حين أُغلق مضيق هرمز انفتحت الخريطة من جديد... ما بين باكستان والصين

التحول نحو البنية التحتية الرقمية وترابط البيانات والذكاء الاصطناعي

رويترز
رويترز
الرئيس الصيني شي جين بينغ ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف يتصافحان في قاعة الشعب الكبرى ببكين، الصين، 25 مايو 2026

حين أُغلق مضيق هرمز انفتحت الخريطة من جديد... ما بين باكستان والصين

عندما حط رئيس الوزراء شهباز شريف في هانغتشو في 23 مايو/أيار، بدا المشهد مألوفا بما يكفي. يزور رئيس وزراء باكستاني الصين، وتستحضر الحكومتان "الشراكة التعاونية الاستراتيجية في كل الظروف"، وتعد البيانات المشتركة بفصل جديد في الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني. كان هذا النص شبه الثابت لكل زيارة باكستانية إلى الصين، على مدى عقد من الزمن، ومن المغري قراءة الزيارة الأخيرة باعتبارها جولة أخرى في طقس دبلوماسي مستعاد.

غير أن قراءة كهذه تغفل ما تتيحه اللحظة الجيوسياسية الراهنة. يصل شريف إلى بكين هذا الأسبوع حاملا شيئا لم يحمله أي زعيم باكستاني حديث إلى هذه العلاقة، وهو أوراق قوة. طوال خمسة وسبعين عاما، كانت قيمة باكستان بالنسبة إلى الصين جغرافية وعسكرية. كانت إسفينا في خاصرة الهند، وممرا إلى بحر العرب، ومشتريا موثوقا للسلاح الصيني. أما في ربيع 2026، فقد اكتسبت إسلام آباد رأسمالا جديدا وغير متوقع. غدت المحور الذي لا غنى عنه في حرب باتت تهدد شريان الصين الاقتصادي، أكثر من أي حدث منفرد منذ الجائحة، وحارسة الطرق البرية التي أبقت حركة السلع قائمة بعدما أُغلقت الممرات البحرية.

زيارة الدولة التي تستحق التوقف

لفهم السبب الذي يجعل زيارة دولة اعتيادية تكتسب هذه الأهمية فجأة، ينبغي أن نبدأ لا من بكين، ولا من إسلام آباد، بل من مضيق هرمز. ففي 28 فبراير/شباط 2026، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات منسقة على إيران، استهدفت قيادتها وبنيتها النووية وبرنامجها الصاروخي. وردا على ذلك، زرع "الحرس الثوري الإيراني" ألغاما بحرية، وصعد إلى متن سفن تجارية، وحذر من أنه لن يسمح لأي سفينة بالعبور. وهبطت حركة المرور عبر المضيق إلى نحو 5 في المئة من مستواها قبل النزاع، حين كانت تبلغ ثلاثة آلاف سفينة شهريا. وبحلول 13 أبريل/نيسان، وبعد انهيار وقف إطلاق نار رعته باكستان، فرضت واشنطن حصارا بحريا على الموانئ الإيرانية، منتجة مشهدا يكاد يكون سرياليا. حصار مزدوج، تغلق فيه إيران المضيق من جهة، وتخنق البحرية الأميركية الصادرات الإيرانية من الجهة الأخرى.

لا توجد قوة كبرى تملك رهانا في مآل هذه الحرب أكبر من رهان الصين. تستورد بكين نحو نصف نفطها الخام من الشرق الأوسط، ويمر أكثر من ثلث إمداداتها النفطية عبر هرمز في عام عادي. وبموجب اتفاق التعاون لعام 2021، كانت الصين تشتري نحو 90 في المئة من صادرات إيران من النفط الخام بسعر مخفض عن معيار برنت. ثم جاءت الحرب فقطعت ذلك الشريان الاقتصادي بين ليلة وضحاها. وأحدث توقف واردات الصين من الخام الإيراني عجزا فوريا يتجاوز بكثير مليون برميل يوميا، وبحلول مارس/آذار كان حجم التجارة الثنائية بين الصين وإيران قد انهار بنحو 80 في المئة على أساس سنوي. وبالنسبة إلى اقتصاد أسهمت الصادرات الصافية فيه بما يقارب ثلث نمو الناتج المحلي الإجمالي في 2025، فإن صدمة طاقة ممتدة تتزامن مع تراجع الطلب في ثمانية من أكبر عشرين سوقا للصادرات الصينية، تتحول إلى صدمة بنيوية داخل الاقتصاد الصيني نفسه.

