مجتبى خامنئي... من هو "المرشد" الثالث في إيران؟

توريث السلطة في إيران

رويترز - "المجلة"
رويترز - "المجلة"
صورة للمرشد الأعلى الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، معروضة على شاشة في طهران، وسط الصراع الأميركي الإسرائيلي مع إيران، في طهران، إيران، في 9 مارس 2026.

مجتبى خامنئي... من هو "المرشد" الثالث في إيران؟

مثّل مقتل المرشد الإيراني، علي خامنئي، نقطة تحول في تاريخ إيران، هذه الضربة لم تنه فقط عهدا استمر قرابة أربعة عقود، بل وضعت النظام أمام اختبار يتعلق بالشرعية والاستمرارية. فإعلان "مجلس خبراء القيادة" رسميا اختيار مجتبى خامنئي، الابن الثاني للزعيم الراحل، ليخلف والده في منصب الزعيم الأعلى الثالث للبلاد، يمثل "انكساراً أيديولوجياً"، حيث يكرس نموذج الحكم الوراثي الذي قامت ثورة 1979 أساسا لإسقاطه، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول مستقبل إيران الإقليمي، ودور "الحرس الثوري" في صياغة المرحلة الجديدة، وما إذا كان مجتبى سيسلك طريق المواجهة والشهادة أم سيتجرع "كأس السم" السياسي عبر اتفاق مع واشنطن.

تأسست "الجمهورية الإسلامية" عام 1979 على أنقاض نظام الشاه محمد رضا بهلوي، وكانت شعارات الثورة تدور حول رفض "الملكية الوراثية" ووصفها بأنها نظام "طاغوتي" لا يتوافق مع العدالة الإسلامية. روح الله الخميني، مؤسس النظام، كان أكد مراراً أن القيادة في الإسلام ليست امتيازا عائليا بل هي تكليف يستند إلى الفقه والعدالة. ومع ذلك، فإن صعود مجتبى خامنئي يعيد النظام إلى المربع الأول، حيث يتم نقل السلطة من الأب إلى الابن، وهو ما يوصف بأنه "عودة إلى نموذج الملكية ولكن بعباءة دينية".

هذا الانتقال الوراثي يخلق "معضلة أيديولوجية" للنظام، فبينما يطالب النظام بالولاء لمبدأ "ولاية الفقيه"، فإنه يمارس عملياً نموذج "الشاهنشاهية الوراثية" التي ثار ضدها الشعب الإيراني قبل خمسة عقود. هذا التناقض يضع مجتبى أمام تحدي إثبات أن قيادته ليست مجرد "توريث دموي"، بل هي استمرار للمشروع الثوري في لحظة حساسة.

الشخصية والنشأة في الظل

وُلد مجتبى حسيني خامنئي في سبتمبر/أيلول 1969 في مدينة مشهد، ونشأ في قلب الأحداث التي شكلت إيران الحديثة. منذ تولى والده منصب الزعيم "المرشد" عام 1989، اختار مجتبى البقاء بعيداً عن الأضواء، فلا هو خطيب جمعة مفوه، ولا هو مسؤول حكومي منتخب. هذا الابتعاد المتعمد منحه قدرة هائلة على التحرك في "الظل"، حيث أدار شبكة معقدة من المصالح الأمنية والمالية داخل "بيت الرهبر" (مكتب المرشد)، ليصبح "البوابة" الوحيدة للوصول إلى والده.

تلقى مجتبى تعليمه الديني الأولي على يد والده، ثم تابع دراساته الحوزوية في قم تحت إشراف فقهاء متشددين مثل محمد تقي مصباح يزدي، ومحمود هاشمي شاهرودي، ولطف الله صافي كلبايكاني. وعلى الرغم من منحه لقب "آية الله" في عام 2022 لتعزيز فرصه في الخلافة، فإن شرعيته الدينية تظل محل شك لدى الكثير من المراجع في قم الذين يرون فيه "سياسيا أمنيا" أكثر منه "فقيها مجتهدا".

في أعقاب مقتل علي خامنئي، لجأ النظام الإيراني إلى استخدام مخزونه الأيديولوجي من "سردية الشهادة" لتعزيز شرعية الانتقال لمجتبى

تعتبر الخدمة العسكرية لمجتبى خلال الحرب الإيرانية-العراقية حجر الزاوية في بناء نفوذه الحالي، حيث بنى هناك علاقات وثيقة مع قادة أمنيين أصبحوا لاحقاً الركائز الأساسية للنظام الأمني الإيراني، وعلى رأسهم حسين تائب، الرئيس السابق لمنظمة استخبارات "الحرس الثوري".

كما يُنظر إليه كمهندس لعمليات القمع في عام 2009 ضد "الحركة الخضراء"، حيث تولى عمليا قيادة ميليشيات الباسيج لسحق المتظاهرين الذين رددوا شعارات ضده شخصيا. ويمتلك الكلمة العليا في تعيينات كبار قادة "الحرس الثوري" ومدراء الإذاعة والتلفزيون، مما جعل الأجهزة الأمنية هي "الخادم المخلص" لتطلعاته السياسية.

