أثارت لجنة مكافحة الكسب غير المشروع في سوريا كثيرا من الأسـئلة عند السوريين، بدءا من فكرتها، وتاريخها، مرورًا بتعقيدات عملياتها، مثل إجراء تسويات اقتصادية مع تجار وشخصيات كانت تعمل عن قرب مع النظام السوري السابق وبمباركته، وهو ما أثار كثيرا من الغضب، حيث عدّ السوريون هذه التسويات "صكّ براءة" للشخصيات التي شاركت النظام السوري السابق في تجويع السوريين وسلب مواردهم المالية.
الحديث بين السوريين أيضا يتمحور حول الإطار القانوني لعمل اللجنة في سياق التسويات، وتداعيات هذه التسويات وسياسات اللجنة على ملف العدالة الانتقالية، ومحاسبة المتورطين في تعذيب الشعب السوري وتجويعه وقتله على مدار سنوات الثورة السورية. إضافة إلى وجود أسئلة أخرى عن مصير الأصول والأموال التي تستردها اللجنة، وطبيعة الإجراءات التي تتخذها في إطار التحقيق في الأصول المالية للشخصيات المستهدفة، وتفكيك البنية الاقتصادية للنظام السوري السابق، وفوائد ذلك على الاقتصاد السوري وتعافيه، واستعادة حقوق السوريين.
"المجلة" أجرت عدّة لقاءات مع مسؤولين في اللجنة، وحاورت رئيس "اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع" باسل السويدان، الذي أكد لـ"المجلة" أن اللجنة ليست وليدة اللحظة، تعود جذروها إلى محافظة إدلب، وفكرتها تعود إلى الخمسينات من القرن الماضي، موضحا لـ"المجلة" آليات عمل اللجنة، وإطارها القانوني، وإجراءاتها، وحدود اللجنة القانونية، وطبيعة الفئة المستهدفة، وآليات تفكيك شبكة النظام السوري السابق المالية، واستعادة أموال السوريين من تلك الشبكات، ومشيرا إلى أن التسويات التي أُبرمت مع بعض رجال الأعمال، ومنهم سامر الفوز وطريف الأخرس، جاءت في إطار برنامج الإفصاح الطوعي، وأكد أن هذه التسويات لا تمنح حصانة جزائية ولا تمس حقوق الغير، بل تعالج الشق المالي فقط، بينما تبقى بقية المسارات القضائية قائمة وفق اختصاصها.
وفيما يلي نص الحوار الذي أجرته "المجلة" مع رئيس "اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع" باسل السويدان
نشأة اللجنة وإطارها القانوني
* هل يمكنكم أن تحدثونا عن الظروف والعوامل التي قادت إلى فكرة إنشاء اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع؟
- إنشاء لجنة مكافحة الكسب غير المشروع لم يكن وليد لحظة سياسية عابرة، ولم يكن قراراً مفاجئاً منفصلاً عن سياقه؛ بل جاء ثمرةً لمسار تطوّر مؤسسي فرضته الظروف التاريخية والتحولات الكبرى التي شهدتها البلاد سيما بعد التحرير، ويمكن الحديث عن التطور الذي أحاط بهذه اللجنة منذ نشأتها وفق الآتي:
كانت اللجنة قبل التحرير، تعمل تحت اسم اللجنة الاقتصادية في محافظة إدلب، وكانت جزءاً من الهيكل الإداري الذي تولّى إدارة ملفات مالية بالغة الحساسية في ظروف استثنائية بامتياز. وقد اضطلعت في تلك المرحلة بمهام جوهرية ثلاث: أولها التحوّط على أملاك الغائبين قسراً، وثانيها إدارة الأصول المصادرة من أعوان النظام السابق وأذرعه، وثالثها الإشراف على بعض الأملاك التي خرجت عن سيطرة النظام، وذلك كله بقصد توجيه ودعم العوائد لصالح مجموع الشعب. لم تكن هذه المهام سياسية بطبيعتها، بقدر ما كانت ضرورة إدارية ملحّة لضبط الفوضى وحماية الأصول ومنع التعدّي عليها، في سياق انهارت فيه المؤسسات الرسمية عملياً في تلك المناطق.



