لم تكن المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة مجرد محطة إجرائية ضمن مسار تفاوضي، بل كانت تمثل نقطة انتقال مفصلية بين منطق الحرب ومنطق التسوية. لكنّ التحولات والتغيرات الإقليمية الأخيرة، وعلى رأسها الحرب والقصف المتبادل بين إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية من جهة وإيران من جهة أخرى، أعادت وضع هذا الاتفاق في سياق مختلف، وجعلت تنفيذ بنوده جزءا من معادلة جيوسياسية أوسع تتجاوز حدود القطاع الجغرافية.
لا تتحرك الأزمات في الشرق الأوسط بالعموم، بمعزل عن بعضها البعض، وما يجري في المسار العسكري مع إيران ينعكس سريعا على الملفات الإقليمية وفي مقدمتها غزة، والتي كانت ولا زالت ساحة خصبة تتقاطع فيها الحسابات العسكرية والسياسية والإقليمية.
وحينما تم التواصل لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة بين حركة "حماس" وإسرائيل، في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، وبدأ تنفيذه الفعلي، كان الهدف المُعلن تثبيت التهدئة تمهيدا للانتقال إلى ترتيبات أكثر استدامة على المستوى الأمني والمدني والإنساني. وقد صيغت المرحلة الثانية من الاتفاق لتشكل الإطار التنفيذي لهذه التحولات، عبر حزمة من الإجراءات المتشابكة التي يفترض أن تنقل القطاع من حالة الحرب إلى إدارة انتقالية أكثر استقرارا، وذلك من خلال سلسلة من الخطوات المتشابكة.
وتضمنت هذه المرحلة توسيع نطاق فتح المعابر بما يسمح بزيادة تدفق المساعدات الإنسانية والسلع التجارية إلى داخل القطاع، إلى جانب التفاهم على إعادة تشغيل معبر رفح البري أمام حركة المسافرين في الاتجاهين، باعتباره المنفذ البري الوحيد للقطاع، وذلك بعد إغلاق دام لأكثر من عام ونصف العام نتيجة سيطرة الجيش الإسرائيلي على المعبر وتدمير مرافقه. كما جرى الاتفاق والإعلان عن تشكيل لجنة وطنية فلسطينية تكنوقراطية لإدارة القطاع واستلام الحكم بديلا عن حكومة الأمر الواقع التابعة لـ"حماس" منذ عام 2007، على أن تعمل اللجنة ضمن إطار دولي أوسع تقوده مبادرة سياسية يُشرف عليها "مجلس السلام" الذي يترأسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مع تصور بأن تتسلم هذه الإدارة مهام الحكم تدريجيا من حكومة الأمر الواقع.

