حذرٌ تركي من الحرب على إيران... الأكراد أولا

لا تخفي تركيا عدم رضاها عن هجوم الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران

أ.ف.ب
أ.ف.ب
رفع متظاهرون صور المرشد الأعلى علي خامنئي، خلال تجمعهم أمام القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول في 1 مارس 2026

حذرٌ تركي من الحرب على إيران... الأكراد أولا

ربما تكون الولايات المتحدة وإسرائيل قد قضتا على "المرشد" الإيراني علي خامنئي، وعلى كبار المسؤولين الأمنيين في البلاد، بما في ذلك وزير الدفاع وقائد "الحرس الثوري" وكثيرون غيرهم، لكن النظام الإيراني يواصل القتال. فبالنسبة إليه، تمثل هذه المواجهة مسألة وجود أو عدم.

وفي المقابل، يواجه الرئيس ترمب أيضا مخاطر كبيرة إذا طال أمد الحرب، وإذا نجا النظام، وإذا تكبّدت الولايات المتحدة خسائر كبيرة. وهو يتعرض بالفعل لانتقادات لأنه انجرف إلى صراع عسكري وراء إسرائيل، ومن دون مراعاة الإجراءات القانونية اللازمة لمثل هذا الفعل.

الشرق الأوسط يشتعل. وتبدو هذه المرة ردود النظام الإيراني أكثر استعدادا وتنظيما ودقة مقارنة بتفاعله مع هجمات مماثلة نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل في الماضي. فقد استهدفت صواريخ إيران ومسيّراتها قواعد عسكرية أميركية في دول الخليج وفي العراق، وسفنا حربية أميركية، وإسرائيل، ما أدى إلى سقوط قتلى وحدوث أضرار.

ولم تقتصر الضربات على ما سبق، إذ تعرضت القاعدة البريطانية في جزيرة قبرص، ومنشأة نفطية في السعودية، ومنشأة الغاز الطبيعي في قطر أيضا لضربات. ونتيجة لذلك، يرزح الاقتصاد العالمي تحت ضغط مع قفزة في أسعار النفط، وكذلك في سلع أخرى، ومع تراجعات حادة في البورصات في كل مكان.

وفي خطوة تصعيدية، أعلنت إيران أنها أغلقت مضيق هرمز الذي تمر عبره 20 في المئة من شحنات النفط العالمية. وقد يسبب هذا الإجراء اضطرابات ويؤثر في الاقتصاد العالمي، لكنه لن يبدّل قواعد اللعبة.

وعلى خط موازٍ، استجاب "حزب الله" لنداء إيران الذي وجهته إلى حلفائها بشن هجمات على شمال إسرائيل، غير أن هذه الخطوة قوبلت بردود من أحزاب لبنانية، بما في ذلك من داخل بيئته. وردّت إسرائيل باستهداف مواقع في بيروت وأماكن أخرى.

ومع استمرار التصعيد، يظل احتمال لجوء إيران إلى أسلحة دمار شامل قائما بما قد يؤدي إلى خسائر بشرية هائلة. غير أن خطوة كهذه ستقود بالتأكيد إلى رد مدمّر وتدفن أي فرصة لبقاء النظام.

وبينما تتسع دائرة التوتر، ناشدت السعودية وقطر ودول خليجية أخرى، إلى جانب تركيا، الولايات المتحدة وإيران حل المشكلة عبر الدبلوماسية وتجنّب المواجهة العسكرية. غير أن علاقة النظام الإيراني بتركيا لم تكن ودودة يوما، إذ سعى في وقت ما إلى نقل ثورته الإسلامية إلى تركيا.

ومنذ وصول "حزب العدالة والتنمية" بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان إلى السلطة في 2002، قد يبدو أن العلاقات المتوترة تحسنت، لكنها لم تتحسن فعليا. فالبلدان تنافسا على النفوذ الإقليمي، وتواجها في سوريا، حيث أدى سقوط نظام الأسد إلى خسارة إيران وصعود الأتراك، وكان القوقاز أيضا ساحة منافسة شديدة.

