مرصد كتب "المجلة"... جولة على أحدث إصدارات دور النشر العربية

مرصد كتب "المجلة"... جولة على أحدث إصدارات دور النشر العربية

نتعرف من خلال هذه الزاوية إلى أحدث إصدارات الكتب العربية، في الأدب والفلسفة والعلوم والتاريخ والسياسة والترجمة وغيرها. ونسعى إلى أن تكون هذه الزاوية التي تطل كل أسبوعين مرآة أمينة لحركة النشر في العالم العربي.

الكتاب: الإمبراطور العاري: في حتمية زوال الدولة – الأمة

الكاتب: حميد دباشي

المترجم: محمد الحاج سالم

الناشر: مركز أركان للدراسات والأبحاث والنشر – مصر

صدر حديثا كتاب "الإمبراطور العاري: في حتمية زوال الدولة - الأمة" للمفكر حميد دباشي، وترجمه محمد الحاج سالم. يتناول أزمة الدولة القومية في سياق ما بعد الاستعمار وثورات الربيع العربي. العنوان مستوحى كما هو ملاحظ من قصة الأطفال الشهيرة "الإمبراطور العاري" لهانس كريستيان أندرسن، حيث يعيش الإمبراطور في وهم العظمة بينما هو في الحقيقة مكشوف للعيان وضعيف وعار. دباشي يستخدم هذه الاستعارة ليصور حالة الدولة القومية التي تبدو قوية وشرعية من الخارج، لكنها في الواقع عاجزة وهشة أمام شعوبها. يعتبر أن الدولة – الأمة في شكلها الراهن، تفشل في بلوغ أهدافها الأساس وتعيش في أزمة وجودية أعنف من مجرد الانتقادات السياسية التقليدية لها.

يرى دباشي أن الدولة القومية الحديثة هي اختراع تاريخي وسياسي نتج من اتفاقيات استعمارية ذات جذر استشراقي، مثل اتفاقية سايكس - بيكو التي قسمت الإمبراطورية العثمانية، وصنعت حدودا سياسية لا تتوافق مع الواقع الاجتماعي والثقافي لشعوب المنطقة. هذه الحدود، بحسب الكاتب، أدت إلى انفصال الدولة عن الأمة وأفقدتها شرعيتها الحقيقية.

قراءة نقدية صارمة للدولة القومية بما ينطوي عليه ذلك من نقد صارم لعصر ما بعد الاستعمار، وحث على إعادة التفكير في العلاقة بين الدولة والشعب

لا يتضمن الكتاب عرضا أو تحليلا تاريخيا، ، بل يطرح ويناقش فكرة مركزية مفادها أن الدولة القومية لم تعد قادرة على إنتاج شرعية سياسية حقيقية ودائمة لما بعد الاستعمار. فهذا المشروع انتهى إلى حالة من الانهيار والشرخ بين الدولة والأمة، الأمر الذي جعل الدولة تستمد شرعيتها من العنف والقوة "المحضة" أكثر من سعيها لأن تستمدها من التزام حقيقي تجاه مواطنيها. يتجلى ذلك في صراعات السلطة، والعنف، واستمرار الشعوب في البحث عن تمثيل سياسي يحقق مطالبها الأساس.

غلاف كتاب "الإمبراطور العاري"

كما يناقش المؤلف أحداث الربيع العربي، ومعاناة الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال والاستيطان، موضحا أنها ليست مجرد تعبير عن غضب شعبي عابر، إنما هي في حقيقتها انعكاس لأزمة أعمق في منظومة الدولة القومية نفسها. هذه الأحداث تكشف، وفق دباشي، عجز الدولة عن توفير شرعية سياسية، وهشاشتها في إعطاء معنى للمواطنة، مما يفتح الباب أمام أشكال جديدة من الانخراط السياسي كبديل من هيمنة الدولة على الحياة السياسية والاجتماعية.

ولأن الكتاب يجزم بسقوط فكرة الدولة - الأمة، فإن دباشي يطرح أسئلة أساسية من قبيل: ما البدائل الممكنة بعد الدولة القومية؟ وهل يمكن الأمة أن تتشكل بمعزل عن البنية الاستبدادية للدول القائمة، أي أمة بلا دولة؟ وما هو شكل الشرعية السياسية الممكنة في المستقبل؟ هذه التساؤلات تجعل الكتاب مطرحا رحبا لتصور مستقبل السياسة في العالم العربي، مع التركيز على المشاركة الشعبية والحركات الاجتماعية عوض التركيز على المؤسسات التقليدية التي فقدت قدرتها على تمثيل الناس.

