1000 يوم على نكبة غزة

بين مسؤولية إسرائيل و"حماس"

1000 يوم على نكبة غزة

استمع إلى المقال دقيقة

مضى 1000 يوم على عيش فلسطينيي غزة (حوالي 2.5 مليون إنسان) في جحيم الحرب، التي شنّتها إسرائيل عليهم، ولا زالت، بوحشية منقطعة النظير، بأحداثها، وآلامها، وأهوالها، إلى حد أنها استحقت اسمها في الضمير العالمي، والقانون الدولي، كحرب إبادة.

ففي تلك الحرب ألقت إسرائيل حوالي 223 ألف طن من المتفجرات، أدت إلى تدمير 90 في المئة من مدن وبلدات ومخيمات القطاع (360 كيلومترا مربعا)، ما نجم عنه 68 مليون طن من الركام، وخسائر مادية تقدر بـ80 مليار دولار، ويشمل ذلك دمار 98 في المئة من الأراضي الصالحة للزراعة، و88 في المئة من المنشآت الصناعية، و80 في المئة من الطرق، وثمة مليونا نازح كانوا فقدوا بيوتهم، وحوالي 600 ألف باتوا دون دراسة، لثلاثة أعوام، في حين سيطرت إسرائيل على 80 في المئة من القطاع، بصورة مباشرة وغير مباشرة (تبعا لتقرير المكتب الحكومي التابع لحركة "حماس" في غزة).

لكن كيف يمكن احتساب نتيجة أو محصلة تلك الحرب؟ هل يمكن احتسابها بالخسائر البشرية، مع ربع مليون ضحية، من قتلى، وجرحى ومعوّقين ومفقودين تحت الركام؟ أو بالقياس لحجم الدمار المروّع في عمران تلك المنطقة، ببيوت ناسها، وبناها التحتية، ومنشآتها، ومدارسها، وجامعاتها، ومستشفياتها ومكتباتها وحوانيتها؟ أم هل يمكن احتسابها بخسارة جيل، يعد بمئات الألوف من الشباب، لسنوات الدراسة، في المدارس والجامعات؟ أو بمدى تدهور مستوى المعيشة، وتحول حوالي مليوني فلسطيني للعيش على المساعدات، أو على الكفاف، بعد أن فقدوا القدرة على تدبّر قوت يومهم؟

في الحقيقة لا يمكن إيجاد مقياس يحتسب به مدى القسوة والألم والرعب، الذي عانى منه أهل غزة، خلال كل لحظة في الأيام الألف، التي أحسوا فيها بامتهان حياتهم وكرامتهم، في البحث عن قطرة ماء أو لقمة خبز أو نقطة أمان، مع الضياع الذي سكن كل فرد منهم، بعد أن فقد كل عالمه، وذكرياته، ووجد نفسه في فراغ، وفي انتظار المجهول.

إنها نكبة إذن، وهي بالقياس للنكبة الفلسطينية الأولى (1948)، ربما أشد قسوة وبشاعة ومأساوية، إذ تم محو معظم القطاع، بمدنه وبلداته ومخيماته، وتحويله إلى خرابة، مع بشر عاجزين إزاء ما يجري، يحنون إلى ماضيهم، دون التيقن من حاضرهم ومستقبلهم.

قيادة "حماس" تناست أنها برّرت عملية "الطوفان" بأن إسرائيل في طور الانهيار، وبالإمكان هزيمتها، بالاعتماد على أن "الملائكة معنا"، ومحور "المقاومة والممانعة"

بديهي أن إسرائيل المتوحشة هي المسؤولة عن كل ذلك القتل والتدمير والخراب والحرمان، الذي لحق بفلسطينيي غزة، فهذه شغلتها، وطبيعتها، كدولة استعمارية وعنصرية وعدوانية ومصطنعة. بيد أن كل ذلك لا يغطّي على مسؤولية قيادة "حماس"، عن خيارها المتمثل بـ"طوفان الأقصى"، الذي استمر لساعات، في يوم واحد، في حين أن إسرائيل، طوال الألف يوم الفائتة، وجدت فيها فرصتها السانحة لمحو عمران غزة، وتحويلها إلى خرابة.

اللافت أن قيادة "حماس"، وعلى الرغم من كل الكارثة، لا زالت في حالة إنكار، وانفصام عن الواقع، إذ لم تقم بأية مراجعة نقدية، لخيارها المتمثل بـ"الطوفان"، وما نجم عنه، لجهة تغوّل إسرائيل في المنطقة، وتكريس وتعزيز هيمنتها على الفلسطينيين، من النهر إلى البحر.

بالعكس من كل ذلك إذ ظلت قيادة تلك الحركة متشبّثة بادعاءاتها بشأن أن إسرائيل لم تحقّق أهدافها، وأن إسرائيل ربحت تكتيكياً وخسرت استراتيجياً، لمجرد بقاء مقاتلين لها، على الرغم من تصفية معظم قياداتها، كأن بقاء الحركة، أهم من بقاء الشعب الفلسطيني، وهو فهم بات سائدا، للأسف، عند معظم الفصائل الفلسطينية، التي ترى نفسها أهم من شعب فلسطين.

