"قرار إيران" يهمين على خطاب ترمب عن "حالة الاتحاد"

تهدئة أم تصعيد خطير؟

رويترز/ المجلة
رويترز/ المجلة

"قرار إيران" يهمين على خطاب ترمب عن "حالة الاتحاد"

يصعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى المنصة مساء الثلاثاء (بتوقيت واشنطن)، ليلقي أول خطاب عن "حال الاتحاد" في ولايته الثانية، في لحظة يواجه فيها مفترق طرق حاسما بين مواصلة المسار الدبلوماسي أو الانخراط في مواجهة عسكرية مع إيران.

وكان ترمب قد قال في معرض تمهيده للخطاب الاثنين: "سيكون خطابا طويلا لأن لدينا الكثير لنتحدث عنه". ويعد خطاب "حال الاتحاد" الذي يلقيه الرئيس الأميركي سنويا أمام جلسة مشتركة للكونغرس في مطلع كل عام، مناسبة تتركز تقليديا على القضايا الداخلية. ويرجح أن يحظى هذا الجانب بحيز واسع في خطاب الليلة، ولا سيما في ظل القلق المتزايد بشأن متانة الاقتصاد الأميركي وتصاعد الجدل الشعبي حول سياسات الهجرة التي تنتهجها إدارة ترمب.

غير أن الحشد العسكري المتواصل في الشرق الأوسط بهدف تطويق إيران، إلى جانب قرار المحكمة العليا الأميركية الذي أضاف عقبات جديدة أمام سياسة الرسوم الجمركية التي تشكل ركنا أساسيا في نهج ترمب الاقتصادي، يضمنان أن يتطرق الرئيس في خطابه إلى ما يتجاوز الشأن الداخلي ليشمل القضايا الدولية الأوسع.

خسائر سياسية داخلية تُقوِّض موقع ترمب

يعتلي ترمب المنصة هذه الليلة وقد تراجع موقعه السياسي خلال الأشهر الماضية، نتيجة أخطاء ارتكبتها إدارته، إضافة إلى طبيعة النظام السياسي الأميركي القائم على توازن السلطات، وهو ما يحد من قدرة الرئيس على المناورة في رسم السياسات خلال المرحلة المقبلة.

تصاعد الاستياء الشعبي من سياسات الهجرة التي تُعتبر بنظر الكثير قاسية، وغياب إنجازات اقتصادية كبرى في الأشهر الأخيرة، قد أسهما معا في تعميق حالة التململ من نهج الرئيس

وتُظهر استطلاعات الرأي الأخيرة أن ترمب بلغ أدنى مستوى من حيث الشعبية منذ بدء ولايته الثانية. يبين أحد هذه الاستطلاعات، الذي أجرته صحيفة "واشنطن بوست" بالاشتراك مع "إيه بي سي نيوز" ومؤسسة "إيبسوس" الأسبوع الماضي، أن 60 في المئة من الأميركيين لا يوافقون على أداء ترمب في منصب الرئاسة، ويمثل ذلك أدنى مستوى تأييد يسجله منذ نهاية ولايته الأولى، عندما واجه معدلات رفض مماثلة في أعقاب أحداث السادس من يناير/كانون الثاني والهجوم على مبنى الكونغرس (الكابيتول).

كما يُظهر الاستطلاع ذاته أن أغلبية واضحة من الأميركيين تعارض سياسات ترمب المتعلقة بالرسوم الجمركية، والعلاقات مع الدول الأخرى، والاقتصاد، والهجرة، وقد شكّل العاملان الأخيران تحديدًا ركيزة أساسية في إعادة انتخابه عام 2024. غير أن تصاعد الاستياء الشعبي من سياسات الهجرة التي تُعتبر بنظر الكثير قاسية، وغياب إنجازات اقتصادية كبرى في الأشهر الأخيرة، قد أسهما معا في تعميق حالة التململ من نهج الرئيس.

.أ.ف.ب
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في غرفة الصحافة في البيت الأبيض، معلناً رفع الرسوم العالمية على الواردات إلى 15%، غداة حكم المحكمة العليا بإبطال معظمها. 20 فبراير 2026.

وفي النظام السياسي الأميركي، تحظى هذه المؤشرات باهتمام بالغ من القادة السياسيين والممولين على امتداد الطيف الحزبي، لأنها تعكس حجم القوة السياسية التي يتمتع بها الرئيس. وكلما طال أمد تراجع نسب التأييد وانخفضت، ازداد ميل أعضاء حزبه إلى الابتعاد عنه والسعي إلى رسم مسارات سياسية خاصة بهم. وقد بدأت بالفعل ملامح تصدعات واضحة داخل الحزب الجمهوري، وذلك قبل أقل من عشرة أشهر على انتخابات التجديد النصفي التي قد تعيد تشكيل ميزان القوى في الكونغرس على نحو لا يخدم ترمب.

