نُذُر الحرب وألغام إيران في اليمن

محاصرة في البر والبحر

أ.ف.ب
أ.ف.ب
إزالة الألغام من التضاريس مع إعادة فتح الطريق المؤدي من مدينة تعز إلى العاصمة صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وإزالة الحواجز في 13 يونيو 2024

نُذُر الحرب وألغام إيران في اليمن

لم يعد ثمة شيء يوحي بأن الحرب ليست واقعة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، والشواهد على ذلك كثيرة حتى من داخل إيران نفسها التي دللت المظاهرات في شوارعها واحتجاجات الطلاب والطالبات في جامعاتها على أن قبضة النظام آخذة في الارتخاء، ولكن كيف سيكون شكل الحرب والمدى الذي يمكن أن تبلغه وأثر ذلك على مستقبل إيران والمنطقة؟ كل هذا لا يعلمه أحد.

نبرة التحدي والاستعداد لإسناد إيران في لبنان، لا تزال تبدو عالية من قبل "حزب الله" رغم انهماك إسرائيل في تكسير عظامه، وهذه المرة بواسطة البحرية الإسرائيلية التي أرادت أن تبعث بانخراطها في ذلك رسالة إلى جماعة الحوثيين الموالية لطهران في اليمن حيث ظل خطابها الإعلامي ولا يزال صامتا حتى الساعات الأخيرة على الأقل، لكن عملها على الأرض لا يهدف لمؤازرة إيران فقط ولكن لحماية نفسها من السقوط أيضا.

تتواتر التقارير عن قيام الجماعة بحفر خندق بطول نحو 30 كيلومترا في المحيط الجنوبي لمحافظة الحديدة، التي تسيطر الجماعة على موانئها التجارية الثلاثة، كما نشطت في الاستعداد لزرع المزيد من الألغام البحرية في المياه الإقليمية لليمن، كما تقدّر بعض المصادر أن الجماعة زرعت في المحيط نفسه نحو 250 ألف لغم أرضي بامتداد نحو 40 كيلومترا طوليا يفصلها عن القوات الحكومية اليمنية المتمركزة في الساحل الجنوبي الغربي لليمن.

الجماعة التي تتخذ منها إيران مخلبا ومن مناطق سيطرتها موطئا لإيذاء اليمن والإقليم والعالم أعادت بهذه الأنشطة التذكير بما يبدو بالنسبة لليمنيين قضية أهم، ألا وهي "كارثة الألغام" المرعبة الموقوتة، والقابلة للانفجار في أي لحظة حتى بعد عقود، حيث انهمكت جماعة الحوثيين في تصنيعها وإنتاجها بدعم إيراني وفي نشرها وزراعتها في أنحاء مختلفة من تراب البلاد.

أنواع الألغام وأشكالها

لم يكن لليمن طوال تاريخه العسكري سابق عهد بالتصنيع الحربي عموما وفي مجال إنتاج الألغام على وجه الخصوص، وكل ما كان بحوزته كان مستوردا من مصادر مختلفة وبمقتضى اتفاقيات تقنن وتحدد شروطه وطريقة استخدامه والحاجة إلى ذلك لضرورات عسكرية للدفاع ومنع أي هجوم أو تقدم بري معاد خلال الحروب.

لكن نوعية الألغام الأرضية، الفردية منها أو المضادة للدبابات والدروع، والبحرية التي تستهدف السفن في عرض البحر، تدل على أن "تقنية" متطورة استخدمت في ذلك، ولا يمكن أن يكون مصدرها سوى إيران، الداعم الرئيس "الوحيد" لجماعة الحوثيين، دون سواها.

نوعية الألغام الأرضية، الفردية منها أو المضادة للدبابات والدروع، والبحرية التي تستهدف السفن في عرض البحر، تدل على أن "تقنية" متطورة استخدمت في ذلك

