دخلت إيران الصراع الحالي وهي في وضع بنيوي منهك. فسنوات العقوبات ألحقت أضرارا جسيمة باقتصادها، فيما تراجعت فاعلية شبكتها الإقليمية من الوكلاء، التي كانت تعد يوما من أهم أدوات نفوذها، بفعل المواجهات المتلاحقة مع إسرائيل والولايات المتحدة منذ الهجوم الإسرائيلي الذي أعقب هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. وفي الداخل، تصاعد السخط الشعبي على الجمهورية الإسلامية بعد سنوات من القمع والتدهور الاقتصادي، وزاد من حدته إصرار علي خامنئي المتكرر على تجاهل مطالب الإصلاح. لذلك بدا لكثير من المراقبين أن هذه العوامل تقود إلى نتيجة واحدة: أن حربا طويلة قد تفضي إلى سقوط النظام.
غير أن الضعف البنيوي لا يعني بالضرورة انهيار النظام. فالتاريخ يشير، في كثير من الأحيان، إلى عكس ذلك تماما: إذ تميل الأنظمة السياسية تحت وطأة الضغوط الخارجية إلى تركيز السلطة في يد الجهات الأكثر قدرة على الإكراه وضمان البقاء. والأمثلة على ذلك كثيرة. فقد اكتسبت الأجهزة الأمنية الروسية نفوذا واسعا خلال حرب الشيشان وما بعدها في تسعينات القرن الماضي ومطلع الألفية، وهو ما أسهم في تمهيد الطريق أمام صعود فلاديمير بوتين. وبالمثل، عزز "الحزب الشيوعي الصيني" مؤسساته الأمنية خلال الحرب الكورية، وحشد المجتمع في مواجهة ما رآه تطويقا أجنبيا. وفي الحالة الإيرانية، تبدو المؤسسة الأقدر على الاستفادة من هذا التركيز السلطوي في زمن الحرب هي "الحرس الثوري الإسلامي".
ولفهم الكيفية التي قد تعيد بها الحرب تشكيل موازين السلطة داخل إيران، لا يكفي التوقف عند مظاهر الضعف الظاهرة، بل لا بد من النظر في البنية المؤسسية التي يقوم عليها نظام الجمهورية الإسلامية. فخلافا للاعتقاد الشائع، لم يقم هذا النظام يوما على شخص واحد، حتى لو كان ذلك الشخص يتمتع بنفوذ واسع كـ"المرشد الأعلى" علي خامنئي. فالسلطة في إيران موزعة بين مؤسسات متداخلة، في مقدمها مكتب المرشد، والمؤسسة الدينية، والأجهزة الأمنية، و"الحرس الثوري". وقد صيغ هذا البناء، جزئيا، بما يضمن استمرارية النظام في أوقات الأزمات، بما في ذلك مراحل انتقال القيادة.
وتجسد نشأة "الحرس الثوري" هذا المنطق بوضوح. فقد تأسس في مارس/آذار 1979، بعد أسابيع قليلة من وصول الإسلاميين إلى السلطة عقب الثورة، ليكون أداة لحماية النظام السياسي الجديد من خصومه في الداخل والخارج. وعلى امتداد العقود التالية، تطور من ميليشيا أيديولوجية إلى واحدة من أقوى مؤسسات الدولة، تمتلك قدرات عسكرية كبيرة، وتمتد شبكات نفوذها إلى الاقتصاد والاستخبارات والسياسة الإقليمية.
وحتى الآن، تكشف ترتيبات القيادة المؤقتة في ظل غياب خامنئي عن قدر من مرونة النظام. فالدستور الإيراني يتضمن آليات صممت لتفادي فراغ السلطة، من بينها هيكل قيادي انتقالي، ودور "مجلس الخبراء" في اختيار "مرشد أعلى" جديد. والأهم أن السلطة الفعلية في ملفات الأمن القومي لا تتركز في يد شخص واحد، بل في مؤسسات تظل فاعلة حتى في أوقات اضطراب القيادة. ويشكل "الحرس الثوري"، والمجلس الأعلى للأمن القومي، ومجلس الدفاع الذي أُنشئ مؤخرا، إلى جانب أجهزة الاستخبارات، العمود الفقري لقدرة الدولة على التخطيط وممارسة الإكراه.


