تجنبت مصر حتى الآن الانجراف عسكريا إلى مرمى نيران الحرب الأميركية-الإسرائيلية الراهنة ضد إيران. ومع ذلك، تابعت الدولة العربية الأكثر سكانا في الإقليم، مسار الحرب منذ يومها الأول كأنها معنية بها مباشرة. ولدى القاهرة أسباب وجيهة لهذا التيقظ، تتشابك فيها مخاوف أمنية، وحسابات استراتيجية، وهواجس اقتصادية.
وجاء الأثر الاقتصادي للحرب فوريا، وقد يكون مؤلما. فمن تعليق إمدادات الغاز الطبيعي الإسرائيلي، الذي يشكل نحو 15 إلى 20 في المئة من الاستهلاك اليومي البالغ قرابة 6.2 مليارات قدم مكعبة، إلى خروج مئات الملايين من الدولارات من الأصول الأجنبية، تتوقع مصر أن تواجه في الأيام القليلة المقبلة، وقائع اقتصادية قاسية، بوصفها نتيجة مباشرة لهذا الصراع.

وتضغط هذه التطورات على الجنيه المصري، فترفع أسعار السلع على نحو حاد، وتزيد مخاطر ارتدادات سياسية أو أمنية في بلد طالما أنهكته كلفة معيشية لا يطيقها الناس. ومع ذلك، تظل الهواجس الاستراتيجية والأمنية المرتبطة بالحرب، أرجح وزنا لدى القاهرة من هذه الآثار الاقتصادية العاجلة، على ما فيها من ضرر.
قط وسط الحمام
كان "حزب الله" اللبناني قد دخل الحرب فعلا، فنفذ هجمات بصواريخ ومسيرات وقذائف على شمال إسرائيل، مرسخا سابقة جديدة، لدخول وكيل إيراني في القتال مرة أخرى. ومن شأن دخول وكلاء إيرانيين آخرين، ولا سيما "جماعة الحوثي" في اليمن، أن يزيد المشهد الأمني المصري تعقيدا إذا قررت هذه الميليشيا المدعومة من إيران إغلاق مضيق باب المندب، أو استئناف الهجمات على الملاحة الدولية في البحر الأحمر.
وقد يجعل مثل هذا التطور قناة السويس، شريان مصر الاقتصادي الحيوي، وأحد أهم الممرات التجارية الدولية، عديمة الجدوى. وهنا تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات السياسية والأمنية والجيوسياسية على نحو حاسم. فقناة السويس، أقصر طريق يصل البحر المتوسط بالبحر الأحمر، وممر بحري يمر عبره عادة ما يقارب 12 إلى 15 في المئة من التجارة العالمية سنويا في الظروف الطبيعية، تمنح مصر جانبا من وزنها الاستراتيجي على الساحة الدولية.
غير أن القناة واجهت في السنوات الأخيرة، تهديدات جسيمة بسبب الاضطرابات في اليمن. كما زادت الحرب في السودان، التي لا تزال تتأرجح نحو ساحل ذلك البلد الجنوبي على البحر الأحمر، من حدة هذه التهديدات.
ويضاف إلى ذلك احتمال الاعتراف على نطاق واسع باستقلال إقليم أرض الصومال المنفصل، ومساعي إثيوبيا للحصول على منفذ إلى البحر الأحمر. فإذا اجتمعت هاتان المسألتان، فإنهما تنذران باقتراب قوى معادية، بينها إسرائيل، من المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، بما يجعل احتمال خنق مصر اقتصاديا وعسكريا أمرا يسيرا.