أخطر من كل مناطق الحروب والنزاعات المسلحة التي قمت كصحافي بتغطيتها، في السودان بين جنوبه وشماله، وفي القرن الأفريقي بين إثيوبيا وإريتريا، لم يكن هناك ما هو أكثر خطورة من حقول الألغام التي مررت بها في محيط مدينة مأرب في شهر أكتوبر/تشرين الأول 2017، بل ولا أغرب من أشكال ونوعية الألغام التي شاهدتها هناك عند زيارتي لمركز لتجميع وتدمير الألغام المنزوعة في محافظة مأرب... لقد رأيت ألغاما بعضها يشبه الحجارة والحصى التي تتماهى أشكالها مع البيئة والطرقات الترابية والرملية أو الصخرية غير المعبدة وأخرى كألعاب الأطفال وقداحات السجائر وغيرها من الأصناف التي لا يمكن أن تخطر ببال أدهى وأخبث مصممي وصناع الألغام والمتفجرات، وقد جرى زرع ونشر تلك الألغام بطريقة عشوائية تؤكد أن الهدف من وضعها في الطرقات على هذا النحو ليس سوى القتل لمجرد القتل ليس إلا.

في منطقة الساحل الغربي للبلاد فقط تفيد معلومات حكومية يمنية بمقتل وجرح أكثر من 450 صيادا وتعطيل نشاط أكثر من 30 ألفا آخرين خلال الأسابيع أو الأشهر الماضية، ويقدّر أحد الصيادين أن أكثر من 264 صيادا قتلوا في البحر، إلى جانب نحو 200 صياد باتوا بين معاق وجريح جراء تعرضهم لبعض الألغام التي زرعها الحوثيون بامتداد سواحل المنطقة التي يسيطرون عليها في محافظة الحديدة.

ويؤكد علي حميد الأهدل، مدير عام الإعلام بمحافظة الحديدة، أنه تم انتزاع نحو 3500 لغم بحري بواسطة برنامج "مسام" السعودي لنزع الألغام خلال أسابيع قليلة مضت من عمر الصراع الدائر من الحوثيين الممتد لأكثر من عقد مضى.

أ.ف.ب
عرض لألغام "عاصف 4" البحرية خلال استعراض عسكري بعنوان "وعد الآخرة"، حضره كبار المسؤولين في حكومة الحوثيين المتمردة في اليمن وقوات عسكرية في محافظة الحديدة غرب البلاد، في 1 سبتمبر 2022

وقد نفذ برنامج "مسام" أيضا في منطقة باب المندب غربي محافظة تعز عملية إتلاف لنحو 6141 لغما ومخلفات حربية متفجرة تم جمعها من محافظات عدن وأبين ولحج، من بينها خمسة صواريخ كاتيوشا وألغام مضادة للأفراد والدروع والدبابات بالإضافة إلى قنابل وعبوات ناسفة وذخائر متنوعة.

زراعة عشوائية للألغام

الأخطر في كل ما يجري أن زراعة ألغام جماعة الحوثيين تتم بلا خرائط أو توثيق من قبل الجماعة لمناطق زراعتها، وهو ما يضاعف من صعوبة مسح المناطق المزروعة بالألغام والكشف عنها وانتزاعها وتدميرها، فضلا عن تعذر إيجاد فرق مدربة ومتخصصة وأجهزة ومعدات خاصة كافية للقيام بذلك، وهذا بالطبع إلى جانب الكلفة المادية للعثور على الألغام ونزعها، حيث يكلف التعامل مع اللغم الواحد ما بين 250-350 دولارا أميركيا، في حين أن قيمة اللغم الواحد أيا كان نوعه أقل من ذلك بكثير، ولا تتجاوز ما بين 5-50 دولارا.

بعد حرب عام 1994 كان هناك برنامج وطني لنزع وإتلاف الألغام ضم فريقا احترافيا من الضباط والجنود الذين استطاعوا نزع آلاف الألغام التي زرعها المقاتلون الجنوبيون الانفصاليون في محيط عدن لمنع أو إعاقة تقدم القوات القادمة من الشمال من دخول المدينة.

كان اليمن ولا يزال يعاني تركة ضخمة من الألغام التي تمت زراعتها طوال الأعوام الأربعين الماضية خلال الحروب التي شهدها بين النظامين الحاكمين سابقا في شطري البلاد

كان اليمن ولا يزال يعاني تركة ضخمة من الألغام التي تمت زراعتها طوال الأعوام الأربعين الماضية خلال الحروب التي شهدها بين النظامين الحاكمين سابقا في شطري البلاد وبالأخص في المناطق الوسطى، حيث تشير تقارير إلى أن أكثر من مليون لغم كانت "الجبهة الوطنية" المعارضة لنظام الحكم في شمال البلاد قد زرعته بمساعدة من نظام الحكم الاشتراكي السابق في الجنوب وكذلك بدعم قدمه الزعيم الليبي الراحل العقيد معمر القذافي، وذلك منذ عام 1978 وحتى قيام الوحدة عام 1990.

