واضح أن الولايات المتحدة قد ركزت في المفاوضات الدبلوماسية مع إيران، وفقدت بريق انتصارها المبدئي لاسيما وأنها لم تحقق جميع أهدافها المعلنة وقت ابتداء هجومها، فيما أضيف عائق جديد لم يكن قائما، وأقصد به إغلاق مضيق هرمز من قبل "الحرس الثوري" الإيراني والتي لم تتمكن القوات الأميركية من تحريره، وهو ما يضيف عبئا جديدا عليها. في الوقت ذاته يفتح الباب لقراءة أكثر عمقا في سياق التعاطي السياسي والأمني مستقبلا مع الولايات المتحدة وغيرها بوجه عام.
لقد جاءت هذه الحرب بعد زيارة ليست بالبعيدة للرئيس دونالد ترمب للسعودية وبعض دول مجلس التعاون الخليجي، وخلالها حصل الرئيس الأميركي على عقود كبيرة، كلها تصب في خدمة الطرفين وبخاصة السعودية ودول الخليج التي تقود نهضة كبرى في عالم التنمية. وهو ما جعلها متطورة بالشكل الواقع حاليا، بل وفاقت في تطورها التقني والخدماتي كثيرا من الدول الأوروبية المتقدمة، وحتما، وللوهلة الأولى، فهذه المشاريع التي وقَّعتها دول الخليج العربي مع كبريات الشركات الأميركية تتطلب استقرارا أمنيا بالدرجة الرئيسة في المنطقة، لتتمكن الدول المُوقِّعة من الالتزام باستحقاقاتها المالية وفق العقود المبرمة.
هذه بديهة سياسية لا تغيب عن أي دبلوماسي، لكنها لم تكن حاضرة في ذهن السياسي الأميركي وهو يعلن حربه المفتوحة ضد إيران بالشراكة مع إسرائيل، ودون أن يتشاور أو يستمع لنصيحة شركائه الاقتصاديين والسياسيين في المنطقة.وأقصد بهم دول مجلس التعاون الخليجي التي تضررت من حرب ليست حربها، وتوقف إنتاج بعضهم للنفط والغاز وفقا لمبدأ "القوة القاهرة" جراء تضرر منشآتهم بهجمات سافرة من قبل القوات الإيرانية. وهكذا دخلت دول الخليج العربي في معمعة عسكرية انعكست سلبا على جانب من مقدراتها الاقتصادية، وكان يمكن أن تتفاقم بشكل سلبي لولا وعي سياسي وحكمة في التعاطي قادتها السعودية أدى إلى خفض التصعيد إقليميا، وهو ما لم تكن تريده إسرائيل بأي حال من الأحوال.
أمام ذلك، بات حريا بدول مجلس التعاون ولاسيما المملكة العربية السعودية بوصفها الدولة الكبرى في شبه الجزيرة العربية، أن تعيد ترتيب إطاراتها السياسية والاقتصادية وصولا إلى الأمنية، بما يحقق مصلحتها بالدرجة الرئيسة، وحتما فذلك يستدعي إعادة ترتيب أوراقها غربا، وتعزيز وجودها شرقا، لتكون واسطة العقد بين الجهتين، وتؤسس لنهجها الذاتي الذي يجعل منها كتلة وازنة بين الكتل السياسية شرقا وغربا، شمالا وجنوبا.

