الشعب الإيراني... حسابات أعقد مما تتصوره رسالة ترمب

افتراضات كبيرة وتاريخ معقّد

المجلة/رويترز
المجلة/رويترز

الشعب الإيراني... حسابات أعقد مما تتصوره رسالة ترمب

نداء دونالد ترمب المباشر للشعب الإيراني بأن "ساعة حريتكم قد أزفت"، في مستهلّ الحرب الأميركية-الإسرائيلية للإطاحة بالنظام على ما يبدو، يكشف الكثير عن افتراضات الرئيس الأميركي حول الإيرانيين أكثر مما يكشف عن الكيفية التي سيستجيبون بها لخطابه في ساعة الصفر.

قال ترمب: "حين ننتهي، تمكنوا من حكومتكم، ستكون لكم. وهذه على الأرجح فرصتكم الوحيدة لأجيال مقبلة". لا بد أنه كان يخاطب شعبا متخيَّلا، يتوقع منه أن يكون مرحِّبا وممتنّا للهجوم الأميركي-الإسرائيلي على بلاده.

إن كان للتاريخ البعيد والقريب من دلالة، فإن غالبية الإيرانيين قادرون على معارضة النظام الإيراني، والحزن على ما آلت إليه بلادهم خلال العقود الماضية، والتمني لو أُزيح عن كاهلهم، لكنهم في الوقت ذاته يرفضون أن تقصف دولة أجنبية أرضهم وتُملي عليهم متى وكيف يكونون أحرارا. وهذان الموقفان ليسا متناقضَين البتة، بل هما تفكير منطقي لأمة تعتز بكونها من أعرق الحضارات في التاريخ.

ما إن تُشغّل أيَّ قناة إخبارية أميركية كبرى منذ الساعة الأولى للحرب، حتى يكشف التعليق السياسي من "خبراء إيران" وبعض أصوات المعارضة في المهجر ما يمكن تسميته بـ"مشكلة الانتقائية" في تأطير الاستجابة الإيرانية المتوقعة.

الإطار التحليلي السائد مبني على المصالح الاستراتيجية الأميركية، سواء جاء من مسؤولين أميركيين سابقين، أو من إيرانيين-أميركيين غادروا إيران منذ عقود، بعضهم وُلد أصلا بعد الثورة الإسلامية عام 1979. ويكشف هذا التعليق عن انفصال عميق عن الواقع السياسي الذي تشكّل على مدى سبعة وأربعين عاما، رسّخ فيها النظام سلطته، ناهيك عن أن التاريخ السياسي علّم الإيرانيين مرارا وتكرارا أن أي قوة أجنبية لم تتدخل في شؤونهم يوما إلا وكانت مصالحها هي المحرك الأول والأخير.

التاريخ علّم الإيرانيين مرارا وتكرارا أن أي قوة أجنبية لم تتدخل في شؤونهم يوما إلا وكانت مصالحها هي المحرك الأول والأخير

في عام 1907، قسّمت بريطانيا وروسيا إيران إلى مناطق نفوذ دون أن تستشيراها، بريطانيا في الجنوب وروسيا في الشمال. وقد جاء ذلك لحل التنافس الإمبريالي الأنغلو-روسي في آسيا الوسطى فحسب، فيما كانت إيران تُعامل كموضوع جغرافي لا كدولة ذات سيادة.

وحين أعلن رضا شاه حياد إيران في مستهل الحرب العالمية الثانية عام 1941، اجتاحتها بريطانيا والاتحاد السوفياتي، بريطانيا من الجنوب والسوفيات من الشمال، لأنهما كانتا في حاجة إلى الأراضي الإيرانية لتأمين الإمدادات في حربهما ضد ألمانيا النازية، والمصلحة الحقيقية كانت اللوجستيات وأمن النفط.