مع وصول رئيس الوزراء الباكستاني، تبدو الصين أمام ما هو أبعد من دولة مدينة. فهي تستقبل حكومة أثبتت قدرتها على التوغل في قلب النزاع والتأثير في مساره، كما تستقبل البلد الذي يمسك بالجسر البري القادر على إبقاء التجارة حية بين طهران وبكين ما دام المضيق مغلقا

ومع وصول رئيس الوزراء الباكستاني، تبدو الصين أمام ما هو أبعد من دولة مدينة. فهي تستقبل حكومة أثبتت قدرتها على التوغل في قلب النزاع والتأثير في مساره، كما تستقبل البلد الذي يمسك بالجسر البري القادر على إبقاء التجارة حية بين طهران وبكين ما دام المضيق مغلقا.

الممر بديلا بحريا للصين

صمم الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني، في منطقه الاستراتيجي الكبير، تحديدا ليكون بديلا عن نقاط الاختناق البحرية العالمية الخاضعة للسيطرة الأميركية. وتسبق الفكرة إطلاق المشروع عام 2015 بعقدين كاملين. ففي عام 1993، ناقش نائب رئيس الوزراء الصيني تشو رونغجي، والاقتصادي الباكستاني شهيد جاويد بركي فتح غرب الصين عبر شبكة من الطرق والسكك الحديدية وخطوط الأنابيب، تربط كاشغر في شينجيانغ بميناء من المياه الدافئة على بحر العرب. صار ذلك الميناء لاحقا غوادار، الذي دشنه شي جينبينغ محطة جنوبية لممر يمتد نحو ثلاثة آلاف كيلومتر من الطرق السريعة، وسكة حديدية بطول 1800 كيلومتر، ومشاريع طاقة، وخطوط أنابيب مخطط لها وصولا إلى كاشغر في شينجيانغ.

أ ب
في الثامن من يوليو عام 1971، يتبادل المستشار الرئاسي هنري كيسنجر (يسار الصورة) أطراف الحديث مع الرئيس آغا محمد يحيى خان في روالبندي في باكستان

لم يكن المغزى من كل تلك الكتل الخرسانية تجاريا صرفا في أي يوم. كان الهدف أن تمتلك الصين بديلا من البحر. فالرحلة المعتادة لناقلة نفط من الخليج إلى غرب الصين تمتد نحو 12 ألف كيلومتر عبر مضيق هرمز ومضيق ملقا. ويمثل هذا الأخير نقطة اختناق أخرى طالما خشيت بكين أن تغلقها البحرية الأميركية في أوقات الأزمات. أما نقل النفط عبر غوادار، ثم برا إلى كاشغر، فيخفض المسافة إلى نحو ثلاثة آلاف كيلومتر، ويختصر نظريا زمن الإمداد البحري من 40 يوما إلى نحو سبعة أيام. ويمكن لخط أنابيب خام كانت الصين تتصوره بين غوادار وكاشغر، بطاقة مخططة تقارب مليون برميل يوميا، أن يتيح لنفط الشرق الأوسط الوصول إلى الصين مع الالتفاف بالكامل على الحصارات البحرية الأميركية.

وعلى مدى معظم العقد الماضي، ظل هذا المنطق البعيد المدى، بوصفه تحوطا مكلفا ضد احتمال قد لا يقع أبدا، مقيدا بصعوبات هندسية هائلة تتمثل في مد خط أنابيب عبر جبال كاراكورام. لذلك وصف منتقدون خط الأنابيب بأنه غير قابل للاستمرار اقتصاديا.

غير أن حرب 2026 قادرة على تغيير الحسابات. فالخطر الذي شُيد الممر أصلا للتحوط منه، أي إغلاق الطريق البحري من الخليج إلى غرب المحيط الهادئ بفعل عمل عدائي، لم يعد احتمالا نظريا. لقد أصبح واقعا يضغط على الاقتصاد العالمي.