ثم كان هناك "موسم آخر" لزراعة الألغام على الحدود السابقة لشطري اليمن خلال ما عرف بـ"حرب الانفصال" عام 1994، حيث لا يزال الكثير منها ينفجر تحت أقدام المارة والماشية ويتكشف الكثير من بقاياها بفعل الأمطار الغزيرة والسيول التي تجرفها في بعض المرتفعات والمنحدرات السهلية.

غسيل الأدمغة وتفخيخ العقول

ورغم فداحة هذا الأمر فإن البعض يرى في عمليات "غسيل المخ" التي تقوم بها الجماعة، وركزت خلالها أكثر على فئة المراهقين والشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 14 و25 عاما، أخطر بكثير من كل ألغام الحوثيين الأرضية والبحرية والبرمائية معا.

أ.ف.ب
قوة عسكرية مشتركة من الخبراء العسكريين بقيادة التحالف العربي أثناء إزالة وتفكيك نحو 5000 لغم أرضي في 30 يناير 2021

وفي سياق محاولاتها لتجريف الوعي وتزييفه، عمدت جماعة الحوثيين على غسل عقول عشرات الآلاف من اليمنيين، مستهدفة على وجه التحديد رجال وشباب القبائل الذين يعانون من الفقر والأمية ويتوارثون سلسلة من الثارات القديمة المتوالية والمزمنة.

وأقامت الجماعة في سبيل ذلك "مراكز تدريبية" ونظمت ما سمته "دورات ثقافية" إجبارية متفاوتة من حيث مدتها ما بين شهرين وعام وأحيانا أكثر من ذلك.

في سياق محاولاتها لتجريف الوعي وتزييفه عمدت جماعة الحوثيين إلى غسل عقول عشرات الآلاف من اليمنيين، مستهدفة على وجه التحديد رجال وشباب القبائل

طوال عقد مضى من المواجهات العسكرية والعقائدية مع جماعة الحوثيين جرى تداول عشرات من مقاطع الفيديو التي تظهر مراهقين من ضحايا "التعبئة الجهادية" للحوثيين، تم أسرهم من مختلف جبهات القتال، يعبّرون فيها دون تردد أو خوف عن إيمانهم وولائهم المطلق لـ"السيد" عبدالملك الحوثي ويشتمون بسذاجة حتى من يستجوبونهم ويصفونهم بـ"المرتزقة" و"الدواعش" وغير ذلك.

معظم هؤلاء اليافعين تم الزج بهم في أتون حروب الحوثيين ولم يكونوا قد عرفوا يوما مدرسة أو كراسة أو درسا في اللغة العربية أو الرياضيات أو غيرهما، مما سهل على ميليشيات الحوثيين تجنيدهم خلال دورات "الشحن العنصرية" وذلك لـ"الجهاد" وحتى من دون تدريب أغلبهم على فنون القتال واستخدام السلاح الذي تضعه الميليشيات الحوثية بين أيديهم.

تبدو استراتيجية الحوثيين في تصنيع واستخدام الألغام المختلفة لا تشبه ما فعله "حزب الله" والفصائل الشيعية الأخرى في العراق وسوريا، بل تتجاوز ذلك بكثير مما لا يقبل المقارنة من حيث الكم أو النوع أو اتساع نطاق مساحة زراعتها بما يجعل اليمن أشبه بأكبر حقل للألغام في العالم.

وفي ذروة السجال السياسي والدبلوماسي والتوتر العسكري المتصاعد الآن بين إيران من ناحية والولايات المتحدة وإسرائيل من ناحية أخرى، لا يعير أغلب اليمنيين كثير اهتمام بالجدل القائم بشان مستقبل المشروع النووي الإيراني، رغم خطورته، قدر اهتمامهم بتحجيم برنامج طهران الصاروخي، الذي تسبب استخدامه انطلاقا من اليمن في الكثير من الضرر بمصالح اليمنيين، وكذلك بوقف دعم إيران لوكلائها في المنطقة، وعلى رأسهم ذراعها الأخطر المتبقي المتمثل في جماعة الحوثيين.

font change

مقالات ذات صلة