هل ينتهي زمن نتنياهو السياسي؟

نتنياهو يشتغل، أو يستثمر، في منطقة تعيش فراغا سياسيا هائلا

أ ف ب
أ ف ب
ناشط يساري اسرائيلي يرتدي قناعا لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو اثناء احتجاج على استمرار الحرب مع ايران في تل ابيب في 9 مايو

هل ينتهي زمن نتنياهو السياسي؟

لا أعتقد أن العملية الانتخابية المقبلة في إسرائيل، التي ينتظرها كثر من المهتمين بالتطورات التي تمرّ بها هذه الدولة، ستتمخّض عن أي جديد. إذ إنها ستظلّ، على الأرجح، كسابقاتها، منذ قرابة عقدين.

ثمة سمتان تتحكّمان بتلك العملية. الأولى، احتكار اليمين القومي والديني للسياسة الإسرائيلية، كنتاج لانزياح المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين والتعصّب والتطرّف، مع أفول "اليسار الإسرائيلي"، بكل تفرعاته، تقريبا. والثانية، تحكم بنيامين نتنياهو بتوجهات السياسة الإسرائيلية، داخليا وخارجيا، وهو الذي هيمن عليها منذ عام 2009، إذا استثنينا فترة في العامين 2021-2022، التي خسر نتنياهو فيها الانتخابات، لكن لصالح منافسيه في اليمين الإسرائيلي.

سؤال الانتخابات القادمة

على ذلك يفترض أن يسقط من المراهنات على الانتخابات القادمة في إسرائيل، في المدى المنظور، أي احتمال ينبني على عودة يسار الوسط إلى سدة السلطة. إذ إن أي انتخابات قادمة، مبكرة، أو عادية، ستجدد لليمين القومي الإسرائيلي، الذي التحق به تيار يسار الوسط، أيضا، بحيث لم يعد ثمة ما يميز بينهما سياسيا، بخاصة في ما يتعلق بالفلسطينيين، وبمكانة إسرائيل في المنطقة، بدلالة توجهات حزب "هناك مستقبل" (24 مقعدا)، لزعيمه يائير لابيد، مع ملاحظة اختفاء تيار اليسار الإسرائيلي من مجمل الخريطة السياسية الإسرائيلية تقريبا.

هكذا، بديهي أن السؤال عن الانتخابات القادمة بات يتمحور، في الأغلب، حول إمكان نجاح بنيامين نتنياهو في البقاء في سدة السلطة، من عدم ذلك، علما أن الرجل مكث في منصبه كرئيس للحكومة أكثر من أي شخص آخر، وحتى أكثر من المؤسّس بن غوريون نفسه (19 مقابل 14 عاما)، إضافة إلى أنه أثّر في إسرائيل، وفي سياساتها الداخلية والخارجية، بذات الأثر الذي تركه بن غوريون.

مصادر تميّز نتنياهو

في هذا الإطار، يتميّز نتنياهو بأنه رئيس الحكومة الذي تعامل مع إسرائيل بوصفها دولة يهودية أساسا، أي إنه تعامل معها على حقيقتها، دون مواربة، باعتبارها دولة قومية لليهود، ففي عهده تم تشريع "قانون-أساس"، أي الدستور، باعتبار إسرائيل دولة للشعب اليهودي (2018)، أساسا، وفي ذلك تم تغليب طابعها اليهودي على طابعها الديمقراطي، دون الالتفات إلى ما حاولته إسرائيل سابقا في اعتبار نفسها كدولة مواطنين، وكدولة ديمقراطية في الشرق الأوسط، على مثال حلفائها من الدول الليبرالية-الديمقراطية في الغرب.