رويترز
علم إيراني وسط طهران بعد ساعات من بدء الهجوم الأميركي-الإسرائيلي

وفي عام 1951، أقدم محمد مصدق، رئيس الوزراء الإيراني المنتخب ديمقراطيا، على تأميم شركة النفط الأنغلو-إيرانية، في قرار حظي بتأييد غالبية الإيرانيين بوصفه تعبيرا عن السيادة الوطنية. وبعد عامين، دبرت المخابرات الأميركية والبريطانية عملية أسقطت مصدق وأعادت نظام الشاه في شخص محمد رضا بهلوي، الذي أُجبر أبوه ذاته على التنازل عن الحكم إبان الغزو الأنغلو-سوفياتي عام 1941.

وفي السياق الإقليمي الأحدث عهدا، قيل للعراق إن التحرير على الأبواب عام 2003. وقيل لليبيا الشيء ذاته عام 2011. ولم يجد أيٌّ من البلدين ما وعدت به واشنطن بعد إسقاط النظام. والإيرانيون الذين شهدوا التجربتَين يعرفون هذا جيدا.

موجات الاحتجاج الأخيرة في إيران ليست مجرد أحداث تاريخية، بل هي شواهد  تُفند مباشرة الافتراض المحوري الكامن في رسائل ترمب وفي التحليل الإعلامي الأميركي على نطاق أوسع، بأن الشعب سيرحب بالتدخل الأجنبي.

لم تكن أيٌّ من هذه الموجات الاحتجاجية في حاجة إلى رئيس أميركي يُخبر الإيرانيين بأن ساعة حريتهم قد أزفت

فكل حركة احتجاجية أنتجتها إيران في أعوام 2009 و2019 و2022 و2026 نبعت كليا من صميم المجتمع الإيراني، وارتكزت على مظالم إيرانية خالصة. وقد اشتعلت موجات الاحتجاج المتعاقبة ضد النظام من شرارات محلية متنوعة، من اتهامات بتزوير الانتخابات إلى الأزمات الاقتصادية إلى وفاة شابة إيرانية-كردية بعد اعتقالها. ولم تكن أيٌّ من هذه الموجات الاحتجاجية في حاجة إلى رئيس أميركي يُخبر الإيرانيين بأن ساعة حريتهم قد أزفت.

والمفارقة السياسية تكمن في أن استراتيجية القمع التي انتهجها النظام في كل مرة، والتي تجلّت في الإعدامات الميدانية وسجن الناشطين، كانت تستدعي رواية التدخل الأجنبي، سواء في البيانات الرسمية أو في التحليلات والتعليقات التي تبثها وسائل الإعلام الحكومية.

أ ف ب
متظاهرون يحرقون الاطارات في طهران احتجاجا على مقتل الشابة مهسا اميني في 19 سبتمبر 2022

اقتصاديا، حين تقول واشنطن إنها تهتم بالشعب الإيراني بينما تفرض في الوقت ذاته العقوبات الاقتصادية التي أفقرته لعقود متتالية، فإن الإيرانيين لا يقرؤون هنا حجةً سياسية، بل يرون تناقضا صارخا في يومياتهم بين الرسائل السياسية والواقع المعاش.

وثّق كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي تدهورا متواصلا في مستويات المعيشة الإيرانية تحت وطأة عقوبات "الضغط الأقصى": تضخم فلكي، وانهيار في قيمة العملة، وشحّ في الأدوية والمعدات الطبية يطال المواطنين العاديين. والهوة الشاسعة بين الاهتمام المُعلَن من واشنطن بالشعب الإيراني والتجربة المعاشة لهذا الشعب في ظل العقوبات، ليست خافية على الإيرانيين أنفسهم.

تقوم رسائل ترمب على منطق تبادلي-تجاري بسيط: أنتم تكرهون النظام، ونحن ندمر النظام، إذن يجب أن تكونوا ممتنين. بيد أن الرفض الشديد الذي يُبديه كثير من الإيرانيين، في الداخل والخارج، للتدخل الأجنبي بهدف إسقاط النظام يُثبت أن الهوية الوطنية ليست للمقايضة.

font change

مقالات ذات صلة