يقدم حميد دباشي قراءة نقدية صارمة للدولة القومية بما ينطوي عليه ذلك من نقد صارم لعصر ما بعد الاستعمار، ويحث على إعادة التفكير في العلاقة بين الدولة والشعب، والدولة والأمة.

الكتاب: باريس ‑ الحنين إلى الأوقات البوهيمية

الكاتب: هاشم شفيق

الناشر: دار المدى للطباعة والنشر والتوزيع- العراق

"مثيرة هي الكتابة عن باريس، دائما وفي كل الأوقات، فالوقت الباريسي سائل ومخترق للدهور والأزمنة والتواريخ، وهو يجري كنهر غير مرئي، ليضفي على نهر السين، بعده الرمزي، ويشكل معه بهجة باريس وميثاقها الحيوي مع الجمال والفرادة والرومانسية الجائلة في مقاهيها وحاناتها وأسواقها وشوارعها".

بهذه الروح يكتب الشاعر العراقي هاشم شفيق كتابه "باريس ‑ الحنين إلى الأوقات البوهيمية"، ليقدم سردا شخصيا ممزوجا بمعايشة ثقافية لجيل من الكتاب المنفيين الذين صنعوا جسورا للتواصل بين التجربة العراقية والثقافة الأوروبية، وبشكل خاص مدينة باريس التي تبقى، بحسب الكاتب، "بلد الحريات، والتآخي، وبلد القانون، والعدالة، والديمقراطية".

غلاف كتاب "باريس"

يحفر شفيق في الزمن "البوهيمي": زمن المقاهي التي كانت ملتقى للفنانين، والكتاب الذين حملوا معهم ثقافة الحرية والتجريب والتمرد على النمط المجتمعي المحافظ. هنا تتقدم باريس بوصفها رمزا لحالة ثقافية متحررة وليست مجرد مكان. فهي مطرح واسع للإبداع وحوار الثقافات. يستعيد الكاتب شتات التجارب والمشاعر والأفكار التي واكبها في التسعينيات، ويفتح باب الذاكرة على مصراعيه لحياة المثقفين العرب الذين انوجدوا في باريس خلال تلك السنوات، ليقدم صورة حية عن التفاعل بين الذات والهوية والمكان.

سرد شعري تأملي، يحاول الكاتب عبره أن يلتقط ما كان يختبره من صراع داخلي بين الحنين والبحث عن الذات

لم يبق الكاتب أسير المذكرات الشخصية، فقد انشغل بحوار مستمر مع ثقافة واسعة تضم كتابا وشعراء وفنانين ومفكرين من جانب، ومع مختلف أوجه الحياة في باريس بوصفها مرجلا حضاريا، ومساحة يتصارع فيه القديم والحديث، وتلتقي فيها مسارات الفكر والتمرد والإبداع من جانب آخر. الأمر الذي جعله أكثر من مجرد مذكرات، وحوله إلى شهادة عن تجربة حضارية ثقافية، تحفز القارئ إلى التأمل في قيمة الأماكن وأثرها في الإبداع، وتعيد التأكيد أن باريس بوصفها تلك المدينة التي لا تغادر أحلام الكتاب والفنانين.

قلب التجربة في هذا العمل يتمحور حول ارتحالات شفيق نفسه إلى باريس أواخر السبعينيات، عندما غادر العراق باحثا عن حرية التعبير والعلاقات الإبداعية بعد أن خيم القمع والرقابة على بلده آنذاك.

يبرز النص في بعض المقاطع خصوصية تلك الحقبة، حين كانت باريس أقل ازدحاما بالسياح مما هي عليه اليوم، وأكثر حميمية في علاقاتها مع المثقفين والمهاجرين، الأمر الذي منحها طابعا بوهيميا متفردا وجعل من هذه البوهيمية روح المدينة، هذه الروح التي تنعكس في الكتاب عبر مشاهد يومية وصور حية لا تغيب تقريبا عن صفحاته.