أيضا، تميز نتنياهو بترجمة توجهاته السياسية بتشكيل حكوماته بائتلاف من التيارات القومية والدينية، وهذا ما حرص عليه، في حقبته الأولى (1996-1999)، ثم الثانية والثالثة (2009 حتى الآن)، ما يعني أنه طابق بين الدين اليهودي وطبيعة إسرائيل، بحيث لم يعد الدين مجرد وسيلة، كما كان في عهد بن غوريون، وحكومات "حزب العمل"، وإنما بات بمثابة جزء من طبيعة إسرائيل، من دون مبالاة بمخالفة ذلك مع اعتبار إسرائيل دولة علمانية، وليبرالية، على غرار الدول الغربية، أيضا.

 أ ف ب
صورة تعود الى 14 مايو 1948 يظهر فيها رئيس الوزراء الاسرائيلي ديفيد بن غوريون محاطا بوزراء حكومته المؤقتة يقرأ اعلان استقلال اسرائيل في تل ابيب

الوضع الاقتصادي هو عامل تميز لصالح نتنياهو ففي عهده، أو في الفترة من 2010-2025، تزايد حجم الناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل من 240 مليارا إلى 600 مليار دولار، وتضاعف نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي من 31 ألف دولار إلى 60 ألف دولار في السنة. وفي عهده باتت إسرائيل قوة تكنولوجية كبيرة بين دول العالم، وبنت شراكات مع الدول الكبرى غير الغربية، مثل الهند والصين وروسيا، أكثر من أية فترة سابقة. وتؤكد ارتفاع قيمة الصادرات الإسرائيلية المعطيات السابقة، ففي حين بقيت الصادرات من السلع على حالها، بمقدار 60 مليار دولار سنويا، في الأعوام المذكورة، ازدادت صادرات إسرائيل في مجال الخدمات والتكنولوجيا من 25 مليار دولار إلى 85 مليار دولار في عام 2025، بحيث ازداد إجمالي صادرات إسرائيل من السلع والخدمات من 85 مليار دولار في عام 2010 إلى 145-150 مليار دولار في عام 2025.

وفي ما يتعلق بالعلاقة مع الفلسطينيين، وهي مسألة داخلية في إسرائيل، أيضا، يعتبر نتنياهو الشخص الذي قوّض اتفاق أوسلو (1993)، جملة وتفصيلا، وفي عهده تم تجميد عملية التسوية، وفتح مسار تآكل الكيان السياسي للفلسطينيين، الناجم عن ذلك الاتفاق، وبات ينازع الفلسطينيين على كل شبر في الضفة الغربية، كما بات ينازع السلطة الفلسطينية على الأرض والموارد وحتى على إدارة الفلسطينيين، في إطار فهمه لما يسميه "أرض إسرائيل الكاملة" بين النهر والبحر.

نتنياهو هو اللاعب الأكثر حظا في الانتخابات الإسرائيلية القادمة، مع ذلك يفترض لفت الانتباه إلى أن الزمن السياسي لهذا الرجل كاد أن ينتهي قبل عملية "طوفان الأقصى"

وضمن السياق ذاته، ففي عهده تزايدت الأنشطة الاستيطانية في الضفة الغربية، أكثر من أية فترة مضت، بل وبات المستوطنون قوة أساسية في المجتمع الإسرائيلي، مع ميليشيا خاصة منظمة تتلقى موازنتها من الحكومة الإسرائيلية، وتشارك الجيش الإسرائيلي في السيطرة على الفلسطينيين، وضرب استقرارهم؛ وفي ذلك فإن نتنياهو يكسب معسكري المتدينين، والمستوطنين، عدا عن جمهور اليمين القومي عموما.

