفق منظومتها القانونية الوطنية.

وإلى جانب هذا الإطار الدولي، ثمة تجارب عملية جديرة بالإشارة، في مقدمتها "هيئة التحقيق المستقلة لمكافحة الفساد" في هونغ كونغ (ICAC)، التي جمعت بين التحقيق والوقاية والتوعية، وتجربة "مكتب التحقيق في ممارسات الفساد" في سنغافورة (CPIB)، الذي يتمتع بصلاحيات واسعة في تتبع تضخم الثروات المرتبطة بالوظيفة العامة، فضلاً عن نماذج أوروبية عززت آليات مساءلة الإثراء غير المشروع وربطتها بمنظومة الشفافية المالية والتصريح بالممتلكات. غير أنّ المؤكّد أننا لم نستنسخ أي نموذج خارجي حرفياً، بل استثمرنا تلك التجارب مرجعيةً معياريةً، وبنينا على أساسها نموذجاً وطنياً يتلاءم مع خصوصية المرحلة السورية ومتطلباتها.

* ما المرتكزات التي تستند إليها اللجنة؟

- تستند لجنة مكافحة الكسب غير المشروع في سوريا إلى ثلاثة مرتكزات متكاملة:

1- إرث تشريعي سوري أصيل في مساءلة الإثراء غير المبرر.

2- خبرة عملية تراكمت وتطورت خلال المرحلة الانتقالية.

3- انسجام تام مع المعايير الدولية ولا سيما المادة العشرين من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.

اعتماد مفهوم التسويات، وهو بالحقيقة إجراء علاجي للكسب غير المشروع، لم يكن خطوةً ارتجالية، بل استند إلى دراسات وتجارب دولية مستخلصة من تجارب الدول الخارجة من النزاعات

والهدف من كل ذلك ترسيخ مبدأ بسيط وراسخ: لا أحد فوق المساءلة، ولا ثروة بلا مصدر مشروع، والعدالة لا تُبنى إلا بإعادة التوازن إلى الاقتصاد الوطني.

* تحدثتم عن تحدٍّ بالغ الخطورة تمثّل في احتمالات تهريب الأصول والأموال؟

- أي تأخير يمنح فرصة إضافية لتهريب الأصول أو نقلها بطرق صورية، قد يؤدي إلى تشوهات في السوق وبيع أصول بأسعار زهيدة تضر بالمنافسة العادلة وتُربك البيئة الاستثمارية. واللجنة تعمل وفق مبدأ السرعة المنضبطة قانوناً، حمايةً للاقتصاد الوطني ومنعاً لتوريط أطراف أخرى في معاملات قد يتبيّن لاحقاً ارتباطها بالكسب غير المشروع.

المستهدفون من قبل اللجنة وحدود صلاحياتها

* ما الشريحة التي تستهدفها اللجنة بشكل رئيس؟

- لا تستهدف اللجنة في الواقع فئة اجتماعية أو سياسية بعينها كما قد يظن بعضهم، بل تعمل ضمن نطاق قانوني محدد يرتكز على مفهوم المساءلة عن الكسب غير المشروع. وتشمل الشريحة الخاضعة لاختصاص اللجنة بصورة رئيسة: أصحاب المناصب العامة ممن تولّوا مواقع قيادية أو إدارية ذات تأثير مباشر في المال العام أو القرار الاقتصادي، والموظفين المدنيين والعسكريين الذين شغلوا مواقع مكّنتهم من إدارة الموارد العامة أو التأثير في منح الامتيازات والعقود، والعاملين في مؤسسات الدولة وفق ما هو منصوص عليه في قانون العقوبات الاقتصادية وتعديلاته، سواء في القطاع العام أو المشترك. أما بالنسبة للقضاة، فهم يخضعون لأطر مساءلة قانونية وإجرائية خاصة بهم. وتمتد صلاحية اللجنة لتشمل الشركاء والمتدخلين والمتعاونين ممن لم يكونوا ضمن الفئات المذكورة، ولكن ثبت ارتباطهم بشبكات مالية مرتبطة بالكسب غير المشروع، وكل من ترى اللجنة ضرورة شموله باختصاصها استناداً إلى معطيات موضوعية تتعلق بتضخم غير مبرر في الثروة. والمعيار في كل ذلك ليس الانتماء، بل وجود شبهة جدية تستوجب التحقق.

