مصير إيران بين المفاوضات والحرب

الولايات المتحدة تملك الوقت وعناصر القوة

مصير إيران بين المفاوضات والحرب

استمع إلى المقال دقيقة

يرى محسن رضائي، مستشار "المرشد الأعلى" في إيران والقائد في "الحرس الثوري الإيراني"، أن "ترمب والجيش الأميركي في مأزق كامل"، ويتابع في أحد تصريحاته مهددا، بأن خيار الحرب سيضعهما "أمام ممر مظلم ولا نهاية له من مضيق هرمز إلى الخليج العربي وبحر عمان وباب المندب والمحيط الهندي".

بيد أن رضائي ينسى، في هذا التصريح، أن ذلك لا يمسّ، مباشرة بالولايات المتحدة، ولا يؤثر عليها لا عسكريا ولا اقتصاديا، بالقدر الذي يؤثر فيه على إيران، وعلى الدول التي تعتمد على الإمدادات الآتية من الخليج، مع إعطائها المبرر لمواصلة شنها الحرب على إيران، بشكل أقسى وأقوى من قبل (يونيو/حزيران 2025، وفبراير/شباط- أبريل/نيسان 2026).

أيضا، نائب رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني محمود نبويان، يرى أن أي تسوية لوقف الحرب يجب أن "تحقق مطالب إيران، بما في ذلك السيادة على مضيق هرمز، وتعويضات الحرب، ورفع جميع العقوبات، والإفراج عن الأموال المجمدة، وخروج العدو من المنطقة، وقبول التخصيب، ووقف الحرب على كل الجبهات وضمنها لبنان".

طبعا، المسألة هنا لا تتعلق بعدالة هذه المطالب من عدمها، أو بشرعية الحرب الأميركية من عدمها، وإنما بحقائق القوة، وبواقع إيران اليوم، التي تبدو ضعيفة أكثر من أية فترة مضت، كما تتعلق بحقيقة تورط النظام الإيراني في دفع الأمور في المنطقة نحو هذا الفخ، الذي وقع، وأوقع بلده والمنطقة فيه، بسبب خياراته الإقليمية، منذ أربعة عقود.

حتى نعيم قاسم، أمين عام "حزب الله"، تحدث ضمن ذات المنظومة المفاهيمية، إذ يرى أن "المواجهات الدائرة في جنوب لبنان تكشف حجم الخسائر التي يتكبدها الجيش الإسرائيلي، وعجزه عن فرض معادلاته العسكرية، معتبرا أن ما يجري على الحدود يمثل بداية لزوال إسرائيل في ظل اتساع أزماتها الداخلية وفشلها في تحقيق أهداف الحرب".

الولايات المتحدة تملك الوقت وعناصر القوة لفرض ما تريده آجلا أم عاجلا، وهو ما فعلته في العراق، إذ انتظرت 11 عاما (1991-2003) لإنهاء ما اعتزمت عليه

يأتي هذا التصريح، بعد قتل إسرائيل معظم قيادات "الحزب"، وبعد تقويض قدراته العسكرية (منذ سبتمبر/أيلول 2024)، ومع توغلها بعمق 40 كيلومترا داخل الأرض اللبنانية، وقتلها أكثر من ثلاثة آلاف من اللبنانيين، منذ وقف إطلاق النار (أواسط الشهر الماضي)، وعلما أن أي قيادي في "حزب الله"، هو تحت طائلة التهديد بالاغتيال في أي لحظة.

واضح أن هذه التصريحات تنطوي على حالة إنكار ساكنة في إدراكات النظام الإيراني، وأطراف "المقاومة والممانعة"، وهي إدراكات رغبوية، وشعاراتية، منفصمة عن الواقع.

مشكلة تلك الإدراكات أنها لا تعترف البتة بشيء اسمه "موازين القوى"، ولا بشيء اسمه ربح وخسارة في أي ميدان، وضمنه الميدان العسكري، لأنها تصدر من عقل خطي وقدري وإرادوي مغلق، لا يرى العالم ولا معطيات الواقع المتشكّل رغم كل ما حصل، أي رغم اختفاء معظم قادة حلف "المقاومة والممانعة" (خامنئي، وشامخاني ولاريجاني، ونصر الله، والسنوار... إلخ)، واختفاء معظمهم الآخر تحت الأرض (خامنئي الابن ونعيم قاسم)، ورغم تقويض قدراتهم العسكرية، وتقليص نفوذهم في مجتمعاتهم، إضافة إلى الدمار والحصار اللذين أحاقا بإيران وغزة ولبنان، إضافة إلى انهيار النظام السوري (أواخر 2024).

