ثروات الجزيرة السورية … ماهي؟ ماذا تعني عودتها للدولة؟

90 في المئة من نفط سوريا وقطاع زراعي غني ينتظر ثبات والاستثمار

"المجلة"
"المجلة"

ثروات الجزيرة السورية … ماهي؟ ماذا تعني عودتها للدولة؟

لم يكن خروج قوات سوريا الديمقراطية "قسد" من منطقة الجزيرة مجرد تحول عسكري عابر، بل لحظة مفصلية تعيد رسم خريطة النفوذ والاقتصاد في سوريا. فبعودة هذه المنطقة إلى دائرة سيطرة الدولة، تستعيد دمشق واحدة من أكثر مناطق الجغرافيا ثقلا اقتصاديا واستراتيجيا، في البلاد، وذلك بما تحمله من ثروات نفط وغاز، ومساحات زراعية تشكل العمود الفقري للأمن الغذائي.

يفتح هذا التطور الباب أمام رهانات اقتصادية، لبداية الخروج من وطأة ما خلفته سنوات الحرب، كما يطرح تساؤلات عن قدرة الدولة على استثمار ثرواتها، وترجمة ذلك في مؤشرات الاقتصاد عبر تحريك عجلة الإنتاج، وخفض الاعتماد على الاستيراد، وإعادة وصل ما انقطع بين الاقتصاد السوري وموارده الأساس.

وفي هذا الاطاريؤكد عدد من المسؤولين السوريين أن عودة منطقة الجزيرة إلى سلطة الدولة ستنعكس إيجابا على الوضع الاقتصادي في البلاد. واعتبر وزير المالية محمد يسر برنيه، أن استعادة السيطرة على منطقة الجزيرة في شمال شرق سوريا منعطف حاسم يحمل مكاسب اقتصادية وسياسية واجتماعية. وأوضح أن إعادة دمج المنطقة في مؤسسات الدولة من شأنه أن يعزز الإيرادات العامة، ويدعم مشاريع الإعمار والتنمية، ويبعث برسالة استقرار تطمئن المستثمرين المحليين والدوليين.

من جهته، قال وزير الطاقة السوري، محمد البشير، إن استعادة موارد المنطقة ووضعها تحت سلطة الدولة "تعني فتح الباب واسعا أمام إعادة الإعمار، وتنشيط الزراعة والطاقة والتجارة".

تعتبر منطقة الجزيرة بأنها "سلة غذاء" سوريا، نظرا لثقلها الزراعي. ففي عام 2011، بلغ إنتاجها من القمح نحو 2,15 مليون طن، ما يعادل 55 في المئة من إجمالي إنتاج البلاد، فيما وصل إنتاج القطن إلى نحو 523 ألف طن

أما محافظ مصرف سوريا المركزي، عبد القادر الحصرية، فشدد على أن إعادة الموارد إلى الإطار المؤسسي تشكل مدخلا ضروريا لاستعادة التوازن النقدي وتعزيز فاعلية أدوات الإدارة المالية.

سلة غذاء ومركز النفط السوري

تضم منطقة الجزيرة مواد أولية أساسية مثل النفط والغاز، إلى جانب أهم المحاصيل الزراعية وفي مقدمتها القمح والقطن. غير أن هذه المنطقة عانت تاريخيا من ضعف البنى التحتية والمؤسسات القادرة على تحويل المواد الخام إلى سلع استهلاكية، مثل المصافي، والمطاحن، والمصانع التي تحول الإنتاج الزراعي إلى منتجات غذائية.

أ.ف.ب.
جرار زراعي يحصد حقول القمح في الرقة، 23 مايو 2024

وغالبا ما وصفت منطقة الجزيرة بأنها "سلة غذاء" سوريا، نظرا لثقلها الزراعي. ففي عام 2011، بلغ إنتاجها من القمح نحو 2,15 مليون طن، ما يعادل 55 في المئة من إجمالي إنتاج البلاد، فيما وصل إنتاج القطن إلى نحو 523 ألف طن، أي نحو 78 في المئة من الإنتاج الوطني في ذلك العام.

لكن الأهم أن الجزيرة تعد منطقة استراتيجية بفضل تركز موارد النفط والغاز فيها: نحو 90 في المئة من ثروة سوريا النفطية، مع مساهمة محافظة الحسكة بالنصيب الأكبر من الإنتاج الوطني، إضافة إلى 45 في المئة من الغاز الطبيعي، بما في ذلك حقل "كونوكو" الذي كان ينتج 13 مليون متر مكعب يوميا عام 2011، قبل أن يتوقف عن العمل.