عندما يترأس رئيس الوزراء شريف منتدى حول المرحلة الثانية من الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني في بكين هذا الأسبوع، فهو يتفاوض على بوليصة تأمين يمكن أن تحقق عائدا استراتيجيا ضخما

وما بدا في السابق تحوطا باهظ الكلفة صار اليوم مسألة أمن طاقوي حيوي، وارتفعت تبعا لذلك القيمة الاستراتيجية لهذا الأصل. وعندما يترأس رئيس الوزراء شريف منتدى حول المرحلة الثانية من الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني في بكين هذا الأسبوع، فهو يتفاوض على بوليصة تأمين يمكن أن تحقق عائدا استراتيجيا ضخما.

أما الدليل الأوضح على أن قابلية الممر للاستخدام جاءت هذه المرة من إسلام آباد لا من بكين، فقد صدر عبر أمر جمركي. ففي 25 أبريل/نيسان، أدخلت وزارة التجارة الباكستانية حيز التنفيذ الفوري "أمر عبور البضائع عبر أراضي باكستان لعام 2026"، وهو أمر يشرعن رسميا حركة بضائع الدول الثالثة، القادمة من الصين ومناطق أخرى من أوراسيا، عبر الأراضي الباكستانية وصولا إلى إيران. وقد فعل الأمر ستة مسارات برية تمتد من غوادار وكراتشي وميناء قاسم إلى الحدود الإيرانية، مع إتاحة معبر غوادار-غبد زمنا للعبور إلى إيران لا يتجاوز ساعتين إلى ثلاث ساعات.

ولم يكن التوقيت خفيا في دلالته. فمع دخول الحصار الأميركي حيز التنفيذ في 13 أبريل/نيسان، كانت نحو ثلاثة آلاف حاوية متجهة إلى إيران، قد تكدست في الموانئ الباكستانية. ومنح أمر إسلام آباد تلك البضائع العالقة طريقا بريا يلتف على الطوق البحري، وبذلك وفرت باكستان لطهران صمام تنفيس اقتصادي، وحولت بنية التجارة الإيرانية من نموذج متمحور حول البحر إلى نظام هجين، بحري-بري، مصمم للصمود تحت الحصار.

رويترز
الرئيس الصيني شي جين بينغ ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف يتصافحان في قاعة الشعب الكبرى ببكين، الصين، 25 مايو 2026

فهل كان النفط الإيراني يتدفق برا عبر باكستان إلى الصين؟ الجواب الصريح أن البنية النظرية لذلك باتت موجودة، وأن الإرادة السياسية حاضرة بوضوح، حتى لو ظلت الكميات غامضة، فالممرات التي فعلت تحمل في بدايتها الأرز واللحوم وحليب الأطفال أكثر مما تحمل الخام، إذ إن خطوط الأنابيب لا تمد في شهر واحد. كما يحذر محللون من أن حجم ما نقلته إيران فعليا منذ بدء الحصار لا يزال غير واضح، لكن النمط الأوسع لا يخطئه النظر. فأسطول ناقلات الظل الإيراني يواصل عمليات النقل من سفينة إلى أخرى، ومعظم وجهته الصين، ويضغط ممر السكك الحديدية بين الصين وإيران عبر آسيا الوسطى آجال التسليم التي لم يعد البحر يضمنها، أما أمر العبور الباكستاني فهو عقدة واحدة في ممر بري ناشئ، يلتف عمله على الحصار البحري الأميركي. تمر هذه الشبكة عبر الأراضي الباكستانية، أما الرجل الذي يمسك ببوابتها فقد طار إلى بكين هذا الأسبوع.

هانغتشو أولا: العلامة الكاشفة للممر الرقمي

تستحق الأسباب التي دفعت رئيس الوزراء شريف إلى بدء زيارته من هانغتشو، لا من العاصمة بكين، وقفة متأنية. فهي تكشف ما يراد للمرحلة الثانية من الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني أن تكونه. فهانغتشو لم تعد فقط موطن البحيرة الغربية الخلابة ومقر "علي بابا"، بل تحولت في غضون أعوام قليلة إلى أبرز مركز صيني للتكنولوجيا العميقة. وهي اليوم موطن شركة الذكاء الاصطناعي الصينية "ديب سيك"، ومهد "التنانين الستة الصغار" في الصين، وهي مجموعة من الشركات الناشئة التي تمتد مجالاتها من الذكاء الاصطناعي إلى الروبوتات والحوسبة المكانية. وتشمل هذه المجموعة نموذج الذكاء الاصطناعي المنخفض الكلفة الذي أدهش العالم، وشركتي الروبوتات "يونيتري" و"ديب روبوتكس"، واستوديو الألعاب الذي يقف خلف "بلاك ميث: ووكونغ"، ومشروع "برينكو" المتخصص في واجهات الدماغ والآلة، ومطور التصميم الثلاثي الأبعاد "مانيكور". ويعكس اجتماع هذه الشركات أثر المنظومة التي بنتها "علي بابا"، وخزان المواهب الذي توفره جامعة تشنجيانغ، وحكومة محلية ضخت مليارات في صناديق رأس المال المغامر الموجهة إلى التكنولوجيا الصلبة. وإذا كانت شنتشن عاصمة الأجهزة في الصين، فإن هانغتشو غدت عاصمتها في البرمجيات والذكاء الاصطناعي.