"المجلة"
نسخة عن قرار الحجز الاحتياطي على املاك ماهر الأسد

* عن ماذا تكون المساءلة؟

- المساءلة التي تضطلع بها اللجنة محصورة بالكسب غير المشروع، أي الزيادة الكبيرة وغير المبرّرة في الأموال أو المنافع قياساً إلى الدخل المشروع المعروف والمحدد. أما القضايا الجرمية الأخرى وحقوق الأفراد ومسارات العدالة الانتقالية، فهي حقوق قائمة لا تسقط عن أحد، سواء خضع للمصادرة الكاملة أم استفاد من استرداد للكسب غير المشروع ما أطلق عليه (التسوية المالية).

وقد أعلنّا بوضوح عن برنامج الإفصاح الطوعي ومعالجة واستراد الكسب غير المشروع ما سميت (التسويات المالية) لمدة ستة أشهر تنتهي في يونيو/حزيران 2026، وهو مسار مالي قانوني لمعالجة الكسب غير المشروع، لكنه لا يُغلق بقية المسارات القضائية أو القانونية ولا يحول دونها.

* كيف تم اعتماد مفهوم التسويات وما دلالته؟

- اعتماد مفهوم التسويات، وهو بالحقيقة إجراء علاجي للكسب غير المشروع، لم يكن خطوةً ارتجالية، بل استند إلى دراسات وتجارب دولية مستخلصة من تجارب الدول الخارجة من النزاعات، حيث أثبتت التجربة أنَّ الإفصاح الطوعي المنظَّم ضمن إطار مؤسسي صارم يُشكّل أداةً فعّالة لإعادة ضبط الاقتصاد وبناء الثقة المفقودة. والمفهوم المعتمد هو الصفح الاقتصادي المسؤول: والذي يفضي إلى استرداد الجزء الأكبر من الأموال غير المشروعة، وإعادة النشاط الاقتصادي إلى النظام الرسمي، وطيّ الصفحة المالية دون المساس بحقوق الدولة أو القضاء أو الضحايا. ولهذا جرت مأسسة العملية بالكامل عبر دليل رسمي لما سمي بالتسويات يُنظّم شروط العفو الاقتصادي ومراحل الإفصاح والتدقيق والنسب التي يتوجب استردادها للدولة والحقوق والالتزامات والضمانات ومعايير الشفافية ومنع الاستنسابية. فالتسوية ليست تفاوضاً سياسياً أو ارتجالياً، بل هي إجراء قانوني اقتصادي مضبوط بمعايير واضحة لا تقبل التأويل نتيجته استرداد المال العام.

التسويات سرّعت نقل الملكية بصورة مباشرة للدولة بعد سنوات من التشابك القانوني

* ماذا في حال تعثّرت عملية التسوية؟

- اللجنة تنتقل فوراً إلى المسار القانوني الكامل، والذي يشمل تثبيت الإجراءات الاحترازية، واستكمال التحقيق المالي والفني، وإحالة الملف إلى القضاء المختص عند توافر الشبهة الجرمية، التسوية فرصة منظمة ضمن إطار زمني محدد، وليست إعفاءً دائماً أو حصانة مطلقة.

* في بعض التسويات كان هناك تحديد نسبة للأموال والأصول المُحصّلة (80 في المئة)، كيف يتم تحديد النسبة؟

- تحديد نسبة 80 في المئة في بعض التسويات استند إلى نتائج التدقيق المالي المتخصص، وتقييم القيمة السوقية للأصول، ومدى التعاون وصدق الإفصاح، مع مراعاة المصلحة العامة. تسوية سامر الفوز تضمنت نقل ملكية 32 شركة وأصول متنوعة، شملت شركات صلب وإسمنت وحديد وطيران، وشركات غذائية وهندسية وخرسانة، إضافة إلى فنادق ومطاعم ومنشآت سياحية، وحصص وأسهم في شركات تعدين وفوسفات، وأسهم في بنك سوريا الدولي الإسلامي وبنك سوريا والخليج وغيرهما، وقد تم تحويل كامل هذه الأصول والمبالغ المحصلة إلى صندوق التنمية عبر الصندوق السيادي بهدف إدارتها واستثمارها بما يخدم الاقتصاد الوطني، دون عرضها للبيع.

* ماذا عن التسوية التي تمت مع عائلة الأخرس، عائلة أسماء الأخرس (الأسد)؟

- التسوية مع طريف الأخرس تمت وفق الإجراءات الرسمية المعتمدة، أما الأصول المرتبطة بعائلة فواز الأخرس فقد اتُّخذت بحقها إجراءات تحفظية كاملة شملت الحجز على الأصول محل الاشتباه، وذلك حمايةً للمال العام وضماناً لسلامة التحقيقات، الإجراءات التحفظية لا تعني حكماً نهائياً، بل تهدف إلى منع نقل الملكية أو تهريب الأصول إلى حين استكمال المسار القانوني.