على الصعيد الاقتصادي، قد تتأثر العلاقات الاقتصادية والتجارية لتركيا مع إيران، بما في ذلك واردات الطاقة، إذ تؤمّن تركيا نحو 10 إلى 12 في المئة من غازها الطبيعي من إيران

ومع ذلك، لا تخفي تركيا عدم رضاها عن هجوم الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، لأسباب متعددة. فهي تخشى أن تعود إلى الكابوس الذي سببه ملف سوريا، إذ قد يفتح انحدار إيران نحو عدم الاستقرار والصراع الداخلي، وما قد يصاحبه من فراغ أمني، المجال مرة أخرى أمام منظمات إرهابية ومتطرفة، كما حدث في سوريا.

ويضاف إلى ذلك احتمال تكرر تدفق واسع للاجئين غير النظاميين إلى تركيا، إذ يتشارك البلدان حدودا مشتركة بطول 510 كيلومترات. وفي هذا السياق، ينخرط الرئيس أردوغان ووزير الخارجية هاكان فيدان في دبلوماسية هاتفية مكثفة مع نظرائهما في المنطقة وخارجها، بما في ذلك الأميركيون والإيرانيون، في محاولة لدفع الأطراف المتصارعة إلى طاولة الدبلوماسية.

وكانت تركيا قد عرضت الوساطة قبل الهجوم، لكن إيران لم تقبل ذلك، وتولت عُمان دور الوسيط. وفي الوقت نفسه، لم تستهدف إيران تركيا رغم وجود قاعدة إنجرليك الجوية في أضنة ومحطة رادار كورجيك في ملاطيا، لأن إيران لا تريد استعداء تركيا، ولأن القاعدة والمحطة تندرجان ضمن نطاق المادة الخامسة من معاهدة "الناتو"، التي تنص على أن أي هجوم مسلح على أحد الحلفاء يعد هجوما على الجميع ويواجَه برد جماعي. ومع ذلك، أعلنت تركيا أن قوات حلف "الناتو" أسقطت صاروخا باليستيا أطلق من إيران في اتجاه الأراضي التركية.

وتواجه تركيا كذلك قلقا آخر يتمثل في أن الأزمات الداخلية والتدخلات الخارجية في العراق وسوريا لطالما أفرزت بعدا كرديا. فهناك الآن إدارة كردية إقليمية في العراق، ونسخة مشابهة لها في سوريا، حيث تشكل "قوات سوريا الديمقراطية" أحد الطرفين الرئيسين هناك. ويمكن توقع سيناريو مشابه في إيران.

أ.ف.ب
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان, أنقرة في 19 نوفمبر 2025

وفي الآونة الأخيرة، نال ملف أكراد إيران تغطية أوسع بكثير في وسائل الإعلام الدولية. ففي نهاية الأسبوع الماضي، أعلنت خمس منظمات كردية إيرانية بارزة تشكيل "ائتلاف القوى السياسية لكردستان إيران"، هي: "حزب الحياة الحرة الكردستاني" (PJAK)، وهو النسخة الإيرانية من "حزب العمال الكردستاني"، و"الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني" (KDP-I)، و"حزب الحرية الكردستاني" (PAK)، ومنظمة "كومله"، و"سازماني خه بات".

وعلى الصعيد الاقتصادي، قد تتأثر العلاقات الاقتصادية والتجارية لتركيا مع إيران، بما في ذلك واردات الطاقة، إذ تؤمّن تركيا نحو 10 إلى 12 في المئة من غازها الطبيعي من إيران.

وفي صورة أوسع، تتصرف الولايات المتحدة في عهد الرئيس ترمب أكثر فأكثر كشرطي القرية العالمية. فقد تحوّل استخدام القوة العسكرية بشكل أحادي إلى أداة محورية في سياسة إدارة ترمب الخارجية، للتخلص مما تراه مشكلة في أي مكان بالعالم، من دون اكتراث بالقانون الدولي أو بقرارات مجلس الأمن.

