السعودية وطريق "إيلاف" الجديد

ثلاث مرتكزات رئيسة: السياسة والاقتصاد والأمن

رويترز
رويترز
لافتة كبيرة تُظهر "رؤية السعودية 2030" قبل وصول خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز إلى افتتاح عدد من مشاريع الطاقة في رأس الخير، المملكة العربية السعودية، 29 نوفمبر 2016

السعودية وطريق "إيلاف" الجديد

واضح أن الولايات المتحدة قد ركزت في المفاوضات الدبلوماسية مع إيران، وفقدت بريق انتصارها المبدئي لاسيما وأنها لم تحقق جميع أهدافها المعلنة وقت ابتداء هجومها، فيما أضيف عائق جديد لم يكن قائما، وأقصد به إغلاق مضيق هرمز من قبل "الحرس الثوري" الإيراني والتي لم تتمكن القوات الأميركية من تحريره، وهو ما يضيف عبئا جديدا عليها. في الوقت ذاته يفتح الباب لقراءة أكثر عمقا في سياق التعاطي السياسي والأمني مستقبلا مع الولايات المتحدة وغيرها بوجه عام.

لقد جاءت هذه الحرب بعد زيارة ليست بالبعيدة للرئيس دونالد ترمب للسعودية وبعض دول مجلس التعاون الخليجي، وخلالها حصل الرئيس الأميركي على عقود كبيرة، كلها تصب في خدمة الطرفين وبخاصة السعودية ودول الخليج التي تقود نهضة كبرى في عالم التنمية. وهو ما جعلها متطورة بالشكل الواقع حاليا، بل وفاقت في تطورها التقني والخدماتي كثيرا من الدول الأوروبية المتقدمة، وحتما، وللوهلة الأولى، فهذه المشاريع التي وقَّعتها دول الخليج العربي مع كبريات الشركات الأميركية تتطلب استقرارا أمنيا بالدرجة الرئيسة في المنطقة، لتتمكن الدول المُوقِّعة من الالتزام باستحقاقاتها المالية وفق العقود المبرمة.

هذه بديهة سياسية لا تغيب عن أي دبلوماسي، لكنها لم تكن حاضرة في ذهن السياسي الأميركي وهو يعلن حربه المفتوحة ضد إيران بالشراكة مع إسرائيل، ودون أن يتشاور أو يستمع لنصيحة شركائه الاقتصاديين والسياسيين في المنطقة.وأقصد بهم دول مجلس التعاون الخليجي التي تضررت من حرب ليست حربها، وتوقف إنتاج بعضهم للنفط والغاز وفقا لمبدأ "القوة القاهرة" جراء تضرر منشآتهم بهجمات سافرة من قبل القوات الإيرانية. وهكذا دخلت دول الخليج العربي في معمعة عسكرية انعكست سلبا على جانب من مقدراتها الاقتصادية، وكان يمكن أن تتفاقم بشكل سلبي لولا وعي سياسي وحكمة في التعاطي قادتها السعودية أدى إلى خفض التصعيد إقليميا، وهو ما لم تكن تريده إسرائيل بأي حال من الأحوال.

أمام ذلك، بات حريا بدول مجلس التعاون ولاسيما المملكة العربية السعودية بوصفها الدولة الكبرى في شبه الجزيرة العربية، أن تعيد ترتيب إطاراتها السياسية والاقتصادية وصولا إلى الأمنية، بما يحقق مصلحتها بالدرجة الرئيسة، وحتما فذلك يستدعي إعادة ترتيب أوراقها غربا، وتعزيز وجودها شرقا، لتكون واسطة العقد بين الجهتين، وتؤسس لنهجها الذاتي الذي يجعل منها كتلة وازنة بين الكتل السياسية شرقا وغربا، شمالا وجنوبا.

آن الأوان لأن تستعيد السعودية عمقها التاريخي، وتؤسس لطريق اقتصادي وسياسي جديد باسم "الإيلاف"، يهدف إلى بناء رؤية اقتصادية دولية موحدة، تعزز حالة التكامل، وتُعمق أطر التبادل الثقافي بين الدول والشعوب

في هذا السياق فقد مثلت الجزيرة العربية والتي تشكل السعودية أربعة أخماسها، الرابط الطبيعي بين مراكز التجارة الدولية تاريخيا، وكان طريق البخور أحد أشهر هذه الطرق لبعده التجاري والديني على اعتبار ما كان يمثله البخور من قيمة دينية مهمة؛ ثم جاء طريق الإيلاف الذي خلده الله في القرآن الكريم، ليكون بمثابة الإشارة إلى أهمية موقع الجزيرة العربية الاستراتيجي. والإيلاف طريق اقتصادي وحضاري ربط بين مختلف الكتل السياسية والاقتصادية قديما، وأعطى لقريش وكانوا سادة الإيلاف في وقتهم، قيمة كبرى بين الملوك والزعماء وفق ما تثبته الرواية التاريخية. 