التحول نحو هانغتشو يشير إلى رهان على طبقة أكثر تقدما، هي البنية التحتية الرقمية، وترابط البيانات، والذكاء الاصطناعي، والمنصات التي تقوم فوق البنية المادية

وعندما تشمل المحطة الأولى لشريف منتدى في هانغتشو حول تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وتخزين الطاقة، والتكنولوجيا الزراعية، وزيارة مقر "علي بابا"، واجتماعات مع رؤساء شركات التكنولوجيا الصينية، فإن القصد يصبح واضحا بذاته. كان الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني في صيغته الأولى رهانا على الطرق والموانئ ومحطات الطاقة، أي السقالة المادية لاقتصاد يسعى إلى التصنيع. أما التحول نحو هانغتشو فيشير إلى رهان على طبقة أكثر تقدما، هي البنية التحتية الرقمية، وترابط البيانات، والذكاء الاصطناعي، والمنصات التي تقوم فوق البنية المادية. وحين رافقت وزيرة تكنولوجيا المعلومات الباكستانية، شازا فاطمة خواجة، الوفد، كانت الرسالة الضمنية أن باكستان تطمح إلى أكثر من أن تكون مجرد طريق عبور بري للسلع الصينية. إنها تريد أن تصبح طرفا رئيسا في النظام الرقمي والتكنولوجي الصيني.

وبالنسبة إلى الصين، فإن الجاذبية لا تقل قوة، فأبطال بكين في التكنولوجيا العميقة يواجهون تضييقا متزايدا في الوصول إلى الأسواق الغربية، كما يواجهون ضرورة استراتيجية للعثور على أسواق وشركاء بيانات خارج نطاق النظام التكنولوجي الأميركي. ومن شأن باكستان المندمجة رقميا، عبر بنية سحابية صينية، وقنوات تكنولوجيا مالية صينية، وأنظمة اتصالات ورقابة تبنيها الصين، ونماذج ذكاء اصطناعي صينية يجري تدريبها ونشرها في دولة صديقة تضم 240 مليون نسمة، أن تمدد المنظومة التي احتضنتها هانغتشو إلى نظام إقليمي من البنى التحتية التكنولوجية. فالممر المادي ينقل النفط والحاويات، أما الممر الرقمي فينقل البيانات وحزمة التكنولوجيا والمعايير. وبدء الزيارة من هانغتشو لا من بكين هو القرينة الواضحة إلى أن هذه الجولة تدور حول البنية الرقمية، التي يتدفق عبرها الرصيد التكنولوجي الصيني في أنحاء أوراسيا.

رويترز
لقطة جوية تُظهر سفنًا راسية في مضيق هرمز، كما تُرى من مسندم، عُمان، 25 مايو 2026

باكستان غيّرت العالم مرة من قبل

ليست هذه المرة الأولى التي يطير فيها زعيم باكستاني لتيسير إعادة اصطفاف في النظام العالمي. إنها، في الحقيقة، المرة الثانية.

في منتصف عام 1971، في ذروة الحرب الباردة، وخلال جولة علنية في آسيا، تظاهر هنري كيسنجر بإصابته بوعكة في المعدة أثناء عشاء في إسلام آباد، ثم نقله السائق الخاص للرئيس يحيى خان إلى مطار عسكري، حيث استقل طائرة تابعة للخطوط الجوية الباكستانية إلى بكين. تحولت الرحلة إلى مهمة سرية، حتى عن وزير الخارجية الأميركي نفسه، هدفها فتح العلاقات الدبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية التي لم تكن الولايات المتحدة تعترف بها بعد. واختيرت باكستان لسبب ينبغي أن يبدو مألوفا اليوم. فكما قال لاحقا وينستون لورد، مساعد كيسنجر: "كانت باكستان تمتلك ميزة الصداقة مع الجانبين". وقد مهدت تلك الرحلة السرية للقاء نيكسون وماو عام 1972، ولإعادة ترتيب المثلث المركزي في الحرب الباردة.