* الأصول المصادرة ما مسارها؟

- المصادرة تُثبت قانوناً عبر الجهات المختصة، والتسويات سرّعت نقل الملكية بصورة مباشرة للدولة بعد سنوات من التشابك القانوني، هذه الأصول ستُدار وتُستثمر ضمن قنوات مؤسسية رسمية، بما يحافظ على قيمتها الإنتاجية ويمنع تآكلها أو استغلالها بطرق غير مشروعة.

حق الدفاع مكفول دستورياً، واللجنة تحترم هذا الحق بشكل كامل، إلا أن كثافة الإجراءات الشكلية أو محاولات إطالة أمد التقاضي لا تغيّر من جوهر المساءلة

* كم يبلغ العدد التقريبي للأشخاص الذين يجري التدقيق في أمرهم؟ وما طبيعة الإجراءات المتّبعة؟

- في الحقيقة العدد يُقدَّر بالآلاف. والنواة الأولى التي انطلقنا منها، وهي الدائرة المرتبطة بالنظام السابق التي شملتها عقوبات قانون "قيصر" والعقوبات الأوروبية، كانت بالمئات، لكنَّ الشبكات المتشعبة منها امتدت بعيداً داخل البلاد وخارجها. ومع استمرار التحقيقات، تتكشّف باستمرار امتدادات جديدة لم تكن بادية في بداية الأمر.

ويُساعدنا في ذلك نظام الإبلاغ المفعَّل عبر الموقع الرسمي للجنة (IGCC.gov.sy)، وآليات تحليل البيانات، ونظام الإفصاح الطوعي المتوافق مع توصيات الأمم المتحدة، الذي يُتيح لمن يرغب فرصة الإقرار بعلاقته بالكسب غير المشروع ومعالجتها وفق الأطر القانونية المعتمدة.

* ما الإجراءات التي تعتمدها اللجنة أثناء عملية المساءلة والتحقيق؟

- الإجراءات التي تعتمدها اللجنة هي إجراءات احتياطية وتدابير احترازية نصَ عليها قرار إحداثها، وتشمل: طلب منع التصرف والحجز الاحتياطي على الأموال والأصول من الجهات القضائية والتنفيذية المختصة، وشمول أفراد العائلة عند وجود مؤشرات على نقل أصول بأسمائهم منعاً لتهريب الأموال، وطلب منع السفر إلى حين انتهاء التحقيقات، وإصدار القرارات اللازمة بحق المشتبه في تورطهم بالكسب غير المشروع. والغاية من كل ذلك ليس العقاب المسبق، بل صون الأصول وضمان سلامة التحقيق.

"المجلة"
نسخة عن قرار الحجز الاحتياطي على املاك عائلة الأخرس

* هناك حديث عن سباق بين اللجنة والفرق القانونية للشخصيات الذين يتم التحقيق معهم؟

- حق الدفاع مكفول دستورياً، واللجنة تحترم هذا الحق بشكل كامل، إلا أن كثافة الإجراءات الشكلية أو محاولات إطالة أمد التقاضي لا تغيّر من جوهر المساءلة، التي تقوم على معيار واضح: قدرة الشخص على تقديم تفسير مشروع ومقنع لمصدر تضخم ثروته. اللجنة تعتمد على تحليل مالي موضوعي مدعوم بخبراء تحقيق، وليس على الانطباعات أو الادعاءات.

* هل يؤثر عمل اللجنة على مسارات السلم الأهلي والعدالة الانتقالية والقضاء ومؤسسات إنفاذ القانون؟

- نحن في تنسيق وتعاون وثيق مع لجنة السلم الأهلي والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية والقضاء السوري وجميع مؤسسات الدولة المعنية، إضافةً إلى وزارات المالية والداخلية والعدل ومصرف سوريا المركزي. ونعتبر أنفسنا شريكاً فاعلاً في تحقيق السلم الأهلي، وفق الرؤية التي أرستها عملية التحرير تحت شعار "نصر بلا ثأر".

