تدخل إسرائيل والولايات المتحدة يومهما الثالث في أكثر حملة عسكرية تشهدها منطقة الشرق الأوسط منذ غزو العراق عام 2003، وهي عملية مشتركة تعلن صراحة أن هدفها تفكيك القدرات العسكرية الإيرانية وإسقاط الجمهورية الإسلامية. ففي 28 فبراير/شباط 2026 أطلقت إسرائيل عملية "الأسد الزائر"، فيما دشنت الولايات المتحدة عملية "الغضب الملحمي"، ضمن ضربات منسقة أسفرت عن مقتل "المرشد الأعلى" آية الله علي خامنئي، وإطاحة الصف الأول من القيادة العسكرية الإيرانية، واستهداف منشآت نووية ومواقع للصواريخ الباليستية وبنى تحتية بحرية في أنحاء البلاد.
تمثل هذه العملية ذروة مسار استراتيجي امتد على مدى عامين، وبدأ بتدمير إسرائيل منظومات الدفاع الجوي الإيرانية في أكتوبر/تشرين الأول 2024، وتسارع إيقاعه خلال حرب الأيام الاثني عشر في يونيو/حزيران 2025. ويستند هذا التحول الجذري من سياسة الاحتواء طويلة الأمد إلى المواجهة المباشرة إلى تقدير بأن النظام الإيراني بلغ أضعف حالاته منذ عقود، وأن شبكة وكلائه قد تآكلت، وأن هامش التحرك بات أوسع مما كان عليه في أي وقت مضى.
من حرب الظل إلى النصر الكامل
قاد التصعيد التدريجي إسرائيل إلى الابتعاد عن عقيدتها التي سبقت السابع من أكتوبر، والتي كانت تعرف بـ"المعركة بين الحروب" (بالعبرية: مابام)، نحو استراتيجية ترمي إلى كسب الحرب ذاتها. اعتمدت مقاربة الاحتواء السابقة على إضعاف الخصوم عبر ضربات محدودة ومتكررة، مع الحرص على البقاء دون عتبة الحرب الشاملة. وقامت فلسفتها الوقائية على تجنب انفجار إقليمي واسع عبر تقويض القدرات الإيرانية تدريجيا وحرمان طهران من أي مسار قد يفضي إلى تفوق إذا اندلع صراع أكبر. ومنذ السابع من أكتوبر مالت القيادة الإسرائيلية بصورة متزايدة إلى تبني نهج "النصر الكامل".
لم يكن هذا التحول وليد لحظة عابرة، بل أسهمت فيه حسابات إيرانية خاطئة. ففي غضون عامين تقريبا، تآكلت أعمدة الردع الإيراني تباعا. وكان "حزب الله" يشكّل الركيزة الأساسية في منظومة الدفاع المتقدم لطهران، إذ قدرت ترسانته قبل السابع من أكتوبر بنحو 150 ألف صاروخ وقذيفة، قادرة على إيقاع خسائر بشرية واسعة وإحداث اضطراب ممتد داخل إسرائيل. ورسخت عقود من الاستثمار الإيراني في هذه الذراع اللبنانية لإيران معادلةً ردعية واضحة مفادها أن أي استهداف مباشر لإيران سيقابل بوابل كثيف قد يرهق الدفاعات الجوية الإسرائيلية ويهدد القواعد الجوية المستخدمة في الطلعات بعيدة المدى ويستنزف الموارد الإسرائيلية بعيدا عن الساحة الإيرانية، وربما يدفع إسرائيل إلى عملية برية مكلفة في لبنان لوقف إطلاق النار.