الموازاة هنا ليست مطابقة، والفوارق لا تقل دلالة عن أوجه الشبه. ففي عام 1971، كانت باكستان القناة الهادئة التي التقت عبرها قوتان متخاصمتان. وكانت مصالحها الخاصة، إلى حد كبير، هامشية قياسا إلى الرسالة التي حملتها. أما في عام 2026، فباكستان تؤدي دور الوسيط لإنهاء حرب إيران. فهي لا تكتفي بتمرير الرسائل، بل تجمع الأطراف إلى الطاولة، وتستضيف محادثات إسلام آباد، وتشارك الصين في صوغ مقترح السلام، وتنتزع لنفسها نافذة فرصة لقاء ما تقدمه من خدمة.

غير أن الأصل الكامن هو نفسه، وهو قدرة باكستان النادرة على إبقاء قنوات عمل مفتوحة مع أطراف لا تستطيع مخاطبة بعضها مباشرة. في عام 1971، كان الطرفان واشنطن وبكين. وفي عام 2026، هم واشنطن وطهران ودول الخليج العربي وبكين. وما زالت باكستان تقف عند تقاطع هذه الأطراف كلها، بعلاقة حدودية عملية مع إيران، ومعاهدة أمنية عميقة مع السعودية، وقنوات عسكرية متينة مع واشنطن، وصداقة راسخة مع الصين. وفي عالم متشظ، تصبح الدولة القادرة على الحديث مع الجميع أثمن من حليف لا يستطيع بناء الثقة إلا مع طرف واحد، لقد حولت باكستان جغرافيتها إلى رصيد سياسي ذات مرة، وساهمت في إعادة تشكيل العالم، وهي تطمح إلى فعل ذلك مرة أخرى.

كيف عادت إسلام آباد إلى موقع لا غنى عنه

لم يكن صعود باكستان وسيطا موثوقا في هذا النزاع أمرا مقدرا سلفا، ولا كان ثمرة دبلوماسيتها وحدها. لقد كان، جزئيا، مشروعا صينيا. فعندما اندلعت الحرب، طرحت بكين وإسلام آباد معا مقترح سلام من خمس نقاط، وقدمت الصين تدخلا في اللحظة الأخيرة دفع طهران نحو وقف إطلاق النار الذي استمر أسبوعين ودخل حيز التنفيذ في أوائل أبريل. وقد نظمت باكستان وقف إطلاق النار، وجرت المفاوضات في ما عرف لاحقا بمحادثات إسلام آباد. صحيح أن المحادثات أخفقت في نهاية المطاف، مما أدى إلى الحصار الأميركي، لكنها كرست باكستان ساحة يمكن من خلالها جمع واشنطن وطهران، ولو لفترة وجيزة، في غرفة واحدة.

وتكمن العقدة الأساسية في فهم السبب الذي يجعل هذا الترتيب ملائما لبكين. فالصين تحتاج إلى انتهاء الحرب، أو إلى خفض التصعيد بما يكفي لإعادة فتح المضيق، لكنها لا تستطيع أن تظهر في صورة الوسيط الذي ينهيها، حتى لا تؤكد كل الشكوك الأميركية بشأن اصطفافها مع طهران، وما قد يرى في واشنطن انحيازا جوهريا في أي اتفاق نهائي.

تمنح باكستان بكين نوعا من المراجحة الاستراتيجية، وهو القدرة على التأثير في مسار النزاع مع الحفاظ على مظهر الحياد

وتمنح باكستان بكين نوعا من المراجحة الاستراتيجية، وهو القدرة على التأثير في مسار النزاع مع الحفاظ على مظهر الحياد. ومن هذه الزاوية، تبدو زيارة شريف اجتماعا للتنسيق، وفرصة لترتيب الخطوات التالية، فيما تواصل واشنطن وطهران إرسال إشارات عن إحراز تقدم، وتبقيان في الوقت نفسه عالقتين عند ملف المباحثات النووية ومسألة الرسوم على العبور في مضيق هرمز.