اليوم وفي ظل التنافس الدولي على تأسيس طرق تجارية وحضارية تربط بين دول العالم، كما هو الحال مع "طريق الحرير" الجديد أو ما يعرف بـ"مبادرة الحزام والطريق"وغيرها، والتي أغلبها يعتمد على موقع المملكة العربية السعودية الاستراتيجي بوصفها رابطا رئيسا بين الشرق والغرب، فقد آن الأوان لأن تستفيد السعودية من كل ذلك، وتستعيد عمقها التاريخي، وتؤسس لطريق اقتصادي وسياسي جديد باسم "الإيلاف"، يهدف إلى بناء رؤية اقتصادية دولية موحدة، تعزز حالة التكامل، وتُعمق أطر التبادل الثقافي بين الدول والشعوب، وهو ما يزيد من حالة التفاهم والثقة المتبادلة بين مختلف الدول، مما تكون له نتائجه الإيجابية سياسيا واقتصاديا على السواء.

يتوافق ذلك مع رسالة المملكة العربية السعودية التاريخيةالهادفة إلى تحقيق السلام، وتعزيز القيم المشتركة والتعاون البناء بين الدول، وهو ما يُوحي به اسم "الإيلاف" دلالة. مع الإشارة إلى أن فكرة البناء على القيم والمشاريع المشتركة هو ما ارتكز عليه الرئيس الصيني شي جينبينغ في كلمته أمام الرئيس ترمب حال زيارته للصين مؤخرا، محذرا من الوقوع في "فخ ثوقيديدس"، وهو مصطلح يشير إلى إمكان اندلاع صراع عسكري وحرب مدمرة بين قوة عظمى وأخرى صاعدة، جراء انتفاء قيمة التعاون المشترك بينهما.

أ.ف.ب
قمة مجلس التعاون الخليجي والصين في العاصمة السعودية الرياض، في 9 ديسمبر 2022

 

النهج الاستراتيجي الذي وضح في سياسة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، هو ما يجب أن يُنظر إليه بعين الإعجاب والاتفاق إقليميا ودوليا، ومهم أن يتطور لخريطة عمل أوسع ضمن إطار سياسي واقتصادي وازن

وعليه، وانطلاقا مما سبق، فمهمٌ أن يجمع "طريق الإيلاف الجديد" بين ثلاث مرتكزات رئيسة وهي: السياسة والاقتصاد والأمن. وكلها مرتكزات تحقق التوازن المطلوب لنزع أي فتيل بين الدول المتضاربة مصالحها مستقبلا شرقا وغربا على السواء. 

وأؤمن بأنه دور محوري يمكن للسعودية أن تقوم به بحكم عمقها الروحي والتاريخي، وحضورها السياسي والاقتصادي، وهو ما يؤهلها لأن تتحرر من أي تحالف دولي وتبدأ بطرح ذاتها السياسية كقوة وازنة بين مختلف الدول؛ الأمر الذي تحقق لها حين نأت بنفسها عن مقاطعة روسيا استجابة لموقف الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة جراء حربها مع أوكرانيا، بل وسعت إلى أن يكون لها موقف إيجابي وازن ببناء وساطة بين الدولتين نتج عنها تحرير مجاميع كبيرة من الأسرى.

كما استضافت الرياض لقاءات بين مسؤولين روس وأوكرانيين، وحافظت على علاقة مع الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين، والأميركي دونالد ترمب، إيمانا منها بأن الحوار هو السبيل الوحيد لحل جميع الأزمات الدولية.

وكذلك كان حالها في موقفها الاستراتيجي مع الصين، حيث لم تستجب السعودية لرغبات الولايات المتحدة بتخفيض ميزانها التجاري معها حال احتدام صراع الضرائب الجمركية بين أميركا والصين وغيرها، وحافظت السعودية على إرادتها المستقلة بعلاقة متميزة مع الصين وروسيا تحديدا.

(أ.ف.ب)
وزراء خارجية باكستان والسعودية وتركيا ومصر يصلون إلى اجتماع في إسلام آباد لبحث تطورات الحرب في الشرق الأوسط، 29 مارس 2026

هذا النهج الاستراتيجي الذي وضح في سياسة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي الأمير محمد بن سلمان، هو ما يجب أن يُنظر إليه بعين الإعجاب والاتفاق إقليميا ودوليا، ومهم أن يتطور لخريطة عمل أوسع ضمن إطار سياسي واقتصادي وازن، يسعى لأن يجعل السعودية مركز التقاء حضاري وسياسي واقتصادي وحتى أمني بين دول العالم شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، وذلك عبر مشروع "طريق الإيلاف" السياسي والاقتصادي الجديد.

على أن ذلك يدعو إلى بناء منظومة إقليمية موحدة تقودها السعودية بحكم موقعها الروحي، وعمقها التاريخي، وقيمتها الاستراتيجية، وتتكون من باكستان، وتركيا، ومصر، وغيرها من الدول، علاوة على إيران في حال تغير نهجها السياسيالقائم على التدخل في شؤون كثير من الدول العربية. حينه،سيتحقق لدول الشرق الأوسط ما أراده لها الأمير محمد بن سلمان في كلمته المحورية في مؤتمر مستقبل الاستثمار 2018، وسيستعيد قلب العالم مكانته الاستراتيجية والتي تجعل منه ممرا آمنا للعبور، ومركزا لالتقاء الثقافات وتبادل الأفكار، وموطنا لبناء السلام العالمي.

font change

مقالات ذات صلة