عندما حط رئيس الوزراء شهباز شريف في هانغتشو في 23 مايو/أيار، بدا المشهد مألوفا بما يكفي. يزور رئيس وزراء باكستاني الصين، وتستحضر الحكومتان "الشراكة التعاونية الاستراتيجية في كل الظروف"، وتعد البيانات المشتركة بفصل جديد في الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني. كان هذا النص شبه الثابت لكل زيارة باكستانية إلى الصين، على مدى عقد من الزمن، ومن المغري قراءة الزيارة الأخيرة باعتبارها جولة أخرى في طقس دبلوماسي مستعاد.
غير أن قراءة كهذه تغفل ما تتيحه اللحظة الجيوسياسية الراهنة. يصل شريف إلى بكين هذا الأسبوع حاملا شيئا لم يحمله أي زعيم باكستاني حديث إلى هذه العلاقة، وهو أوراق قوة. طوال خمسة وسبعين عاما، كانت قيمة باكستان بالنسبة إلى الصين جغرافية وعسكرية. كانت إسفينا في خاصرة الهند، وممرا إلى بحر العرب، ومشتريا موثوقا للسلاح الصيني. أما في ربيع 2026، فقد اكتسبت إسلام آباد رأسمالا جديدا وغير متوقع. غدت المحور الذي لا غنى عنه في حرب باتت تهدد شريان الصين الاقتصادي، أكثر من أي حدث منفرد منذ الجائحة، وحارسة الطرق البرية التي أبقت حركة السلع قائمة بعدما أُغلقت الممرات البحرية.
زيارة الدولة التي تستحق التوقف
لفهم السبب الذي يجعل زيارة دولة اعتيادية تكتسب هذه الأهمية فجأة، ينبغي أن نبدأ لا من بكين، ولا من إسلام آباد، بل من مضيق هرمز. ففي 28 فبراير/شباط 2026، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات منسقة على إيران، استهدفت قيادتها وبنيتها النووية وبرنامجها الصاروخي. وردا على ذلك، زرع "الحرس الثوري الإيراني" ألغاما بحرية، وصعد إلى متن سفن تجارية، وحذر من أنه لن يسمح لأي سفينة بالعبور. وهبطت حركة المرور عبر المضيق إلى نحو 5 في المئة من مستواها قبل النزاع، حين كانت تبلغ ثلاثة آلاف سفينة شهريا. وبحلول 13 أبريل/نيسان، وبعد انهيار وقف إطلاق نار رعته باكستان، فرضت واشنطن حصارا بحريا على الموانئ الإيرانية، منتجة مشهدا يكاد يكون سرياليا. حصار مزدوج، تغلق فيه إيران المضيق من جهة، وتخنق البحرية الأميركية الصادرات الإيرانية من الجهة الأخرى.
لا توجد قوة كبرى تملك رهانا في مآل هذه الحرب أكبر من رهان الصين. تستورد بكين نحو نصف نفطها الخام من الشرق الأوسط، ويمر أكثر من ثلث إمداداتها النفطية عبر هرمز في عام عادي. وبموجب اتفاق التعاون لعام 2021، كانت الصين تشتري نحو 90 في المئة من صادرات إيران من النفط الخام بسعر مخفض عن معيار برنت. ثم جاءت الحرب فقطعت ذلك الشريان الاقتصادي بين ليلة وضحاها. وأحدث توقف واردات الصين من الخام الإيراني عجزا فوريا يتجاوز بكثير مليون برميل يوميا، وبحلول مارس/آذار كان حجم التجارة الثنائية بين الصين وإيران قد انهار بنحو 80 في المئة على أساس سنوي. وبالنسبة إلى اقتصاد أسهمت الصادرات الصافية فيه بما يقارب ثلث نمو الناتج المحلي الإجمالي في 2025، فإن صدمة طاقة ممتدة تتزامن مع تراجع الطلب في ثمانية من أكبر عشرين سوقا للصادرات الصينية، تتحول إلى صدمة بنيوية داخل الاقتصاد الصيني نفسه.


