إسرائيل وإيران... "لاءات" نتنياهو الثلاث لترمبhttps://www.majalla.com/node/329616/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84-%D9%88%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D9%84%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA-%D9%86%D8%AA%D9%86%D9%8A%D8%A7%D9%87%D9%88-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%84%D8%A7%D8%AB-%D9%84%D8%AA%D8%B1%D9%85%D8%A8
توجّه رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو هذا الأسبوع إلى واشنطن لعقد لقائه السابع مع الرئيس الأميركي. وحمل معه ملفات استخباراتية، وسجلا حافلا في تجاوز قنوات الدبلوماسية الأميركية كلما تعارضت مع حساباته، وقناعة ثابتة بأن واشنطن تقترب من إبرام اتفاق قد يترك إسرائيل في موقع مكشوف. ولن يكون لقاؤه مع دونالد ترمب في 11 فبراير/شباط، بعد تقديمه أسبوعا كاملا عن موعده الأصلي، وفي أعقاب بدء محادثات بين إيران والولايات المتحدة، مجرد تشاور اعتيادي بين حليفين، بل يأتي في سياق مسعى استباقي للتأثير في مسار الأحداث.
وجاء اللقاء بعد أسابيع من تصاعد التوتر، في أعقاب القمع الدموي الذي نفذته إيران بحق احتجاجات جماهيرية شهدها شهرا ديسمبر/كانون الأول، ويناير/كانون الثاني. وفي الوقت الذي دفعت فيه الولايات المتحدة بحشد من السفن والطائرات إلى المنطقة في استعراض قوة واضح، كان الرئيس ترمب يختبر في الكواليس فرص إبرام تفاهم مع الجمهورية الإسلامية. غير أن المحادثات التي استضافتها سلطنة عمان أثارت في إسرائيل خشية متنامية من أن واشنطن تمضي بهدوء نحو تخفيف بعض الشروط الأساسية، ولا سيما تلك المتعلقة ببرنامج طهران للصواريخ الباليستية.
طلب نتنياهو تقديم موعد اللقاء من 18 فبراير إلى 11 فبراير، بعد أيام قليلة من انتهاء الجولة الأولى من المحادثات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في عُمان.
على الأرجح، يقف وراء هذا الإصرار على لقاء الرئيس ترمب وجها لوجه عاملان واضحان. أولهما ما توحي به طهران من ثقة غير معهودة في ظرف بالغ الحساسية. ففي وقت يلوح فيه احتمال توجيه ضربات أميركية، وفي مرحلة تعد من أضعف مراحل النظام، لا تظهر الجمهورية الإسلامية ميلا إلى التراجع أو تخفيف سقفها التفاوضي. بل على العكس، أعادت توجيه مسار المحادثات من تركيا إلى عمان، وأقصت عواصم عربية أخرى كان يفترض أن يكون لها حضور في العملية، ثم رفعت منسوب التحدي في الخليج عبر خطوات استفزازية، من احتجاز ناقلات نفط إلى إرسال مسيّرات في اتجاه حاملة طائرات أميركية متمركزة في بحر العرب.
المحادثات التي استضافتها مسقط أثارت في إسرائيل خشية متنامية من أن واشنطن تمضي بهدوء نحو تخفيف بعض الشروط الأساسية، ولا سيما تلك المتعلقة ببرنامج طهران للصواريخ الباليستية
وما يزيد من القلق أن طهران تحصر التفاوض في برنامجها النووي وحده، بما يعرقل الجهود الرامية إلى ضبط ترسانتها من الصواريخ الباليستية وكبح دعمها لوكلائها الإقليميين. وحتى في الإطار النووي ذاته، لا تبدي استعدادا لبحث تفكيك كامل لبرنامجها، أي اعتماد مبدأ صفر تخصيب، بل تطالب برفع شامل للعقوبات مقابل تنازلات تراها إسرائيل محدودة ولا ترقى إلى مستوى تغيير استراتيجي حقيقي.
كان هذا القدر من التبجح ليبدو لافتا في أي سياق، غير أنه يكتسب دلالة أعمق حين يوضع في إطار عام تآكلت فيه أوراق النظام وتراجعت مكانته على نحو واضح. فقد تلقت طهران ضربات موجعة في ساحتها الإقليمية، إذ تعرض وكيلها الأبرز، "حزب الله"، لعمليات إسرائيلية قاسية، فيما أطاح هجوم خاطف للمعارضة السورية بحليفها الأهم بشار الأسد، الذي اضطر إلى الفرار. وخاضت إيران مواجهة عسكرية استمرت اثني عشر يوما، تكبدت خلالها خسائر جسيمة، شملت الجزء الأكبر من دفاعاتها الجوية وقسما من ترسانتها الصاروخية الباليستية، كما استهدفت قاذفات "بي-2" الأميركية منشأة فوردو النووية شديدة التحصين.
الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي يتحدث خلال حفل لتزويد القوات المسلحة بالصواريخ الباليستية في طهران، إيران، 22 أغسطس 2023
وفي الداخل، واجهت الجمهورية الإسلامية موجة احتجاجات غير مسبوقة منذ عام 2009. ومع ذلك كله، يتصرف النظام بتحد واضح، رغم أن أي تصعيد أميركي جديد قد لا يقتصر على توجيه ضربات محدودة، بل قد يطال بقاءه.
قد تعكس هذه الثقة بالنفس تقديرا في طهران مفاده أن استراتيجية الجمهورية الإسلامية أثمرت، ولو مرحليا. ففي منتصف يناير/كانون الثاني، أعلن ترمب أنه كان "جاهزا ومتهيئا" لتوجيه ضربة، غير أن النظام الإيراني سارع إلى قمع الاحتجاجات بوابل من النيران خلّف آلافا، وربما عشرات الآلاف، من القتلى. وفي تلك الأثناء، يرجح أن واشنطن أرجأت الهجوم الذي كانت تدرسه لإتاحة المجال لنشر مزيد من الأصول العسكرية في المنطقة، تحسبا لرد صاروخي إيراني قد يستهدف قواعد أميركية، أو لمحاولات محتملة لإغلاق مضيق هرمز الحيوي.
يتصرف النظام الإيراني بتحد واضح، رغم أن أي تصعيد أميركي جديد قد لا يقتصر على توجيه ضربات محدودة، بل قد يطال بقاءه
واستغل النظام هذه المهلة لإخماد الشارع وفرض أمر واقع، على أمل أن يفضل ترمب في نهاية المطاف إبرام اتفاق على خوض مواجهة عسكرية. وبالفعل، قد يبدو أن هذه المقامرة آتت أكلها. فعلى الرغم من أن جذوة الغضب لم تنطفئ، حيث ردد المتظاهرون على سبيل المثال هتاف "الموت لخامنئي" خلال إحياء ذكرى ثورة 1979 في 10 و11 فبراير، فإن الشوارع تبدو هادئة. والأهم أن ترمب، وفق ما يتردد، عاد إلى طاولة التفاوض.
لا يخالج الجمهورية الإسلامية وهمٌ حيال قسوة الظرف الذي تواجهه. ومع ذلك، أتاح لها هذا "الانتصار" القصير الأجل، الذي تحقق في سياق من أكثر الأيام دموية في تاريخ البلاد، أن تظهر بمظهر القوة والتحدي، وهو ما يرى المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي أنه خياره الأضمن للبقاء. ويستحضر خامنئي في هذا السياق مصير الشاه، حين أدى قراره استرضاء المحتجين في أيام حكمه الأخيرة قي عام 1979 إلى تقويض سلطته. وفي حسابات القيادة الحالية، يبدو إظهار الصلابة أقل كلفة من تقديم تنازلات، سواء تجسد ذلك في قتل المتظاهرين في الشوارع أو في اختبار حدود القوة الأميركية عبر استفزاز أسطول ترمب.
التشدد الإسرائيلي المتعمد
لا يبدو هذا المسار مستغربا لمن يتابع سلوك النظام الإيراني عن كثب. فنهج التحدي شكّل سمة ثابتة في أدائه، وإن ارتد عليه مرارا حين بالغ في تقدير قدرته على تحمل الكلفة. ومع ذلك، تدرك إسرائيل أن التقليل من شأن الإيرانيين مجازفة، كما أن تجاهل ميل ترمب إلى تفضيل الصفقات قد يقود إلى حسابات خاطئة. وبعد محادثات عمان، وصف ترمب اللقاءات بأنها "جيدة جدا"، وأشار إلى عقد جولات أخرى "في وقت مبكر من الأسبوع المقبل".