هل صارت بكين العنوان الجديد؟

وراء برنامج زيارة شريف، يلوح نمط جيوسياسي أوسع. ففي الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، مر ببكين نحو اثني عشر رئيس دولة وحكومة. وتسلسل الزيارات لافت بالقدر نفسه. فقد وصل الرئيس ترمب لعقد قمة يومي 14 و15 مايو/أيار. وبعد أيام، جاء الرئيس بوتين في زيارة دولة يومي 19 و20 مايو. واستضافة الزعيمين الأميركي والروسي تباعا في أسبوع واحد تكاد، كما أشارت وسائل الإعلام الصينية الرسمية نفسها، تكون سابقة نادرة في حقبة ما بعد الحرب الباردة. وقبيل زيارة ترمب بقليل، سافر وزير الخارجية الإيراني إلى بكين للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب. وكان ماكرون قد زارها في ديسمبر/كانون الأول، وستارمر في يناير/كانون الثاني، كما قصدها قادة من كوريا الجنوبية وإسبانيا وأيرلندا وكندا وألمانيا وفنلندا. والآن جاء شريف.

تكشف هذه الحركة الدبلوماسية الدائبة، في أوضح دلالاتها، أن بكين باتت تستعرض نفوذا جيوسياسيا متناميا. فمجرد أن يجد قادة العالم، خصوما وشركاء، طريقهم إلى العاصمة الصينية لمعالجة قضايا عالمية ضاغطة، يعني أن مركز الثقل الدبلوماسي آخذ في الانتقال. لا تزال الولايات المتحدة قادرة على إرباك المعادلات الدولية بحسم لا يضاهيها فيه أي لاعب جيوسياسي آخر، لكنها لم تعد، كما كانت من قبل، الجهة التي يُنتظر منها ترميم ما تصدّع، سواء في التجارة أو الأمن. وبوصوله هذا الأسبوع، بدا رئيس الوزراء الباكستاني كأنه يقر بهذه الحقيقة ويستثمر فيها.

ملامح الخريطة الجديدة

إذا ابتعدنا قليلا عن أوراق الصفقات وبرنامج الزيارة، بدت ملامح شرق أوسط وآسيا يعاد رسمهما بهدوء. تحتفظ الولايات المتحدة بقوة عسكرية لا تضاهى. تستطيع أن تغلق الموانئ الإيرانية، وأن تقصف المضيق من الجو، لكنها اكتشفت أن التفوق العسكري لا يعني القدرة على إنهاء الحرب بشروط مواتية. وفوق ذلك، فإن حلفاءها يبدون استعدادا متناقصا لتحمل تبعات خياراتها. فقد رفضت إسبانيا السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدها الجوية. أما دول الخليج، فباتت تمد يدها إلى بكين متجاوزة واشنطن.

في المقابل، وقفت الصين على حدود القوة الاقتصادية حين لا تسندها أدوات سياسية وعسكرية تكفل حمايتها. فعلى الرغم من احتياطاتها الضخمة وقوتها الشرائية الهائلة، لم تتمكن بكين من إبقاء شريان الطاقة مفتوحا. واضطرت، في الدبلوماسية كما في اللوجستيات، إلى الاعتماد على طرف ثالث. وهكذا تبدو أكبر دولة تجارية في العالم، حين يتعلق الأمر بالأمن العسكري الصلب، قوة مضطرة إلى العمل عبر وسيط. وهذا الوسيط، مرة أخرى، هو باكستان.

ورهان باكستان أن الوسيط القادر على مخاطبة الجميع، والحارس الذي يملك مفتاح الجسر البري حين تغلق الممرات البحرية، يغدو في عالم متعدد الأقطاب أثمن من قوة كبرى تقف على جانب واحد فقط.

قبل خمسة وخمسين عاما، وضع زعيم باكستاني وزيراً أميركياً على متن طائرة سرية إلى بكين وساعد في إعادة تشكيل العالم. وهذا الأسبوع، طار زعيم باكستاني آخر إلى الصين بنفسه، وعلى مرأى من الجميع، ليذكر مضيفيه بأن الجغرافيا التي جعلت بلاده لا غنى عنها يومذاك ما زالت تفعل الشيء نفسه اليوم.

font change

مقالات ذات صلة