الإمبراطورية المالية والفساد الممنهج

لا تنفصل سلطة مجتبى خامنئي عن سيطرته المطلقة على الأصول المالية الضخمة التي تقع تحت إشراف "بيت الرهبر". ومن أبرز هذه المؤسسات "ستاد" (هيئة تنفيذ أوامر الإمام) التي تقدر أصولها بنحو 95 مليار دولار، والتي بنيت إلى حد كبير من خلال مصادرة أملاك المعارضين والأقليات الدينية، بالإضافة إلى "الخُمس" وهي الزكاة لدى الشيعة.

وكشف تحقيق لشبكة "بلومبرغ" في مطلع عام 2026 عن شبكة مالية دولية يديرها مجتبى عبر وسطاء، تشمل عقارات فاخرة في لندن ودبي، وفنادق في فرانكفورت ومايوركا. هذه الشبكة، التي استخدمت شركات "أوفشور"، كانت تهدف إلى نقل الأصول الإيرانية للخارج وتأمين ثروة العائلة بعيدا عن تقلبات الداخل. بالإضافة لتحويلات عبر العملات المشفرة، لتصل قيمة الأموال التي يشرف عليها إلى 95 مليار دولار.

أ.ف.ب
المرشد الأعلى الإيراني، مجتبى خامنئي، في طهران بتاريخ 30 أكتوبر 2024

هذا التورط المالي جعل واشنطن تلاحقه عبر وزارة الخزانة، حيث وصف بأنه يمثل "الزعيم الأعلى في صفة رسمية" رغم عدم امتلاكه منصبا حكوميا، وأنه يعمل بشكل وثيق مع "فيلق القدس" وقوات الباسيج لتعزيز القمع الداخلي والطموحات الإقليمية.

"الشهادة" كأداة للتعبئة السياسية

في أعقاب مقتل علي خامنئي، لجأ النظام الإيراني إلى استخدام مخزونه الأيديولوجي من "سردية الشهادة" لتعزيز شرعية الانتقال لمجتبى. تم تصوير مقتل الزعيم الراحل في شهر رمضان وعلى يد "العدو الأميركي-الإسرائيلي" كفعل تضحية يضعه في مرتبة الإمام الحسين. هذا التوظيف لـ"نموذج كربلاء" يهدف إلى تحويل الغضب الشعبي من الانهيار الاقتصادي والسياسي إلى طاقة تعبوية تدعم القائد الجديد.

أطلق "الحرس الثوري" عملية رمزية باسم "علي ولي الله" لتأكيد أن خلافة مجتبى لوالده هي استمرار لتعيين الإمام علي خليفة للنبي محمد، كما ترد في الموروث الشيعي. وظهرت صور الصواريخ التي أطلقت باتجاه إسرائيل وهي تحمل عبارات "لبيك يا سيد مجتبى"، في محاولة لصناعة كاريزما عسكرية للرجل الذي طالما بقي في الظل.

قد يكون مجتبى "أكثر تشدداً من والده"، مدفوعاً بالرغبة في الانتقام لعائلته التي قتلت في الغارات (والداه وزوجته، وأحد أبنائه)

يواجه مجتبى خامنئي مفترق طرق تاريخيا، فمن جهة، هو ابن النظام الأمني الذي يؤمن بـ"المقاومة" المطلقة، ومن جهة أخرى، يدرك أن استمرار حرب يقودها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعني إمكانية السقوط الكامل للنظام.

وقد يكون مجتبى "أكثر تشدداً من والده"، مدفوعاً بالرغبة في الانتقام لعائلته التي قتلت في الغارات (والداه وزوجته، وأحد أبنائه). في هذا الاحتمال سيستمر بتعزيز نفوذ "الحرس الثوري" وتقليص دور المؤسسات المنتخبة. كما سيرفض أي تنازلات بشأن البرنامج النووي أو النفوذ الإقليمي، معتبراً أن التراجع يعني النهاية. وكذلك سيستخدم "القبضة الحديدية" داخليا لمواجهة أي احتجاجات ترفض الحكم الوراثي.

"صلح الحسن" ولقاء "يزيد العصر"

الاسم "مجتبى" يحمل في طياته دلالة على الإمام الحسن بن علي، الذي آثر الصلح مع معاوية بن أبي سفيان، رغم أنه كان يرى في معاوية حاكما غير شرعي، وهذا الاحتمال يعني أن يتجرع "كأس السم" تماما كما فعل الخميني عام 1988 بإنهاء الحرب مع العراق، فيضطر مجتبى أمام الحرب لتمثيل دور "الإمام الحسن" وعقد اتفاق مع دونالد ترمب (الذي يسميه المتشددون "يزيد العصر") لإنقاذ بقاء النظام. ويمكن أن يتضمن هذا الاتفاق إنهاء دور إيران الإقليمي وتقليص البرنامج الصاروخي مقابل ضمانات دولية ببقاء النظام ورفع العقوبات. أو أن يعتمد المناورة التكتيكية أو "التقية" الشيعية، حيث يرى أن "الهيمنة المؤقتة للكفر" (كما ورد في بعض التفسيرات الشيعية لصلح الحسن مع معاوية) هي ضرورة للحفاظ على الكيان الشيعي من الفناء التام تحت وطأة الضربات الأميركية.