المحكمة الدستورية والتعريفات الجمركية

وتتركز مخاوف كبرى لدى الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء حول كيفية إدارة ترمب للاقتصاد، وقد تعرض أحد الأعمدة الأساسية في نهجه الاقتصادي لانتكاسة الأسبوع الماضي حين قضت المحكمة العليا الأميركية بأغلبية ستة مقابل ثلاثة بأن ترمب تجاوز صلاحياته الرئاسية عندما فرض تعريفات جمركية واسعة على معظم الدول في العام الماضي. وبذلك أبطلت ركيزة اقتصادية سياسية اعتمد عليها في عامه الأول، وتعهد بالبحث عن سبل أخرى لفرض تعريفات إضافية، غير أن خياراته السياسية والاقتصادية قد تبدو أكثر محدودية في الأشهر المقبلة.

وتعمل التعريفات الجمركية في جوهرها كضرائب على الاستهلاك ترفع الأسعار، ولا يزال الأميركيون يشعرون بقلق كبير حيال الاقتصاد وارتفاع تكاليف المعيشة. ويُظهر استطلاع الرأي المذكور تراجع درجات ترمب إلى أدنى درك لها في مسألة التضخم، إذ لم يوافق سوى 32 في المئة من الأميركيين، وهم قاعدته الأساسية الصلبة، على طريقة تعاطيه مع التضخم، في حين عارضه 65 في المئة.

إذا ما اختار ترمب شكلا من أشكال التدخل العسكري ضد النظام الإيراني بدلا من المضي في الدبلوماسية، فسيكون ذلك من أخطر رهاناته في استخدام القوة العسكرية خلال فترة رئاسته

وألمح ترمب إلى أنه سيواصل السعي لفرض تعريفاته المقترحة عبر المحاكم ومن خلال إجراءات تنفيذية إضافية. لكن في ظل النظام السياسي الأميركي واعتبارات الواقع العملي، يُرجَّح أن يجد خياراته مقيدة بالحاجة إلى العمل مع الكونغرس لتنفيذ سياسات لا تحظى بقبول غالبية الأميركيين في الوقت الراهن. وتشير المؤشرات إلى أن ترمب سيعمد إلى مضاعفة التركيز على كثير من عناصر الأجندة الداخلية التي أوصلته إلى هذا الموقع الضعيف في المقام الأول.

ترمب يقترب من لحظة حاسمة في سياسة إيران

في هذا السياق السياسي الداخلي المتغير، يوشك ترمب على اتخاذ قرار مصيري بشأن إيران، ويتأرجح قراره بين مواصلة المسار الدبلوماسي الذي تبناه فريقه خلال الأسبوع الماضي أو تحويل استعراض القوة العسكرية إلى مواجهة فعلية مع النظام. ومن المقرر عقد اجتماع حاسم بين مفاوضين أميركيين وإيرانيين يوم الخميس المقبل برعاية سلطنة عمان في سويسرا، ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان الطرفان قادرين على تضييق الفجوات الواسعة التي ظهرت علنًا خلال جولة من الدبلوماسية الإعلامية في نهاية الأسبوع الماضي.

أ.ف.ب.
لوحة تحمل شعارات معادية للولايات المتحدة الأميركية، وسط طهران 17 فبراير 2026

كلّ شيء مرشّح للحدوث، بما في ذلك توجيه ضربات عسكرية أميركية، بينما يُلقي ترمب خطابه ليل الثلاثاء (بتوقيت واشنطن)، فالرئيس الأميركي حريص على عنصر المفاجأة ويهوى "عدم اليقين". وقد حذر مستشاروه العسكريون من أن الخيارات المتاحة أمامه تجاه إيران تنطوي على مخاطر أكبر بكثير مقارنة بالإجراءات العسكرية المحدودة التي نفذتها الولايات المتحدة في أماكن مثل فنزويلا ونيجيريا خلال الأشهر الماضية.

وتتعدد العوامل التي ستؤثر في القرار النهائي لترمب بشأن المسار الذي سيسلكه في التعامل مع إيران. ومع خسائره الأخيرة في الداخل، ارتفعت المخاطر السياسية التي قد يواجهها إذا قرر التدخل العسكري ضد إيران، في وقت تتراجع فيه نسب تأييده. ففي استطلاع "واشنطن بوست"، و"إيه بي سي نيوز"، و"إيبسوس"، الأسبوع الماضي، قال غالبية الأميركيين (بنسبة 54 في المئة) إنهم يعارضون استخدام ترمب للقوة العسكرية لفرض تغييرات في دول أخرى، مقابل تأييد 20 في المئة فقط، فيما قال 26 في المئة إنهم ليس لديهم رأي محدد في ذلك الأمر.

فإذا ما اختار ترمب شكلا من أشكال التدخل العسكري ضد النظام الإيراني بدلا من المضي في الدبلوماسية، فسيكون ذلك من أخطر رهاناته في استخدام القوة العسكرية خلال فترة رئاسته، وسيتوقف ما إذا كان العمل العسكري سيمنحه دفعة في مكانته السياسية على كيفية تطور مجريات الحرب.

font change

مقالات ذات صلة