عمل اللجنة يستند إلى إجراءات قانونية واحترازية واضحة لا تتجاوز حدود اختصاص القضاء ومؤسسات الدولة

ولهذا لجأنا إلى مسار الإفصاح الطوعي وفتح باب التسويات المالية ضمن إطار قانوني محدد، لأنَّ هدفنا ليس الانتقام، بل إعادة التوازن إلى الاقتصاد الوطني واسترداد المال العام وتهيئة البيئة الملائمة للعدالة الانتقالية. ومكافحة الكسب غير المشروع، في هذا السياق، ليست أداة تصفية حسابات، بل ركيزة من ركائز الإصلاح المؤسسي الذي يُعيد الثقة بالدولة ويفصل بين المساءلة القانونية والانتقام السياسي.

إن اللجنة تمارس مهامها من خلال التحقيق والتقصي المالي، وجمع وتحليل البيانات المصرفية، وتتبع التدفقات المالية المشبوهة داخلياً وخارجياً، ومقارنة الملكيات الفعلية بالمداخيل المشروعة وفق مبدأ "من أين لك هذا؟". إضافة إلى اتخاذ الإجراءات الاحترازية لحماية المال العام، وذلك دون أن تحل محل القضاء، إذ تُحال الملفات إلى النيابة العامة عند ثبوت الشبهة الجرمية، بما يضمن التوازن بين استرداد الأموال العامة وصون العدالة الجنائية وحقوق الدفاع.

شبكات النظام السابق وداعميه تحت المجهر

* اللجنة تفكّك شبكات النظام وداعميه الاقتصاديين.. ماذا يمكنكم إخبارنا عن تعقيدات عمليات التتبع والملاحقة؟

- إن تفكيك الشبكات الاقتصادية المرتبطة بالنظام السابق ليس عملاً تقنياً بسيطاً، بل هو عملية بالغة التعقيد ومتعددة المراحل. فنحن لا نتعامل مع أفراد منفصلين، بل مع منظومات مالية تشكّلت وتجذّرت عبر عقود، واعتمدت على شركات واجهة وشركاء صوريين وتوزيع الأصول على أفراد الأسرة والأقارب، وتحويلات مالية متشابكة ممتدة داخل البلاد وخارجها. وغالباً ما تبدو كل حلقة في هذه الشبكات مستقلة قانونياً، بينما هي في الحقيقة جزء من بنية مالية مترابطة ومحكمة. ومن ثَمَّ، فإنَّ التحدي الجوهري لا يقف عند تحديد الأشخاص، بل يتجاوز ذلك إلى الكشف عن البنية الكاملة التي مكّنت من تضخيم الثروات. يُضاف إلى ذلك ما واجهناه من محاولات سابقة لإخفاء الملكيات الحقيقية ونقل الأصول إلى أطراف ثالثة، خاصة خلال الأيام الأولى التي أعقبت التحرير.

* هل هناك إجراءات معينة تتم أثناء عملية النظر والتفكيك هذه؟ 

- سبق وأكدنا أن عمل اللجنة يستند إلى إجراءات قانونية واحترازية واضحة لا تتجاوز حدود اختصاص القضاء ومؤسسات الدولة. إذ تبدأ العملية عادةً بتحليل المعلومات الأولية، سواء كانت مستندة إلى العقوبات الدولية أو البيانات الرسمية أو البلاغات الواردة أو الإفصاح الطوعي. تليها مرحلة بناء خريطة ارتباطات مالية واقتصادية لرصد العلاقات بين الأشخاص والكيانات والأصول، ثم التدقيق المالي والقانوني المتقاطع لمقارنة حجم الأصول بالدخل المشروع المعروف، وصولاً إلى طلب الإجراءات التحفّظية عبر الجهات المختصة، من منع تصرف وحجز احتياطي ومنع سفر، لحماية الأصول إلى حين انتهاء التحقيق. واللجنة لا تصدر أحكاماً جزائية، بل تُحيل الملفات إلى القضاء عند توافر المعطيات الكافية.

برنامج الإفصاح الطوعي آلية عفو اقتصادي منظَّمة أطلقتها لجنة مكافحة الكسب غير المشروع لمعالجة إرث الكسب غير المشروع ضمن إطار قانوني واقتصادي منضبط

* ما طبيعة الأولويات أثناء عملية التفكيك؟ من الأعلى إلى الأسفل أم بالعكس؟

- نحن لا نعمل وفق منهج سياسي، بل وفق منهج تحليلي مرن. في بعض الحالات نبدأ من النواة العليا التي كانت تتحكم في المفاصل الاقتصادية الكبرى ونتتبع امتداداتها نزولاً. وفي حالات أخرى، تقودنا شبكة فرعية أو عقدة مالية صغيرة إلى كشف ارتباطات أعلى وأشد تأثيراً. بمعنى آخر، نعمل في الاتجاهين معاً، والهدف تفكيك البنية لا مجرد ملاحقة أسماء بعينها.

