"الحرس الثوري" الإيراني... إلى متى يصمد النفوذ؟

جذور راسخة أم بنية هشة؟

.أ.ف.ب
.أ.ف.ب
أفراد من الحرس الثوري الإيراني، في عرض عسكري سنوي لمناسبة الذكرى السنوية للحرب العراقية الإيرانية، طهران 22 سبتمبر 2018.

"الحرس الثوري" الإيراني... إلى متى يصمد النفوذ؟

دخلت إيران الصراع الحالي وهي في وضع بنيوي منهك. فسنوات العقوبات ألحقت أضرارا جسيمة باقتصادها، فيما تراجعت فاعلية شبكتها الإقليمية من الوكلاء، التي كانت تعد يوما من أهم أدوات نفوذها، بفعل المواجهات المتلاحقة مع إسرائيل والولايات المتحدة منذ الهجوم الإسرائيلي الذي أعقب هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. وفي الداخل، تصاعد السخط الشعبي على الجمهورية الإسلامية بعد سنوات من القمع والتدهور الاقتصادي، وزاد من حدته إصرار علي خامنئي المتكرر على تجاهل مطالب الإصلاح. لذلك بدا لكثير من المراقبين أن هذه العوامل تقود إلى نتيجة واحدة: أن حربا طويلة قد تفضي إلى سقوط النظام.

غير أن الضعف البنيوي لا يعني بالضرورة انهيار النظام. فالتاريخ يشير، في كثير من الأحيان، إلى عكس ذلك تماما: إذ تميل الأنظمة السياسية تحت وطأة الضغوط الخارجية إلى تركيز السلطة في يد الجهات الأكثر قدرة على الإكراه وضمان البقاء. والأمثلة على ذلك كثيرة. فقد اكتسبت الأجهزة الأمنية الروسية نفوذا واسعا خلال حرب الشيشان وما بعدها في تسعينات القرن الماضي ومطلع الألفية، وهو ما أسهم في تمهيد الطريق أمام صعود فلاديمير بوتين. وبالمثل، عزز "الحزب الشيوعي الصيني" مؤسساته الأمنية خلال الحرب الكورية، وحشد المجتمع في مواجهة ما رآه تطويقا أجنبيا. وفي الحالة الإيرانية، تبدو المؤسسة الأقدر على الاستفادة من هذا التركيز السلطوي في زمن الحرب هي "الحرس الثوري الإسلامي".

ولفهم الكيفية التي قد تعيد بها الحرب تشكيل موازين السلطة داخل إيران، لا يكفي التوقف عند مظاهر الضعف الظاهرة، بل لا بد من النظر في البنية المؤسسية التي يقوم عليها نظام الجمهورية الإسلامية. فخلافا للاعتقاد الشائع، لم يقم هذا النظام يوما على شخص واحد، حتى لو كان ذلك الشخص يتمتع بنفوذ واسع كـ"المرشد الأعلى" علي خامنئي. فالسلطة في إيران موزعة بين مؤسسات متداخلة، في مقدمها مكتب المرشد، والمؤسسة الدينية، والأجهزة الأمنية، و"الحرس الثوري". وقد صيغ هذا البناء، جزئيا، بما يضمن استمرارية النظام في أوقات الأزمات، بما في ذلك مراحل انتقال القيادة.

وتجسد نشأة "الحرس الثوري" هذا المنطق بوضوح. فقد تأسس في مارس/آذار 1979، بعد أسابيع قليلة من وصول الإسلاميين إلى السلطة عقب الثورة، ليكون أداة لحماية النظام السياسي الجديد من خصومه في الداخل والخارج. وعلى امتداد العقود التالية، تطور من ميليشيا أيديولوجية إلى واحدة من أقوى مؤسسات الدولة، تمتلك قدرات عسكرية كبيرة، وتمتد شبكات نفوذها إلى الاقتصاد والاستخبارات والسياسة الإقليمية.

وحتى الآن، تكشف ترتيبات القيادة المؤقتة في ظل غياب خامنئي عن قدر من مرونة النظام. فالدستور الإيراني يتضمن آليات صممت لتفادي فراغ السلطة، من بينها هيكل قيادي انتقالي، ودور "مجلس الخبراء" في اختيار "مرشد أعلى" جديد. والأهم أن السلطة الفعلية في ملفات الأمن القومي لا تتركز في يد شخص واحد، بل في مؤسسات تظل فاعلة حتى في أوقات اضطراب القيادة. ويشكل "الحرس الثوري"، والمجلس الأعلى للأمن القومي، ومجلس الدفاع الذي أُنشئ مؤخرا، إلى جانب أجهزة الاستخبارات، العمود الفقري لقدرة الدولة على التخطيط وممارسة الإكراه.