وتقدر الاحتياطيات المؤكدة من النفط في سوريا بنحو 2,5 مليار برميل، ومن الغاز بنحو 240 مليار متر مكعب. وقبل عام 2011، بلغ إنتاج النفط 385 ألف برميل يوميا، يصدر منه نحو 180 ألف برميل، فيما وصل إنتاج الغاز الطبيعي إلى 30 مليون متر مكعب يوميا. وقد ساهم قطاعا النفط والغاز عام 2010 بنحو 35 في المئة من عائدات التصدير و20 في المئة من الإيرادات، وكانا المصدر الأهم للعملات الأجنبية. على الرغم من ذلك، أصبحت سوريا منذ عام 2007 مستوردا صافيا للنفط نتيجة تراجع القدرة الإنتاجية منذ العقد الأول من الألفية وارتفاع الطلب المحلي الذي قدر بـ305 آلاف برميل يوميا عام 2010. كما أسهم قطاعا النفط والغاز في دعم قطاعات النقل والخدمات اللوجستية والصناعات المرتبطة بالطاقة.

باتت الحكومة في دمشق تسيطر على إنتاج النفط، مما يرفع قدرتها على زيادة الإنتاج من مستوى تراوح سابقا بين 10 آلاف و30 ألف برميل يوميا إلى ما بين 100 ألف و120 ألف برميل يوميا

وثمة عنصر آخر لا يقل أهمية، يتمثل في السيطرة على سد الطبقة، أكبر منشأة كهرومائية في سوريا، الذي يوفر الكهرباء والري لمساحات واسعة من شمال البلاد وشرقها، فضلا عن أهمية التحكم بالمعابر الحدودية، وما يتيحه ذلك من تأثير مباشر في حركة التجارة والإمدادات.

ثروة استراتيجية دونها تحديات

إزاء هذا الواقع الجديد، باتت الحكومة في دمشق تسيطر بالكامل على إنتاج النفط، مما يرفع قدرتها على زيادة الإنتاج من مستوى تراوح سابقا بين 10 آلاف و30 ألف برميل يوميا إلى ما بين 100 ألف و120 ألف برميل يوميا.

كذلك، يفترض أن تتمكن السلطات السورية من زيادة إنتاجها من الغاز، وبالتالي خفض اعتمادها على الجهات الخارجية في استيراد النفط والغاز، مما يسهم في رفع إيرادات الدولة وتقليص عجز الميزان التجاري، المقدر بين 3 و4 مليارات دولار. وقد يسهم ذلك أيضا، ولو جزئيا، في تخفيف الضغط على العملة الوطنية. كما أن التكرير المحلي للنفط أقل تكلفة من استيراد المشتقات النفطية من الخارج، في حين تبقى الواردات خاضعة للأسعار التي تفرضها الاسواق. وفي الوقت نفسه، قد يتيح هذا التطور توسيع القدرة على إنتاج الكهرباء وتقليص الاعتماد، ولو بشكل طفيف، على استيرادها من الخارج، لتغطية الاستهلاك الوطني على المديين القصير والمتوسط.

أ.ف.ب.
مضخة نفط في حقل الرميلان، شمال سوريا بالقرب من الحدود التركية، 8 يناير 2025

وعلى الرغم من اتساع السيطرة على إنتاج النفط والغاز، ستظل سوريا معتمدة على استيراد جزء من احتياجاتها لتغطية الاستهلاك الوطني في المديين القصير والمتوسط، ولن تكون قادرة على تصدير كميات كبيرة من النفط. وبالتالي، قد لا تشكل هذه الموارد مصدرا رئيسا للعملات الأجنبية في الوقت الحالي.

دمار كبير لقطاع النفط والغاز

تعرض قطاعا النفط والغاز خلال العقد الماضي لدمار واسع وأضرار كبيرة بفعل الحرب، ولا سيما في منطقة الجزيرة. فقد تراجع إنتاج حقل العمر في دير الزور من 80 ألف برميل يوميا عام 2011 إلى نحو 20 ألف برميل يوميا. كذلك انخفض إنتاج حقل التنك، الواقع في حوض الفرات، شرق دير الزور، من 40 ألف برميل يوميا عام 2011 إلى نحو ألف برميل فقط. وبلغ إجمالي إنتاج البلاد من النفط في نهاية عام 2025 نحو 120 ألف برميل يوميا، فيما قدر الطلب المحلي بـ163 ألف برميل يوميا في عام 2024.

تحتاج البلاد إلى أكثر من 30 مليار دولار لإعادة تأهيل قطاعات النفط والتعدين والكهرباء والمياه، فيما يتطلب قطاعا الكهرباء والنفط وحدهما نحو 10 مليارات دولار لكل منهما

وزارة الطاقة السورية

كما تتأثر القدرات الإنتاجية بخطوط الأنابيب والمصافي المتضررة. فالمصفاتان الرئيستان في البلاد، بانياس (130 ألف برميل يوميا) وحمص (110 آلاف برميل يوميا)، تبلغ طاقتهما الإجمالية نحو 240 ألف برميل يوميا، لكنهما تعملان بنسبة 30 في المئة للأولى و40 في المئة للثانية.