إنه سرد شعري تأملي، يحاول الكاتب عبره أن يلتقط ما كان يختبره من صراع داخلي بين الحنين والبحث عن الذات في مدينة اكتسبت عبر التاريخ سمعتها كمهد للفن والثقافة والحريات، ومقصد للكتاب والمفكرين من كل حدب وصوب. هنا تتحول باريس إلى شخصية كاملة في النص، بل إلى بطلته، وإلى مسرح للحياة الإنسانية بألوانها المتعددة: لقاءات، وخيبات أمل، ومظاهر فنية كبيرة، وتفاصيل المقاهي، وضوضاء الأسواق، وسحر نهر السين، ولحظات العزلة والشتات.

غلاف رواية "أبناء التيه"

الكتاب: أبناء التيه

الكاتب: حسن الخطيب

الناشر: ميسلون للثقافة والترجمة والنشر – تركيا

تندرج رواية "أبناء التيه" للكاتب السوري حسن الخطيب ضمن السرديات العربية المعاصرة التي تتناول تجربة المنفى والاقتلاع، وتطرح أسئلة الهوية والحرية والمعنى في عالم مضطرب. وتقدم نصا يمزج بين السرد الواقعي والتأمل في مصير الإنسان عامة، والسوري خاصة.

منذ الصفحات الأولى، يضع الكاتب قارئه في أجواء من العزلة والاغتراب، فيتحول المكان إلى ما يشبه "جغرافيا العزلة" بحسب وصف الكاتب، في إشارة إلى عالم بارد يعتزل فيه الناس بعضهم بعضا خوفا أو يأسا. في هذا الفضاء النفسي والإنساني تتحرك الشخصيات، حاملة معها أسئلة الهجرة والاقتلاع، والخوف من المستقبل، والبحث عن معنى للانتماء في عالم فاقد للتوازن.

شهادة أدبية عن جيل سوري عاش بين الاستبداد والمنفى، وبين الحلم بالحرية والخوف من المجهول

تتمحور الرواية حول شخصية تنشأ في بلد تحكمه سلطة استبدادية يرمز الكاتب إليها بـ"الكبير"، حيث يتم تشكيل المجتمع وإعادة تشكيله باستمرار وفق نظام قمعي يحد من الحرية ويصادر التفكير المستقل. في هذا المناخ تنشأ الشخصية الرئيسة في الرواية وتحمل اسم "السادسة"، من حيث ترتيبها العائلي، وتكتشف تدريجيا التناقضات بين التعليم والمعرفة من جانب، والواقع السياسي والاجتماعي القاسي من جانب آخر. تتلقى تعليمها على نحو سري على يد معلم يفتح أمامها أبواب الفكر والفلسفة والسياسة، الأمر الذي يوقظ لديها وعيا بالعالم من حولها.

لكن المعرفة هنا ليست خلاصا سهلا، إنما على العكس من ذلك، تتحول إلى عبء ثقيل. فكلما اتسع إدراك البطلة للواقع، ازداد شعورها بالعجز والاغتراب. وتتحول المعرفة إلى مصدر للألم والعذاب، لأنها تكشف زيف الشعارات التي يعيش الناس في ظلها. من هنا تنطلق الرواية نحو فضاء آخر وأشد إيلاما: رحلة الهجرة واللجوء، حيث تجد البطلة نفسها بين موجات المهاجرين على قارب في البحر، في مشهد يختزل مأساة جيل كامل يبحث عن ملاذ آمن خارج حدود وطنه.

وخلال هذه الرحلة يطرح الكاتب أسئلة أخلاقية وإنسانية من قبيل: كيف يمكن الفرد أن يغير مصير شعب كامل؟ وهل يمكن الحرية أن تولد من رحم المنفى؟ تتداخل في الرواية موضوعات الدين والسياسة والهوية، في محاولة لفهم العلاقة المعقدة بين السلطة والمجتمع، وبين الإيمان والتفكير الحر.

يجمع الكاتب بين السرد والتأمل، وتتحول الحوارات الداخلية إلى مساحة للتفكير في مصير الإنسان في عالم يزداد قسوة. كما أن بناءها القائم على ثنائية "الكابوس" و"الحلم" يعكس رحلة الشخصية من الواقع القاتم نحو أفق مختلف؛ أفق هو الآخر غامض.

