ترمب يضع بوتين أمام معضلة إيرانية

شريك محتمل للكرملين يساعد في قتل حليف لموسكو، ما يغذي هواجس الزعيم الروسي بشأن الإطاحة بالقادة

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
الزعيم الإيراني علي خامنئي يستقبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في طهران، 19 يوليو 2022

ترمب يضع بوتين أمام معضلة إيرانية

في أعقاب مقتل الزعيم الإيراني علي خامنئي في الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، يواجه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين معضلة صعبة. فقد قُتل حليف أيديولوجي وجيوسياسي قديم بدعم كامل من حليف أيديولوجي وجيوسياسي محتمل آخر للكرملين، هو الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

لم تُبدِ موسكو ارتياحا في مطلع هذا العام حين اعتقلت القوات الأميركية الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو واحتجزته، لكن بوتين والكرملين أحجما آنذاك عن توجيه انتقادات حادة. ويعود ذلك جزئيا إلى أن واشنطن قدمت العملية في إطار عقيدة ترمب التي تعد نصف الكرة الغربي مجالا حيويا للولايات المتحدة. ومن منظور الكرملين، تضفي تحركات ترمب في أميركا اللاتينية شرعية على ادعاء موسكو بوجود مجال نفوذ لها في أوكرانيا وأوروبا ومناطق أخرى. ومع ذلك، لم يكن الاعتقال والاحتجاز في مرتبة الاغتيال.

أما ما جرى في إيران، فيقع ضمن ما تعده روسيا نطاقا قريبا منها، وإلى حد ما مجال نفوذها، لا بحكم الجغرافيا وحدها، بل أيضا لأن إيران عضو في مجموعة بريكس التي تقودها روسيا والصين. لذلك لم تُبدِ موسكو هذه المرة أي تحفظ في إدانة القتل. وفي رسالة وجهها بوتين إلى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، قال إن اغتيال خامنئي وأفراد من عائلته وقع "بانتهاك صارخ لكل معايير الأخلاق الإنسانية والقانون الدولي".

(رويترز)
مقاتلة أميركية تستعد للهبوط على حاملة الطائرات أبراهام لنكولن خلال العملية العسكرية ضد إيران، 2 مارس 2026

لكن الأهم من ذلك، أن الرسالة المنشورة على موقع الكرملين صيغت بما يتجنب توجيه اتهام مباشر إلى ترمب والولايات المتحدة. وقد يحرص بوتين على إظهار القوة وأداء دور الرجل القوي الذي يفعل ما يشاء، لكنه في الواقع لا يقدر حتى على تحمل كلفة مهاجمة رئيس أميركي بالكلام، في وقت يدمر فيه ذلك الرئيس حلفاءه.

حين اعتقلت القوات الأميركية نيكولاس مادورو في فنزويلا أحجم بوتين عن توجيه انتقادات حادة لواشنطن.. وكذلك حين قتل خامنئي في طهران

مرتين منذ بداية هذا العام، وجد بوتين نفسه في موقف حرج أمام حلفائه وأمام دول الجنوب العالمي التي تفترض موسكو أنها تتحدث باسمها. فقد راهن على أن يكون ترمب نموذجا مختلفا من القادة الأميركيين، وعلق آمالا كبيرة على التقارب مع واشنطن، ولا سيما بسبب حياد إدارة ترمب الودي في الحرب الروسية-الأوكرانية وفي مسار المفاوضات. ولن يسهل على بوتين أن يتراجع عن علاقته الخاصة مع ترمب من دون تعريض موقفه المساند لموسكو للخطر. وبينما أصدرت الخارجية الروسية بيانا تقليديا معاديا للولايات المتحدة استعادت فيه بعض نبرات الخطاب السوفياتي القديم المناهض للإمبريالية، التزم الكرملين الصمت حيال الجهة التي نفذت الهجوم.

عمليا، تولت وزارة الخارجية ووسائل الإعلام الروسية الرسمية مهمة انتقاد الولايات المتحدة، في وقت يعمل فيه الكرملين على بناء علاقته الخاصة مع ترمب ودائرته المقربة، مثل صهره جاريد كوشنر، وشريكه في الغولف الذي أصبح مفاوضا، ستيف ويتكوف. هذا الصمت يُظهر بوتين بصورة الرجل القوي-الضعيف، إذ يتباهى بسلطة غير مقيدة، لكنه في الواقع لا يقدر حتى على إغضاب رئيس أميركي، ولو بالكلام، بينما يدمر ذلك الرئيس حلفاءه.