الدستور الإيراني يتضمن آليات صممت لتفادي فراغ السلطة، من بينها هيكل قيادي انتقالي، ودور مجلس الخبراء في اختيار "مرشد أعلى" جديد

يُعقّد هذا البناء المؤسسي أي توقع بانهيار مفاجئ للنظام. كما تشير تقارير إلى أن تقديرات الاستخبارات الأميركية انتهت إلى خلاصات مشابهة، محذرة من أنه حتى حملة عسكرية واسعة قد لا تفضي بالضرورة إلى إسقاط الجمهورية الإسلامية، نظرا إلى توزع السلطة بين مراكز قوى متعددة. وعليه، فإن السؤال الجوهري لا يقتصر على ما إذا كان النظام قد ضعف، بل يمتد إلى الكيفية التي يعاد بها تشكيل ميزان القوى داخله مع تطور الحرب.

وفي هذا السياق تبرز مكانة الرئيس مسعود بيزشكيان. فالسجالات الأخيرة داخل إيران بشأن خطابه الدبلوماسي حيال الدول المجاورة تكشف ضيق هامش السلطة المدنية في زمن الحرب. فعندما استخدم بيزشكيان لغة عدّها منتقدوه مهادنة، سارعت الأجنحة المتشددة في المؤسسة السياسية، ومعها أعضاء في مجلس الشورى، إلى الرد عليه. ولم يكن ذلك مجرد اعتراض على نبرة خطابه، بل تذكير واضح بأن الرئاسة لا تمسك بالقرار الاستراتيجي في إيران. وهذه ليست ظاهرة مستجدة، بل سمة رافقت النظام طوال الأعوام الستة والثلاثين من حكم خامنئي، ولا تزال قائمة اليوم رغم غيابه.

رويترز
صواريخ معروضة في متحف القوة الجوية الفضائية لـ"الحرس الثوري" في طهران، 15 نوفمبر 2024

وحتى الآن، لم يؤد الغياب المفاجئ لخامنئي عن المشهد السياسي إلى أي تعزيز ملموس لموقع الرئاسة. فوزن هذا المنصب في الممارسة الفعلية ظل مرتبطا إلى حد بعيد بشخص شاغله وطموحه السياسي. ولم يُبد بيزشكيان ميلا يذكر إلى تحدي مراكز القوة الأخرى أو إلى انتزاع دور أكثر استقلالا في صناعة القرار. وربما ينطوي هذا التحفظ على قدر من الحذر السياسي، إذ إن أي محاولة سريعة للابتعاد عن إرث خامنئي قد تستفز المتشددين الذين ما زالوا شديدي الولاء للإطار الأيديولوجي الذي طبع عهد الزعيم الراحل.

وفي زمن الحرب، تبدو حدود السلطة المدنية أكثر وضوحا. فالرئاسة قد تؤثر في الخطاب العام وفي أساليب التواصل، لكن القرارات المتصلة بالحرب والردع وإدارة الرد تبقى في قبضة المؤسسات العسكرية والأمنية. وبهذا يضيق الهامش السياسي المتاح للمناورة الدبلوماسية إلى حد كبير. فالمسؤولون الإيرانيون الذين يُنظر إليهم على أنهم أكثر تساهلا تجاه واشنطن أو إسرائيل لا يواجهون خطر التهميش السياسي فحسب، بل يواجهون أيضا رد فعل قاسيا من مؤسسات نافذة لا تزال متمسكة بخطاب المقاومة.

ومن هذا المنظور، يبدو "الحرس الثوري" في موقع يسمح له بتوسيع نفوذه كلما طال أمد الصراع. ويعود ذلك، في جانب منه، إلى موقعه المؤسسي؛ فهو يشرف على القوة الصاروخية الإيرانية، ويدير جزءا كبيرا من استراتيجية الحرب غير المتكافئة، ويحافظ على صلات وثيقة بما تبقى من الشبكات الإقليمية الوكيلة، مثل "حزب الله" في لبنان. وإلى جانب ذلك، يمتلك "الحرس" بنية اقتصادية وسياسية واسعة داخل إيران. فعلى امتداد عقود، رسخ حضوره في قطاعات البناء والطاقة والاتصالات والشبكات المالية، حتى بات يمثل نظام نفوذ موازيا يتجاوز كثيرا حدود الميدان العسكري.

الرئاسة لا تمسك بالقرار الاستراتيجي في إيران. وهذه ليست ظاهرة مستجدة، بل سمة رافقت النظام طوال الأعوام الستة والثلاثين من حكم خامنئي، ولا تزال قائمة اليوم رغم غيابه

تميل الحروب إلى تقوية مثل هذه البنى وتوسيع مجالها. فعندما تتعرض الدول لضغوط خارجية متواصلة، تنتقل مراكز القرار تدريجيا إلى المؤسسات الأقدر على حشد الموارد، وفرض الانضباط، وتنسيق الاستجابة العسكرية. وفي إيران، ينهض "الحرس الثوري" بمعظم هذه الوظائف. وحتى إذا ألحق النزاع مزيدا من الضرر بالقدرات الاقتصادية والعسكرية للدولة، فقد يخرج "الحرس" من هذه الأزمة بنفوذ داخلي أوسع. وسيتوقف ذلك إلى حد كبير على مدى طول الحرب، وعلى مقدار التركيز الأميركي والإسرائيلي على استهداف قدراته بصورة منهجية في مختلف مستوياته ومجالات عمله.