تقدم "أبناء التيه" نوعا من الشهادة الأدبية عن جيل سوري عاش بين الاستبداد والمنفى، وبين الحلم بالحرية والخوف من المجهول.

غلاف كتاب "المرأة المثقفة في الرواية العربية"

الكتاب: المرأة المثقفة في الرواية العربية – انتحال الذكورة وتحرير الجسد

الكاتبة: هدى العطاس

الناشر: دار رياض الريس للكتب والنشر – لبنان

صدر كتاب "المرأة المثقفة في الرواية العربية - انتحال الذكورة وتحرير الجسد" للكاتبة اليمنية هدى العطاس، وهو دراسة تبحث في صورة المرأة المثقفة كما تتجلى في السرد العربي الحديث، عبر قراءة تحليلية لعدد من الروايات التي قدمت نماذج مختلفة لهذه الشخصية في الأدب العربي.

ينطلق الكتاب من سؤال أساس تطرحه العطاس حول الكيفية التي ظهرت فيها المرأة المثقفة داخل الرواية العربية، في بنيان سردي تشكل تاريخيا ضمن منظومة ثقافية يغلب عليها الصوت الذكوري. ومن خلال تحليل نماذج مختارة من الرواية العربية، تكشف عن تلك الكيفية التي جرى بها تمثيل هذه الشخصية، وما أحاط بها من تناقضات بين المعرفة والسلطة، وبين الأنوثة والقيود الاجتماعية والثقافية.

يمزج الكتاب بين النقد النسوي والثقافي، ويعيد قراءة السرد العربي بوصفه مطرحا للصراع حول المعرفة والسلطة والهوية

تتجاوز الدراسة النظر إلى المرأة بيولوجيا، أو بوصفها شخصية عاطفية أو اجتماعية، فتراها بوصفها فاعلا ثقافيا يعيش صراعا معقدا بين موقعه المعرفي وموقعه الاجتماعي. فالمرأة المثقفة في الرواية العربية تبدو غالبا كائنا "معلقا" بين عالمين: عالم المعرفة الذي يمنحها حضورا فكريا، وعالم المجتمع الذي يفرض عليها شروطه المحافظة وتقاليده الصارمة.

يناقش الكتاب أيضا مفهوم ما تسميه العطاس "انتحال الذكورة"، أي اضطرار بعض الشخصيات النسائية المثقفة في الروايات إلى تبني قيم أو أساليب مرتبطة بالسلطة الذكورية، من أجل الحصول على الاعتراف الثقافي، الأمر الذي يضع المرأة في حالة من التمزق بين هويتها كأنثى وموقعها الثقافي داخل المجتمع.

كما يولي الكتاب اهتماما خاصا لعلاقة المرأة المثقفة بجسدها، وكيف تتعامل الرواية العربية مع هذه العلاقة في سياق مشحون ومتوتر بين التحرر والقيود الاجتماعية، وكذلك تأثير الخلفية الثقافية والسياسية للنصوص الروائية في تشكيل صورة المرأة المثقفة.

وفي هذا التقريب بين نظرة الروائي الذكر، ونظرة الروائية الأنثى إلى شخصية المرأة، تتضح الصورة المنطوية على تمييز جندري لا لبس فيه، تقول الكاتبة: "في خطاب الروائي تبدو صفة المثقف منجزا ذهنيا رجاليا صرفا. أما المثقفة فكأنها ليست أكثر من نتوء مستحدث في الجسد الاجتماعي الذي استكمل الروائي دوائر منظومته وأغلقها. وهو، على ذلك، ينشئ للمثقفة صورا تناسبه: يحفزها ويدفعها إلى التعلم والعمل والاستقلال الاقتصادي، فتعتنق أفكارا تحررية، وتتبنى سلوكا حديثا متمردا على المجتمع التقليدي. لكن حالما تندفع ملبية نداء الوعي، يعمد الروائي إلى تهشيمها، وإما يحجبها أو يقنعها ويحل الرجل في عباءتها، باعتباره الأصل. كأن لا حضور ولا تناسل للمثقفة من دونه. ذلك أن الروائي يخضعها لوعيه الذكوري.