أما في نظر الكرملين، فإن إظهار دعم واسع لإيران يعني الاصطفاف علنا إلى جانب خصوم ترمب، وما يرافق ذلك من خطر استثارة غضبه والتحول إلى طرف في مواجهة مع الولايات المتحدة. ومن شأن هذا المسار أن يبدد الحياد الودي الذي تبديه واشنطن في الحرب الروسية الأوكرانية، وأن يطيح بأي فرصة لرفع العقوبات الأميركية. ويبدو واضحا أن الكرملين لم يختر نهج المواجهة في التعامل مع ترمب. كما لا يخدم مصلحة موسكو أن تدفع ترمب نحو الرأي السائد لدى كثير من السياسيين الأميركيين، الذي يضع بوتين وخامنئي في خانة واحدة.

(أ.ف.ب)
زهور أمام صورة للزعيم الإيراني الراحل علي خامنئي أمام السفارة الإيرانية في موسكو، 2 مارس 2026

ومن الواضح أيضا أن ما يجري في إيران يحظى باهتمام كبير من بوتين. فقد ظل مقتل رئيس دولة على نحو عنيف من القضايا التي تشغل تفكيره. وكان مقتل الزعيم الليبي المعزول معمر القذافي عام 2011 نقطة تحول في السياسة الروسية، وأحد أبرز المبررات التي استند إليها الكرملين في تشديد نهجه المعادي للغرب.

إظهار دعم الكرملين الواسع لإيران يعني الاصطفاف علنا إلى جانب خصوم واشنطن، وما يرافق ذلك من خطر استثارة غضب ترمب

إن اغتيال زعيم وهو في سدة الحكم تذكير مؤلم بأن هذا السيناريو ليس مستحيلا، إذ يذكّر بأن القائد قد يكتسب، ومعه موقعه، هالة من القداسة في الداخل واعترافا في الخارج، ثم يأتي من لا يعبأ بكل ذلك. فقنبلة واحدة تكفي لأن تعيد تلك الشخصية المقدسة إنسانا فانيا في لحظة واحدة.

وفي تصور بوتين للعالم، يجوز قتل الخونة وشخصيات المعارضة، لكن رئيس الدولة، حتى إن كان على رأس دولة معادية، يظل متمتعا بقدر من الحماية، كحال رئيس عشيرة معادية في شبكات مافيا متنافسة، وذلك لمجرد وجود تواصل بين الزعماء. غير أن هذا لا ينطبق، بالطبع، على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي نجا من محاولات اغتيال روسية متعددة. ويعود ذلك إلى أن بوتين لا يعترف بأوكرانيا دولة ذات سيادة منفصلة عن روسيا، وهو ما يجعل زيلينسكي، في نظر الكرملين، مجرد خائن تجب تصفيته.

(رويترز)
دونالد ترمب وفلاديمير بوتين خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع لبحث إنهاء الحرب في أوكرانيا في ألاسكا، 15 أغسطس 2025

ومنذ مقتل القذافي، كرر بوتين مرارا أن أكثر ما يؤلمه في تلك الواقعة أن من مهدوا لها وأجازوها هم أنفسهم من سبق أن صافحوا الزعيم الليبي.

اغتيال زعيم وهو في سدة الحكم تذكير مؤلم بأن هذا السيناريو ليس مستحيلا.. قنبلة تكفي لأن تعيد تلك الشخصية المقدسة إنسانا فانيا في لحظة واحدة

وفي بيانها بشأن التطورات في إيران، اعترضت الخارجية الروسية على تنفيذ "الهجمات مرة أخرى تحت ستار عملية تفاوض مستأنفة". وفي ذلك إشارة إلى فنزويلا، حيث سبق اعتقال مادورو أيضا مفاوضات بينه وبين ترمب شخصيا، وبين الإدارتين.

فإذا كانت المفاوضات على أعلى مستوى لا تحول دون إزاحة قائد، وإذا كان الانتقال من التفاوض إلى الاستهداف قد يقع في لحظة، فماذا يعني ذلك لبوتين إذا لم تُرض نتائج المفاوضات بشأن أوكرانيا ترمب؟

لكن هذا لا يعني أن الكرملين يُسقط الحالة الإيرانية مباشرة على نفسه أو أنه يشعر بالعجز. وقد يميل منتقدو الأنظمة الاستبدادية المعادية للغرب إلى وضعها في سلة واحدة، غير أن ديكتاتوريي هذه الأنظمة لا ينظرون بالضرورة إلى أنفسهم بهذه الطريقة. فمحور الأنظمة الاستبدادية له بنية معقدة. فلا تربط روسيا وإيران التزامات عسكرية من النوع القائم بين روسيا وكوريا الشمالية. كما ترى روسيا نفسها أقرب بكثير إلى الصين، بوصفها قوة نووية كبرى، منها إلى إيران التي لم تتجاوز بعد العتبة النووية.