رويترز
زيارة لمجتبى خامنئي، إلى مكتب حزب الله في طهران، إيران، في 1 أكتوبر 2024

رمزية الاسم ونبوءة "السم"

تتداخل الأساطير الدينية مع الواقع السياسي في الحالة الإيرانية، فبينما يختلف الإمام الحسن (المجتبى) عن شقيقه الحسين بن علي (الذي قتل في كربلاء ضد جيش يزيد بن معاوية)، فإن التاريخ يذكر أن الإمام الحسن مات مسموما بفعل مؤامرة من زوجته بتحريض من معاوية لتمهيد الطريق لولاية يزيد بن معاوية.

في السياق المعاصر، يبرز السؤال: هل سيبايع مجتبى ترمب، أم سيتجرع السم؟

فالسم السياسي هو القبول بإنهاء "الثورة" وتحويل إيران إلى "دولة عادية" تفقد أذرعها الإقليمية، وهو ما قد يؤدي إلى انقلاب "الحرس الثوري" عليه.

أما تجرع السم الفعلي، فهناك مخاوف داخل طهران من أن تؤدي الانقسامات بين الأجنحة (بين من يريد التفاوض ومن يريد الحرب) إلى تصفية مجتبى جسديا بعملية داخلية، تماما كما حدث مع الإمام الحسن بن علي.

يمثل صعود مجتبى خامنئي ذروة التحول في بنية السلطة الإيرانية من "جمهورية ثورية" إلى "نظام وراثي عسكري"

لا يحظى مجتبى خامنئي بشعبية حقيقية في الشارع الإيراني، فالشعارات التي دوت في احتجاجات 2009 و2022 كانت تصفه بـ"اللعين" وتتمنى موته قبل أن يرى القيادة. ويواجه مجتبى تحديا في توحيد الإيرانيين من فرس وكرد وأذريين وأهوازيين، خاصة مع دعوات ترمب ونتنياهو لهذه المكونات للإطاحة بالنظام. بالإضافة لأزمة الشرعية الفقهية حيث يرفض بعض مراجع قم الاعتراف به كآية الله ما يضعف الغطاء الديني الذي يحتاجه لإقناع القاعدة المتدينة بأن ولايته هي "تكليف إلهي" وليست "وراثة عائلية".

أما المنافسة داخل النظام بوجود شخصيات مثل علي لاريجاني ومسعود بزشكيان وحسن روحاني وحسن الخميني حفيد الإمام الخميني، والجدل داخل "مجلس الخبراء"، فيشيران إلى أن تثبيت أقدام مجتبى لن يكون أمرا سهلا، ما يفتح الباب لاستمرار صراع الأجنحة لفترة طويلة تحت غبار الحرب.

"الجمهورية المملكة"

يمثل صعود مجتبى خامنئي ذروة التحول في بنية السلطة الإيرانية من "جمهورية ثورية" إلى "نظام وراثي عسكري". وبينما يسعى "الحرس الثوري" لاستخدام مجتبى كغطاء للحفاظ على إمبراطوريته المالية والأمنية، يجد "المرشد" الجديد نفسه محاصرا بين إرث والده "المقاوم" وواقع الحرب المدمرة التي تشنها واشنطن وتل أبيب.

أ.ف.ب
القوات البرية التابعة للحرس الثوري الإيراني (NEZSA) في 18 أكتوبر 2022

إن خيار مجتبى بين أن يكون "الحسين" الذي يقاتل حتى النهاية أو "الحسن" الذي يعقد صلحا تاريخيا، هو الذي سيحدد ليس فقط مصير عائلة خامنئي، بل مستقبل خارطة إيران السياسية. وفي ظل اتهامات الفساد، وملاحقة وزارة الخزانة الأميركية له، يبدو أن طريق مجتبى في السلطة لن يكون مفروشا بالورود، بل محفوف بالمخاطر التي قد تجعل عهده هو الأقصر والأكثر اضطرابا في تاريخ "الجمهورية الإسلامية".

هل سينجح مجتبى خامنئي في تحويل "كأس السم" إلى شراب حياة للنظام عبر مفاوضات "مصلحة مقابل مصلحة"؟ أم إنه سيسقط ضحية لـ"سم" الصراعات الداخلية والضغوط الخارجية، منهيا بذلك حقبة "ولاية الفقيه" التي بدأت بالثورة وانتهت بالوراثة؟

font change

مقالات ذات صلة