ثقل العامل الخارجي


العوامل الخارجية لها دور كبير في بقاء نتنياهو سياسيا بعد أن غدا، في نظر معظم الإسرائيليين، بمثابة الرجل القوي الذي قاد إسرائيل في مرحلة صعبة، ومكّنها من ضرب، أو تقويض، أو إضعاف، مختلف الأطراف المعادية لإسرائيل، هذا حدث مع "حماس"، و"حزب الله"، وإيران، ما يشمل انهيار النظام السوري، بحيث أزال ما يعتبر مصادر التهديد الوجودي لإسرائيل، وعزز أمنها ومكانتها في المنطقة.
وفي الواقع، فقد شن نتنياهو أكبر وأقوى وأطول حرب خاضتها إسرائيل، منذ قيامها، بعيدا عن مفاهيم إسرائيل التقليدية عن الحرب السريعة والمفاجئة، والتي تتحاشى خسائر بشرية، وهو خاضها بعقلية محو، أو كسر أو شل قدرة أي طرف يمكن أن يهدد إسرائيل مستقبلا. لذا فقد أتت حرب الإبادة الوحشية والمدمرة ضد الفلسطينيين، في هذا الاتجاه، وهذا ما شمل "حزب الله" وإيران وأذرعها الميليشياوية في المنطقة، بأشكال مختلفة.

أ ف ب

وفي المحصلة، فإن حرب نتنياهو تلك تجاوزت ضرب ما تعتبره القوى المعادية لإسرائيل، إلى محاولة ترسيم مكانتها كدولة عظمى إقليمية في المنطقة، سياسيا واقتصاديا وعسكريا وتكنولوجياً، وكدولة قلعة تفرض مناطق عازلة بينها وبين جوارها، وفي كل ذلك لم تعد إسرائيل حريصة على طرح ذاتها، كالسابق، لاستدرار العطف عليها، وجلب الدعم لها، بوصفها دولة ضحية، أو ضعيفة، يمكن أن يهددها جوارها.
على صعيد العلاقة مع الولايات المتحدة فإن الانتخابات القادمة تأتي في ظل رئيس أميركي، هو دونالد ترمب، الذي تربطه علاقات وثيقة، من كل النواحي، مع بنيامين نتنياهو، إضافة إلى أن العلاقات الأميركية-الإسرائيلية بلغت أوجها، في الفترة الماضية، ما زاد تعلق إسرائيل بها، سياسيا وأمنيا واقتصاديا وتكنولوجياً، مع دأب نتنياهو على إضفاء نوع من تمايز، أو استقلالية، في كثير من المحطات عن سياسية ترمب، وكل تلك العوامل تعلب لصالحه.
وكما قدمنا، فإن علاقة إسرائيل مع الدول الكبيرة، غير الغربية، هي علاقة قوية ومتميزة، وهذا يشمل الصين وروسيا والهند، ما يغطي على تضعضع، أو توتر، علاقة إسرائيل ببعض الدول الغربية، كنتيجة للسياسات التي تنتهجها ضد الفلسطينيين، وضمنه حرب الإبادة التي شنتها ضدهم منذ أواخر 2023.

حتى الآن نتنياهو اللاعب الأقوى
كل تلك العوامل تؤكد أن نتنياهو هو اللاعب الأكثر حظا في الانتخابات الإسرائيلية القادمة، مع ذلك يفترض لفت الانتباه إلى أن الزمن السياسي لهذا الرجل كاد أن ينتهي قبل عملية "طوفان الأقصى" (أواخر 2023). 

 أ ف ب
متظاهرون اسرائيليون يرفعون صورة مركبة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وتاجر المخدرات الكولومبي بابلو اسكوبار في مظاهرة مناهضة للحكومة الاسرائيلية في تل ابيب في 9 مايو

وللتذكير، فقط، فمنذ مجيئه إلى رئاسة الحكومة، في حقبته الثالثة (أواخر 2022) شهدت إسرائيل حالا من الاضطراب السياسي، وضمنه تنظيم الإسرائيليين تحركات أسبوعية ضد السياسات التي بات ينتهجها، في محاولة منه لإحداث تغييرات سياسية في إسرائيل، وضمنها محاولة الانقضاض على السلطة القضائية، وتغليب طابع إسرائيل كدولة دينية ويهودية على طابعها كدولة ليبرالية وديمقراطية، بحيث بدا أن سياسات نتنياهو اليمينية الداخلية تقاطعت مع سياساته الخارجية المتطرفة إزاء الفلسطينيين.