(أ.ف.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يلتقي الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في عشق آباد، 12 ديسمبر 2025

وقد يرى بوتين، وهو يفتش عن شواهد تؤكد صواب قراره بشن حربه الكارثية على أوكرانيا، دليلا في مصير إيران، الدولة التي أخفقت في إبعاد التهديدات عن حدودها، وسمحت بتطويقها بحكومات غير صديقة وقواعد أميركية.

محور الأنظمة الاستبدادية له بنية معقدة.. ترى روسيا نفسها أقرب بكثير إلى الصين، بوصفها قوة نووية كبرى، منها إلى إيران التي لم تتجاوز بعد العتبة النووية

ومع ذلك، بنى النظام الروسي جزءا مهماً من استراتيجيته على افتراض أن ترمب يختلف عن أسلافه في البيت الأبيض. لكن هجومه على ديكتاتورية أخرى يضرب هذه الاستراتيجية في الصميم، وهي استراتيجية قامت على آمال بحدوث تحول سياسي واسع يقوده ترمب في الغرب. كما يمنح هذا الهجوم دفعة للمتشككين داخل القيادة الروسية، الذين يرون أن الولايات المتحدة، سواء كان ترمب في السلطة أم لا، ستظل في النهاية خصما لموسكو.

كما يثير إسقاط القيادة الإيرانية على نحو مفاجئ مسألة الخلافة في روسيا، إذا أُبعد الزعيم فجأة عن السلطة. وقد لا يكون بوتين بصدد الإعداد لأي انتقال للسلطة، لكن كبار المسؤولين ودوائر النخبة قد يشرعون في التفكير في ترتيباتهم لمثل هذا السيناريو. ويزداد هذا الاحتمال أهمية لأن ترمب، في فنزويلا وإيران، بدا ميالا إلى عدم التعويل على المعارضة لإحداث تغيير النظام، مفضلا مسارا يصب في مصلحة النومنكلاتورا القائمة (طبقة النخبة الحاكمة). وتقوم هذه المقاربة، فيما يبدو، على إزاحة المسؤول الأعلى، والتخلص من العناصر التي لا يمكن التفاهم معها عند الضرورة، ثم إخضاع من يبقى تحت وطأة التهديد بالإبادة، مع دعوة الناس، في الوقت نفسه، إلى الاستيلاء على السلطة.

(أ.ف.ب)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يخاطب أعضاء الحكومة خلال زيارة ضريح آية الله روح الله الخميني في طهران، 31 يناير 2026

ويُنظر، بحق، إلى الهجوم الأميركي الإسرائيلي المشترك على إيران بوصفه دليلا إضافيا على تقوض النظام الدولي القائم على القواعد، وعلى صعود منطق الإكراه المجرد الذي تفرضه الدول الأقوى. وعلى خلاف إدارة بوش التي سعت في الأمم المتحدة إلى انتزاع غطاء رسمي لحرب العراق، لم يسع ترمب حتى إلى تبرير خطوته. فلم يطلب موافقة الكونغرس، ولم يلتمس تفويضا من الأمم المتحدة. وتخلى فجأة عن الدور الذي قدم به نفسه بوصفه صانعا للسلام، ليفتتح حربا جديدة بلا كابح ولا تفسير مقنع.

الهجوم على إيران أعطى دفعة للمتشككين داخل القيادة الروسية، الذين يرون أن واشنطن بوجود ترمب أو غيابه، ستظل في النهاية خصما لموسكو

ومن المفارقات أن جانبا من النظام المؤسسي العالمي لا يزال قائما، رغم أفعال ترمب، بل وبسببها على نحو ما. فعلى الرغم من إصراره على أن غايته ليست تصدير الديمقراطية، بل حماية أمن الولايات المتحدة وإزالة التهديدات، فإن الأنظمة السلطوية هي التي تتعرض للهجوم. وعلى الرغم من أن إدارة ترمب تضغط على الحليف والخصم معا، فإن الهشاشة الداخلية وافتقار الشرعية هما ما يجعل الأنظمة الاستبدادية أكثر قابلية للانهيار السريع. وبصرف النظر عن حديث ترمب عن ضم غرينلاند، فلا تبدو هناك قدرة مؤسسية ولا أطر مفاهيمية تسمح باستخدام القوة ضد الديمقراطيات، حتى في عهده.

ومع بروز قادة مثل ترمب يتحركون خارج قواعد النظام الدولي القائم، يغدو ضعف شرعية الأنظمة السلطوية تهديدا مباشرا لأمنها. وفي هذا الجانب، تجد روسيا نفسها فعلا في موقع قريب من إيران وسوريا وفنزويلا. ولهذا، وعلى الرغم من كل الفوارق بينهم، يبدي بوتين اهتماما شخصيا واضحا بمصائر خامنئي ومادورو والرئيس السوري السابق بشار الأسد وغيرهم من الحكام السلطويين.

font change

مقالات ذات صلة