* ماذا يستفيد السوريون من هذه العملية؟ 

- الفائدة الجوهرية هي حماية الاقتصاد الوطني ومنع إعادة إنتاج المنظومة المالية السابقة. فتفكيك تلك الشبكات يعني: منع استمرار النفوذ الاقتصادي غير المشروع، وإعادة إدماج الأصول في الاقتصاد النظامي، وتعزيز ثقة المواطنين والمستثمرين، وترسيخ مبدأ المساءلة بعيداً عن الفوضى أو الانتقام. ومن دون تفكيك البنية الاقتصادية غير المشروعة، يظل أي إصلاح مبتوراً وغير مستدام.

* ما حدود اللجنة القانونية في الحصول على المعلومات؟ وكيف تتعاملون مع البلاغات؟

- اللجنة تعمل ضمن الحدود التي رسمها قرار إحداثها، ولا تمتلك صلاحيات مفتوحة خارج الإطار القانوني. ويجري الحصول على المعلومات عبر طلبات رسمية إلى الجهات المالية والمصرفية المختصة وفق القانون، والتعاون مع الجهات القضائية، وتبادل المعلومات المؤسسي المشروع. وتقبل اللجنة البلاغات الواردة من المواطنين والمؤسسات باعتبارها أحد مصادر المعلومات المهمة، غير أنها لا تُقيم أي إجراء على بلاغ منفرد ما لم يتقاطع مع معطيات استقصائية ومالية دقيقة، ويخضع للتحليل من قِبَل خبراء تحقيق وخبراء ماليين مختصين. ويجري استدعاء المشتبه بهم للتحقيق المباشر إن كانوا داخل البلاد، أو التواصل معهم عبر وكلائهم القانونيين في حال وجودهم خارجها، وذلك ضماناً للتحقق العادل قبل اتخاذ أي إجراء. فمكافحة الكسب غير المشروع لا تقوم على الاتهام الإعلامي، بل على التحقق المهني المتكامل.

"المجلة"
نسخة عن قرار الحجز الاحتياطي على املاك منصور عزام

* برنامج الإفصاح الطوعي كيف نشأ وما فائدته؟

- برنامج الإفصاح الطوعي آلية عفو اقتصادي منظَّمة أطلقتها لجنة مكافحة الكسب غير المشروع لمعالجة إرث الكسب غير المشروع ضمن إطار قانوني واقتصادي منضبط. وقد جاء إطلاقه استجابةً لجملة من الاعتبارات المتكاملة: معالجة التراكمات الاقتصادية الناجمة عن تداخل المال بالسلطة في المرحلة السابقة، ووقف اقتصاد الظل وإنهائه، وإعادة إدماج رأس المال في الدورة الاقتصادية النظامية، ودعم السلم الأهلي عبر مسار اقتصادي مسؤول يوازن بين المساءلة والاستقرار.

عمل اللجنة يجري في تنسيق وثيق مع لجنة السلم الأهلي والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، إضافة إلى القضاء السوري ووزارات المالية والعدل والداخلية ومصرف سوريا المركزي

والبرنامج في جوهره إجراء اقتصادي بحت، يقوم على استرداد للكسب غير المشروع ما يسمى "التسوية المالية" وعفو اقتصادي مشروط، ولا يمنح أي حصانة جنائية أو سياسية، ولا يُسقط حقوق الغير. أما إطاره الزمني، فقد فُتح باب الإفصاح اعتباراً من مطلع عام 2026 لمدة ستة أشهر تنتهي في يونيو/حزيران 2026.

* ما إمكانية تمديده بعد شهر يونيو القادم؟

- فيما يخص إمكانية التمديد، فالمبدأ هو الالتزام بالإطار الزمني المحدد ضماناً للجدية، وأي قرار بالتمديد يخضع لتقييم النتائج ومدى تحقق الأهداف المرسومة، ولن يصدر إلا بقرار رسمي إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك.

اللجنة تعالج حالياً مئات طلبات الإفصاح الطوعي، وسيُعلن عن نتائجها تباعاً بعد استكمال الإجراءات القانونية والتدقيق المالي، عمل اللجنة يجري في تنسيق وثيق مع لجنة السلم الأهلي والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، إضافة إلى القضاء السوري ووزارات المالية والعدل والداخلية ومصرف سوريا المركزي، وذلك لضمان أن تكون معالجة الكسب غير المشروع جزءاً من مسار وطني شامل يحقق الاستقرار ويوازن بين المساءلة والإصلاح.

font change