يخطئ النظام الإيراني إذا ظنّ أنه سيفوز في الحرب، أو بمراهنته على عامل الوقت، فلا موازين القوى العسكرية تتيح له ذلك، ولا المعطيات الدولية والإقليمية تسمح له بذلك، بمعنى أن إيران باتت وحيدة، تحت ضغط النار والحصار والاستنزاف الاقتصادي.

وفي الواقع فإن الولايات المتحدة تملك الوقت وعناصر القوة في مختلف المجالات، لفرض ما تريده آجلا أم عاجلا، وهو ما فعلته في العراق، إذ انتظرت 11 عاما (1991-2003) لإنهاء ما اعتزمت عليه؛ مع دمج عوامل الضغط السياسي والاقتصادي والعسكري.

الآن، تدور المفاوضات بين الطرفين الأميركي والإيراني، بواسطة أطراف إقليمية، حول منع إيران من امتلاك قدرة نووية، وتدمير أو تقليص ترسانتها من الصواريخ الباليستية، وتقويض نفوذها الإقليمي، بقطع صلاتها بأذرعها الإقليمية في دول المشرق العربي واليمن، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز.

وبغض النظر عن الأخذ والرد في المفاوضات، ثمة عدة خيارات لوقف الحرب، أولها، استجابة إيران للشروط الدولية والإقليمية. وثانيها، استمرار الواقع الراهن، أي استمرار الحصار، والاستنزاف الاقتصادي، والضربات العسكرية على أهداف استراتيجية في إيران. ثالثها، استئناف الحرب لفرض الشروط الأربعة المذكورة بواسطة القوة.

ليس بيد النظام الإيراني ما يفعله، أو ما يستطيعه، في المعطيات الدولية والإقليمية والإيرانية الراهنة، سوى إطلاق التصريحات العنترية، وإنكار الواقع، حتى إنه لا يستطيع فرض أي شرط

مفهوم أن الخيار الأول، سيشكل نوعا من انتكاسة أو هزيمة النظام الإيراني، إلا أن ذلك حصل في الواقع، لذا لا يفيد الإنكار ولا يغطّي أو يعوّض ذلك تصريحات عنترية، فمن غير المعقول تحميل إيران مسؤولية هزيمة الولايات المتحدة عسكريا، بحكم الفجوة الهائلة بين الطرفين، في مجالات العسكرة، وقوة النيران، والاقتصاد والاستخبارات وتكنولوجيا السلاح، والإدارة والاتصالات، بل إن الاعتقاد بغير ذلك بمثابة انتحار، إضافة إلى أنه وقوع في "الفخ"، الذي تتحيّنه إسرائيل، للمضي بتدمير إيران. لذا فإن الخيار التفاوضي هو الأسلم، على المدى المستقبلي، لشعب إيران، ومقدراته، ولعمران بلده، بغض النظر عن النظام السائد حاليا، الذي يرهن وجود إيران ببقائه، على طريقة الأنظمة الشمولية.

الخيار الثاني، مكلف جدا لإيران، مع ضعفها الاقتصادي والعسكري، والحصار المفروض عليها، كردة فعل على تقييدها حرية الملاحة في خليج هرمز، ما يفيد باستمرار استنزافها، وتصعيب العيش على شعب إيران، لمراكمة حالة ضغط شعبية، تتوازى مع الضغط العسكري والاقتصادي الخارجي، سيما أن الخريطة الديموغرافية لإيران، التي تشكل خاصرة رخوة لها، من خلال الأكراد، والأذر، والبلوش، والعرب، قد تسهم في ذلك بطريقة أو بأخرى.

وبالرغم من أن هذا الخيار سيكون مكلفا للأطراف الدوليين، لجهة عرقلة إمدادات الطاقة، وارتفاع أسعار السلع، فإن تلك الأطراف قادرة، على المدى البعيد، على تحمل ذلك وإيجاد بدائل، على نحو ما جرى، بشأن أزمة الطاقة، في بداية الحرب الروسية-الأوكرانية.

الخيار الثالث، وهو الخيار الحربي الذي تؤكده الاستعدادات العسكرية الأميركية، والتحريضات الإسرائيلية، والغطرسة الإيرانية، وهو الخيار الأسوأ لشعب إيران، وعمران بلده واقتصاده وموارده.

باختصار ليس بيد النظام الإيراني ما يفعله، أو ما يستطيعه، في المعطيات الدولية والإقليمية والإيرانية الراهنة، سوى إطلاق التصريحات العنترية، وإنكار الواقع، حتى إنه لا يستطيع فرض أي شرط. وهذا ما يحدث في لبنان، الذي تواصل فيه إسرائيل حربها، من دون صلة بعملية المفاوضات الأميركية-الإيرانية.

font change