ويصل الإنتاج الحالي للغاز إلى 7,6 ملايين متر مكعب يوميا، وهو ما لا يكفي لتشغيل محطات الكهرباء التي تنتج حاليا 3 آلاف ميغاواط، إذ تحتاج هذه المحطات إلى ما بين 13 و14 مليون متر مكعب من الغاز يوميا. ويجري تأمين الفارق عبر الاستيراد من أذربيجان والأردن أو عبر الموانئ السورية. ووفقا لمدير الاتصال الحكومي في وزارة الطاقة، أحمد السليمان، يقدر الطلب السنوي على الكهرباء بـ7 آلاف ميغاواط، في حين لا تنتج المحطات الحالية سوى نحو 5 آلاف ميغاواط، مقارنة بقدرة إنتاجية للكهرباء بلغت 8500 ميغاواط عام 2011. 

وتبرز تكلفة إعادة الإعمار كعامل بالغ الأهمية في كلا القطاعين. وبحسب وزارة الطاقة السورية، تحتاج البلاد إلى أكثر من 30 مليار دولار لإعادة تأهيل قطاعات النفط والتعدين والكهرباء والمياه، فيما يتطلب قطاعا الكهرباء والنفط وحدهما نحو 10 مليارات دولار لكل منهما. يضاف إلى ذلك أن إعادة بناء البنى التحتية تحتاج إلى سنوات عدة وتبقى مشروطة بتوافر الأمن والاستقرار السياسي.

وقد سعت دمشق إلى إحياء اتفاقات سابقة واستقطاب مستثمرين جدد، فيما حصلت خلال عام 2025 على منحة نفطية سعودية قدرها 1,65 مليون برميل، ومنحة غاز قطرية بلغت ملايين عدة من الأمتار المكعبة.

القطاع الزراعي ينتظر خطة ودعم المزارعين

على نحو مماثل، تضرر الإنتاج الزراعي بشدة جراء الحرب، وتعرضت شبكات الري للتخريب، أضف إلى ذلك سوء الإدارة، وموجات الجفاف الطويلة والصدمات المناخية، والهجرة الريفية، ونقص الوقود وارتفاع تكلفة الإنتاج. فقد تراوح إنتاج القمح في السنوات الأخيرة بين مليون وثلاثة ملايين طن، مقارنة بمتوسط ما قبل الأزمة البالغ نحو 4,1 ملايين طن بين عامي 2002 و2011، مما زاد اعتماد البلاد على استيراد القمح. كما شهد إنتاج القطن تراجعا حادا، من أكثر من 700 ألف طن عام 2011 إلى ما بين 28 ألفا و125 ألف طن في السنوات الأخيرة.

في مواجهة ضعف القطاع الزراعي والتهديدات التي تحيط به، أعلنت الحكومة السورية في منتصف نوفمبر/تشرين الثاني 2025 إطلاق نظام قروض عينية بلا فوائد

ولا يزال القطاع الزراعي ينتظر وضع خطة شاملة للدعم في المدى القريب. وإذا بقي الوضع على حاله من دون اتخاذ إجراءات داعمة، يتوقع تخلي المزارعين عن أراضيهم لعجزهم عن تحمل تكلفة إدارتها وزراعتها. وسيزيد ذلك اعتماد سوريا على استيراد المواد الغذائية الأساس، وبالتالي اتساع عجز الميزان التجاري.

وفي مواجهة ضعف القطاع الزراعي والتهديدات التي تحيط به، أعلنت الحكومة السورية في منتصف نوفمبر/تشرين الثاني 2025 إطلاق نظام قروض عينية بلا فوائد، يزود المزارعين البذار والأسمدة الضرورية لدعم زراعة القمح.

أ.ف.ب.
مزارع يحصد بذور القمح، الرقة، شمال سوريا، 23 مايو 2024

وبحسب وزارة الزراعة، "تشمل هذه الخطة مساحة 300 ألف هكتار، بهدف دعم المزارعين وزيادة الإنتاج المتوقع أن يتجاوز مليون طن من القمح، بما يسهم في تأمين جزء من احتياجات سوريا من هذا المحصول الاستراتيجي". غير أن القيود الهيكلية والإدارية تعرقل تنفيذ القرار، كما أن القرض يقتصر على الأراضي المروية، مستبعدا الأراضي البعلية التي تشكل جزءا مهما من الإنتاج الوطني. وهذا يجعل القرض غير كاف لتغطية الاحتياجات الفعلية، خاصة مع فروقات الأسعار في مستلزمات الإنتاج. ويقتصر القرار على القمح وحده، مستبعدا محاصيل استراتيجية أخرى وكأنها أقل أهمية. وبصورة أوسع، فإن هذه المبادرة لا تعالج المشكلة بكل تحدياتها المتشابكة، إذ تفتقر إلى أي دعم حقيقي يغطي متطلبات العملية الزراعية كاملة.

font change