نتنياهو يشتغل، أو يستثمر، في منطقة تعيش فراغا سياسيا هائلا، بالنظر لتفكك النظام العربي، وتباين إرادات أطرافه

يستنتج من ذلك أن الحرب، عن قصد أو من دونه، هي التي أطالت زمن نتنياهو السياسي، بل ومنحته فرصة لأن يكون الشخص الأكثر تأثيرا في تاريخ إسرائيل، منذ إقامتها، إلى جانب بن غوريون، إضافة إلى أنه الشخص الذي أثر أكثر من أي رئيس حكومة إسرائيلي في تغيير ميزان القوى في الشرق الأوسط، ومحاولة فرض مكانة إسرائيل كدولة إقليمية عظمى في المنطقة، على حساب الأطراف الآخرين، بدعم من الولايات المتحدة بالطبع.
ما يفترض لفت الانتباه إليه، أيضا، أن حرب الإبادة، وتراجع مكانة إسرائيل دوليا، وانكشاف صورتها كدولة استعمارية وعنصرية ودينية، أكثر من أية فترة مضت، ربما لا تخدم نتنياهو خارجيا، لكنها لا تؤثر تماما، أو إلى الدرجة المناسبة، في رأي الناخب الإسرائيلي، الذي يركز على قوة إسرائيل، وعوامل منعتها، وردها، على ما يعتبر حربا على وجودها.

اف ب
نتنياهو يزور الجنود الاسرائيليين في رفح جنوب قطاع غزة في 18 يوليو 2024

ناحية ثانية، فإن الناخب الإسرائيلي لا يرى بديلا لنتنياهو، أو لليمين القومي والديني، وكما قدمنا فقد اختفى، أو يكاد، يسار الوسط، واليسار عموما، كما لا توجد زعامات كاريزمية، وقد شهدنا انحسار، أو أفول، مكانة شخصيات معارضة مثل بيني غانتس زعيم حزب "أزرق-أبيض"، ويائير لابيد زعيم حزب "هناك مستقبل"، وبيني بينيت الذي يحاول تجميع قوة حزبية، بعد أن تنحى جانبا في الانتخابات السابقة، أما إيهود باراك، رئيس الحكومة، وزعيم "حزب العمل"، ورئيس الأركان الأسبق، فبات بمثابة مجرد محلل سياسي.
وتبعا لكل ما تقدم، فإن نتنياهو يقود كتلة سياسية متماسكة، من اليمين القومي والديني، في حين يتخبط خصومه، في ائتلافاتهم، وتوجهاتهم السياسية، التي لا تخرج كثيرا عما يطرحه خصمهم، أو لا تقدم لجمهورها جديدا، أو بديلا سياسيا، في مواجهته، لا بيني بينيت ويائير لابيد، ولا بيني غانتس، ولا حتى الجنرال غادي أيزنكوت، إذ حتى لو توحد كل هؤلاء في مواجهة نتنياهو، فلا أحد يضمن عدم تكرار عودته كما حصل بعد خسارته في انتخابات 2021 وعودته في انتخابات 2022.
وبالأخير، فإن نتنياهو يشتغل، أو يستثمر، في منطقة تعيش فراغا سياسيا هائلا، بالنظر لتفكك النظام العربي، وتباين إرادات أطرافه، كما بالنظر للسياسات السلبية والمضرة التي انتهجتها إيران في المشرق العربي، طوال العقدين الماضيين، يضاف إلى كل ذلك ضعف حال الفلسطينيين، وكلها عوامل لا تحض الناخب الإسرائيلي على البحث عن خيارات أخرى، خارج إطار السياسات التي ينتهجها اليمين القومي والديني في إسرائيل.

font change

مقالات ذات صلة