رغم أن النظام أبقى الإيرانيين تحت الضغط لسنوات، وقتل عشرات الآلاف من المحتجين، فلا يخلو النظام من مؤيدين. حيث خرج إيرانيون مؤيدون للنظام إلى الشوارع احتجاجا على مقتل خامنئي

وتبرز أمثلة على هذه السياسة في سقوط نظام الأسد في سوريا، والعملية ضد إيران في يونيو/حزيران الماضي، واعتقال الرئيس الفنزويلي مادورو ومحاكمته في الولايات المتحدة، وقتل زعيم الكارتيل "إل مينشو" في المكسيك، والآن العملية ضد إيران.

وبذلك تعيد الولايات المتحدة وإسرائيل معا تشكيل الشرق الأوسط. وتركيا، مثل دول كثيرة أخرى، غير راضية عن اعتبار الولايات المتحدة وإسرائيل نفسيهما مخولتين بتنفيذ عمليات ضد أي دولة وأي قائد تريدانه من دون أي مساءلة، لكنها تتخذ موقفا محسوبا في إعلان رأيها كي لا تستعدي الرئيس ترمب.

وفي هذا الإطار، قال الرئيس ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن أحد الأهداف الرئيسة لهذه العملية هو إضعاف النظام، بما يمهّد الطريق أمام الشعب الإيراني لاستعادة زمام الأمور. ومع ذلك، لا يُرجَّح أن تُفضي عملية عسكرية من هذا النوع إلى تغيير النظام في إيران، ما لم تقترن بتغيير سياسي من داخل البلاد.

أ.ف.ب
زوارق تُناور حول ناقلة نفط خلال مناورة عسكرية لعناصر من الحرس الثوري والبحرية في مضيق هرمز، نشرت الصورة من قبل موقع "سيبا نيوز" الرسمي التابع للحرس الثوري الإيراني في 17 فبراير 2026

وعلى الرغم من أن النظام أبقى الإيرانيين تحت الضغط لسنوات، وقتل عشرات الآلاف من المحتجين وحرمهم من ظروف عيش كريمة، لا يخلو النظام من مؤيدين. فقد خرج إيرانيون مؤيدون للنظام إلى الشوارع احتجاجا على مقتل خامنئي وتعبيرا عن الحداد عليه، فيما بقي معارضو النظام خارج المشهد، حتى الآن.

وإذا واجهت هاتان المجموعتان بعضهما في الشوارع، وانضم جزء من القوات المسلحة إلى المعارضين، تلوح احتمالات صراع داخلي وحرب أهلية. وتكمن مشكلة كبرى في إيران في غياب البديل، كما كان الحال عام 1979 حين مثّل آية الله الخميني البديل.

فإذا جاء التغيير من داخل النظام نفسه، يكثر تداول اسم علي لاريجاني، رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي، بوصفه شخصية صارمة لكنها برغماتية. والاسم الآخر هو نجل الشاه المعزول، محمد رضا بهلوي، البالغ 65 عاما، الذي يعيش في واشنطن منذ الثورة. ويُطرح اسمه بوصفه منقذا، لكن لا يرجح أن يقبل الإيرانيون استبدال نظام الملالي القمعي ببقايا نظام الشاه القديم الذي اتسم بالبذخ والفساد والقمع.

وفي المحصلة، تريد الولايات المتحدة وإسرائيل تغيير النظام في إيران، وتهدفان إلى جعل إيران عاجزة عسكريا، على نحو يذكّر بنزع السلاح وإزالة الطابع العسكري عن ألمانيا بموجب "معاهدة فرساي" بعد الحرب العالمية الأولى. أما إيران فتقاتل دفاعا عن نفسها، لا لهزيمة خصومها عسكريا، بل كي تستطيع القول: "قاتلنا بشدة وأجبرنا العدو على العودة إلى طاولة التفاوض".

font change

مقالات ذات صلة