في السياق ذاته، واضح أن قيادة "حماس" تناست أنها برّرت عملية "الطوفان" بأن إسرائيل في طور الانهيار، وبالإمكان هزيمتها، بالاعتماد على أن "الملائكة معنا"، ومحور "المقاومة والممانعة"، وأن الهدف من تلك العملية تحرير الأسرى، وتبييض السجون، ووقف انتهاكات إسرائيل للمقدسات الإسلامية في القدس، وفرض معادلة توازن الردع، وكلها تبينت- بثمن باهظ جدا- عن مجرد أوهام، ورغبات ذاتية؛ رغم مشروعيتها.

"طوفان الأقصى" شكل اختارته قيادة "حماس"، بروح قدرية، ودون دراسة مسؤولة، لذا فهو يجب أن يخضع للتقييم، والنقد، من يومه الأول إلى يومه الألف

وعدا عن غياب استراتيجية كفاحية واضحة عند قيادة "حماس"، يمكن ملاحظة مسألتين، أو انحرافين، في منظومتها الفكرية، الأولى، تبرير سعيها احتفاظها بسلاحها بدعوى حفظ الأمن في غزة، ما يفيد بقبولها توظيفه لضبط الحالة الفلسطينية، إزاء إسرائيل، بثمن احتفاظها بسلطتها في غزة، وهو ما كانت تنتقد عليه السلطة الفلسطينية. والثانية، إبداء استعدادها للتخلي عن السلطة، لصالح اللجنة الإدارية (المنبثقة عن مشروع ترمب للسلام في غزة)، في حين رفضت، طوال عقدين، تسليمها للسلطة الفلسطينية، بل إنها لم تشرك، في إدارتها سلطة غزة، حلفاءها، من الفصائل الأخرى المعارضة للقيادة الفلسطينية.

على أية حال فإن تمنّع قيادة "حماس" عن أية مراجعة نقدية لخيار "الطوفان" شيء عادي في التاريخ السياسي الفلسطيني، إذ لم تعتذر عن الانقسام العميق في الحركة الوطنية الفلسطينية، وفي الوجدان الفلسطيني، بتقسيمها عموديا، إلى فصائل وطنية وفصائل إسلامية، ولا عن ثمن أخذ السلطة، بشكل أحادي وعنيف في غزة (2007)، بثمن مئات من الضحايا، ولا عن انتهاجها شكل "العمليات التفجيرية-الاستشهادية"، إبان الانتفاضة الثانية، ولا عن طريقتها في إدارة غزة بطريقة تعسّفية، رغم انتقاداتها لطريقة إدارة السلطة في الضفة.

وللأسف فإن التمنّع عن المراجعات النقدية، وعن المساءلة والمحاسبة، هو سمة الحركة الوطنية الفلسطينية بكل فصائلها، إذ لم يحصل ذلك إزاء التجربة الفلسطينية في الأردن، ولا في لبنان، ولا بعد التحول إلى سلطة في الأرض المحتلة، كما لم تقم "فتح"، بانتقاد تجربتها في قيادة العمل الوطني الفلسطيني في كل المراحل، ولا في أخذها الحركة الوطنية الفلسطينية نحو "اتفاق أوسلو" (1993)، ولا في تهميشها "منظمة التحرير" لصالح السلطة.

عموما، فبالنسبة لقيادة "حماس"، فإن الأمر لا يقتصر على تمنّعها، وتبرّمها، من النقد، وتهرّبها من أية مسؤولية، إذ يشمل ذلك التشويش على أي انتقاد موضوعي لخيار "الطوفان"، كأنه خيار منزّل، أو حصر المقاومة المسلحة به، مثلما تم حصرها سابقا بالعمليات التفجيرية، علما أن ثمة كثر ربما لا يعرفون أن "حماس" انطلقت إبان الانتفاضة الأولى (1987)، أي بعد انطلاقة الكفاح المسلح، بمبادرة من "فتح"، بـ22 عاما، وأنها قبل ذلك لم تكن مع هذا الشكل النضالي؛ وحتى إن قيادات "حماس" لا تحبّذ التذكير بهذه الحقيقة.

المعنى من ذلك أن "طوفان الأقصى" شكل اختارته قيادة "حماس"، بروح قدرية، ودون دراسة مسؤولة، لذا فهو يجب أن يخضع للتقييم، والنقد، من يومه الأول إلى يومه الألف، وهذا الشكل ليس مقدسا، أو خارج المساءلة، وفوق ذلك فإن هذا الشكل لا يتوافق مع مفاهيم حرب الشعب وحرب العصابات طويلة الأمد، إذ يتخذ شكل الصراع بالضربة القاضية، وكجيش لجيش، على خلاف المقاومة المسلحة طويلة الأمد، التي تشتغل على مراكمة قواها، والتدرج في أشكالها الكفاحية، علما أن شرط أية مقاومة هي استنزاف العدو، لا استنزاف مجتمع المقاومة، وأن تتمكن المقاومة من استثمار معاناة وتضحيات وبطولات شعبها،  في إنجازات سياسية متعينة، وليس المقاومة من أجل المقاومة، أو توظيف المقاومة لأجندات أخرى.

font change