أما الروائية فتنظر إلى الكتابة وتباشرها كفعل ذاتي، وتتخذها منبرا للتعبير بعد طول احتجاب. وهي تدرك بوعي المثقفة أن كيان الأنثى هو إحالة اجتماعية مختزلة في جسدها، بوصفه معطى ثقافيا تحدده العادات والتقاليد، ومعطى جنسيا تحدده تصورات ورغبات واشتهاءات الذكورة. لذا يظهر النص الروائي النسائي على وعي متجدد بالجسد الأنثوي، وجوديا وجماليا. وعي متجدد لأن الروائيات يعدن الجسد إلى خلقته الأولى، قبل أن يتخلق اجتماعيا ويتسربل بأبوية جاهزة. وهكذا يصير الجسد في نصوص الروائيات نقيضا لصوره في الخطاب الروائي الرجالي أو الذكوري".

يمزج الكتاب بين النقد النسوي والثقافي، ويعيد قراءة السرد العربي بوصفه مطرحا للصراع حول المعرفة والسلطة والهوية. ويقدم المرأة كشخصية ثقافية تحاول إثبات موقعها داخل عالم لا يزال يفرض عليها شروطه الإرغامية.

غلاف كتاب "الصين والعرب من منظار باحث صيني"

الكتاب: الصين والعرب من منظار باحث صيني

الكاتب: شوي تشينغ قوه

الناشر: دار فضاءات - الأردن

يطرح كتاب "الصين والعرب من منظار باحث صيني" للباحث والأكاديمي الصيني شوي تشينغ قوه رؤية صينية تتعمق في فهم الآخر العربي عبر منظور معرفي وثقافي متجذر في الحضارتين الصينية والعربية.

إضافة نوعية إلى المكتبة العربية في مجال العلاقات بين الشرق الأقصى والعالم العربي

يعالج الكتاب في عدد من فصوله أوجه التشابه والاختلاف الحضاريين بين الصين والعالم العربي، ويستند في ذلك إلى قراءات تاريخية وثقافية متنوعة. ففي حين تنطوي الحضارة العربية على أبعاد دينية وتراثية عميقة، ترى الثقافة الصينية نفسها من منظور تاريخي يمتد لآلاف السنين ويحمل أبعادا فلسفية مختلفة. ويتوقف المؤلف عند وجهات النظر المتبادلة التي يحملها كل طرف عن الآخر، وتمثلات كل منهما للآخر، اعتمادا على تجارب شخصية وأمثلة معاصرة، في انعكاس لرؤى شعبين مختلفين في السياقات الثقافية والاجتماعية.

يرى شوي تشينغ قوه أن معرفة الآخر تبدأ من تجاوز الصور النمطية القائمة، وقد ساهم هو شخصيا في هذا المجال إلى حد بعيد من خلال ترجماته الواسعة للأدب العربي إلى الصينية، بما في ذلك أعمال أدبية وشعرية لشعراء أمثال أدونيس ومحمود درويش وجبران خليل جبران، وهو ما يعكس محاولة لإعادة الإنسان العربي إلى سياق ثقافي إنساني بدلا من الصور المبسطة والمنمطة السائدة في بعض الخطابات الإعلامية والسياسية.

ومن هذا المنطلق، لا يقتصر الكتاب على المعطى السياسي أو الاقتصادي للعلاقات بين الصين والعرب، بل يمتد ليكون دراسة معرفية عن كيفية بناء جسور فهم عميق بين حضارتين لهما تاريخ طويل في التفاعل عبر طريق الحرير القديم من جانب، ومن خلال التحولات الحديثة في القرن الحادي والعشرين من جانب آخر، مع التأكيد أن الحوار الثقافي هو حجر الأساس لبناء تعاون مستدام ومستقبلي بين الحضارتين.

من هنا، يمكن أن ننظر إلى كتاب "الصين والعرب من منظار باحث صيني" بوصفه نصا يستهدف القراء المهتمين بالتحليل الثقافي والاستراتيجي، ويشكل إضافة نوعية إلى المكتبة العربية في مجال العلاقات بين الشرق الأقصى والعالم العربي، ويدعو إلى قراءة أكثر عمقا لديناميات هذه العلاقة المعقدة والمتجددة. 

font change