غير أن اتساع نفوذ "الحرس الثوري" لا يعني بالضرورة إعادة تشكيل النظام من جذوره، بقدر ما يرجح أن يقود إلى تحول بنيوي داخل الجمهورية الإسلامية نفسها. وأحد السيناريوهات المطروحة هو استمرار منضبط للنظام، عبر تعيين خليفة ديني محدود الحضور نسبيا لخامنئي، في وقت تنتقل فيه سلطة القرار الفعلية تدريجيا إلى ائتلاف قيادي ذي طابع أمني. وهناك احتمال آخر يتمثل في انتقال متدرج إلى نظام أشد عسكرة، يفرض فيه "الحرس الثوري" نفوذا مهيمنا على الأمن القومي والسياسة الاقتصادية معا.

أ ف ب
لقطة من فيديو وزعه الجيش الاسرائيلي تُظهر الانفجار في مقر المرشد الايراني في 28 فبراير

ولن تمثل هذه المآلات قطيعة كاملة مع المسار القائم، بقدر ما ستكون تسريعا لاتجاهات أخذت تتبلور خلال العقدين الماضيين. فالجمهورية الإسلامية أصبحت، خطوة بعد أخرى، أقل اعتمادا على رجال الدين وأكثر ارتكازا إلى المؤسسات الأمنية. كما أن التوسع الاقتصادي لـ"الحرس الثوري"، وتعاظم دوره في السياسة الإقليمية، وتنامي نفوذه داخل مؤسسات الدولة الأساسية، كلها عوامل أعادت تشكيل المشهد السياسي الإيراني. ومن المرجح أن تدفع الحرب الطويلة هذا المسار إلى مدى أبعد.

أي فراغ حقيقي في السلطة سيحتاج إلى انقسامات داخل الجهاز الأمني نفسه، ولا سيما بين أجنحة "الحرس الثوري"، أو بين "الحرس" وسائر مؤسسات الدولة العميقة ذات الطابع القمعي

ومع ذلك، لا يعني شيء من هذا أن النظام عصي على الاهتزاز. فالأنظمة الاستبدادية كثيرا ما تبدو متماسكة إلى أن يبدأ التصدع داخل النخبة الحاكمة. والخطر الأكبر الذي يواجه مثل هذه الأنظمة لا يكمن في الضغوط الخارجية وحدها، بل في الانقسام الداخلي بين المؤسسات المكلفة بحماية النظام. وفي الحالة الإيرانية، فإن أي فراغ حقيقي في السلطة سيحتاج إلى انقسامات داخل الجهاز الأمني نفسه، ولا سيما بين أجنحة "الحرس الثوري"، أو بين "الحرس" وسائر مؤسسات الدولة العميقة ذات الطابع القمعي.

لكن في غياب مثل هذه الانقسامات، تحتفظ الجمهورية الإسلامية بقدرة معتبرة على الصمود. فقد أمضى النظام عقودا وهو يهيئ نفسه لهذا النوع من التحديات تحديدا. وتكشف هياكل القيادة المتعددة داخل القوات المسلحة، بما تتضمنه من طبقات نيابية وسلاسل قيادة موازية صممت لضمان استمرار العمليات حتى في حال مقتل كبار القادة، إلى جانب شبكات استخبارات متعددة المستويات وخطط خلافة معدة سلفا للقيادة العسكرية، عن جهد منهجي هدفه ضمان استمرارية عمل الدولة حتى تحت وطأة الهجوم.

 أ ف ب
ارتفاع الدخان في احياء طهران في الاول من مارس على اثر تعرض احياء العاصمة الايرانية للقصف

والمفارقة أن الضغط العسكري الخارجي، المفترض أنه يهدف إلى إضعاف النظام، قد ينتهي إلى تقوية أكثر أركانه تشددا. فإذا خلص القادة الإيرانيون إلى أن الحرب لا تستهدف تعديل سلوكهم فحسب، بل تسعى إلى تفكيك الدولة نفسها، فإن أي دعوة إلى التسوية ستغدو عالية الكلفة سياسيا. وفي مثل هذه الظروف، ستكتسب سردية "الحرس الثوري"- القائمة على أن إيران تخوض صراعا وجوديا يفرض التماسك الداخلي والمقاومة وتعزيز القبضة الأمنية- زخما إضافيا.

وعليه، قد لا تنتهي الحرب إلى انهيار الجمهورية الإسلامية، بل إلى دفعها نحو صيغة أشد عسكرة. فقد تجد إيران الضعيفة نفسها وقد تحولت إلى دولة أكثر لجوءا إلى الأمن وأشد فقرا وأكثر عزلة وأشد اعتمادا على المؤسسات القادرة على العمل بكفاءة في ظل الحصار.

font change

مقالات ذات صلة