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البرلمان الإسرائيلي، الكنيست، في القدس في 13 أكتوبر 2025
بالنسبة لنتنياهو، لم تحمل تلك التصريحات ما يدعو إلى الارتياح. فقد انصبت محادثات عمان على بلورة إطار يمهد لجولات تفاوضية لاحقة، وأكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن المباحثات تناولت "الأسس اللازمة لاستئناف كل من المفاوضات الدبلوماسية والتقنية". وفي الحسابات الإسرائيلية، تعني هذه اللغة أن قواعد اللعبة بدأت تتحدد، وأن تركها تتبلور من دون تدخل قد يفضي إلى نتائج غير مرغوبة.
من هنا، لا تأتي زيارة نتنياهو إلى واشنطن احتفاء بانفراج دبلوماسي، بل سعيا إلى توجيه مساره قبل أن يستقر في صيغة قد يجد نفسه مضطرا إلى التعامل معها.
ويعني ذلك عمليا أن إسرائيل لن تكتفي باتفاق يركز على البرنامج النووي وحده. فالمطالب التي يعلنها مسؤولون إسرائيليون تُختصر في ما يصفونه بـ"اللاءات الثلاث": لا لبرنامج نووي، ولا لبرنامج صواريخ باليستية، ولا لدعم الجماعات الوكيلة المسلحة. وأكد مكتب نتنياهو أن "أي اتفاق لا ينبغي أن يقتصر على منع إيران من إعادة تسليح نفسها بأسلحة نووية أو على إلغاء احتمال تخصيب اليورانيوم فحسب، بل يجب أيضا أن يفرض قيودا على الصواريخ الباليستية ويضمن وقف الدعم والتمويل للإرهاب من جانب محور الشر".
تكتسب مسألة الصواريخ الباليستية أهمية متزايدة. فمع أن الصواريخ الإيرانية لم تلحق حتى الآن ضررا حاسما، فإن احتمال تطوير قدراتها بما يمكنها من إغراق منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية يظل مصدر قلق جدي
صيغت هذه المطالب بقدر من التشدد المتعمد. غير أن القلق الحقيقي في تل أبيب لا يكمن في أن تتجاهل واشنطن هذه الشروط بالكامل، بل في أن تحصر اهتمامها في الملف النووي، وتبرم اتفاقا محدود النطاق تعلنه إنجازا، فيما يظل برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني وشبكات الوكلاء على حالهما.
وتكتسب مسألة الصواريخ الباليستية أهمية متزايدة في هذا السياق. فمع أن الصواريخ الإيرانية لم تلحق حتى الآن ضررا حاسما، ولا سيما بالبنية التحتية العسكرية الإسرائيلية، فإن احتمال تطوير قدراتها بما يمكنها من إغراق منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية يظل مصدر قلق جدي. وحتى في الشق النووي، لا تكتفي إسرائيل بقيود جزئية، بل تدفع في اتجاه تفكيك كامل، على غرار ما يعرف بـ"الحل الليبي"، في إشارة إلى إزالة البرنامج النووي الليبي في عهد معمر القذافي.
أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن نتنياهو قرر أن يعرض بنفسه الإيجاز الاستخباراتي الذي سبق أن قدمه إلى المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف خلال زيارته إسرائيل في 3 فبراير. ويركز هذا الإيجاز، بحسب تلك الوسائل، على ترسانة إيران الصاروخية، وعلى المخاوف من أن تعمد الجمهورية الإسلامية إلى تسريع وتيرة الإنتاج ما لم تواجه بردع حازم، عسكريا أو تفاوضيا.
واشنطن أرسلت حاملة الطائرات "يو إس إس أيزنهاور" الضاربة لدعم حاملة الطائرات "يو إس إس جيرالد ر. فورد" والسفن الحربية المرافقة لها، والتي كانت متواجدة بالفعل في الشرق الأوسط
ونُقل عن مصدر مقرب من رئيس الوزراء، من دون تسميته، أن نتنياهو حريص على أن تصل المعلومات الدقيقة إلى ترمب مباشرة، من غير أن تمر عبر قنوات وسيطة. وبعبارة أخرى، لا يثق نتنياهو في أن تنقل السلسلة البيروقراطية حجم القلق الذي يشعر به كما ينبغي.
ويرجح أيضا أن نتنياهو يدرك أن تقديم موعد اللقاء أسبوعا واحدا لا يقتصر على البعد البروتوكولي، بل يحمل في طياته رسالة ضغط موجهة إلى طهران، بما يخدم حسابات واشنطن وتل أبيب معا. فبينما قد ترى الجمهورية الإسلامية أن عامل الوقت يميل لصالحها بعد إخماد الاضطرابات الداخلية، توحي هذه الخطوة بأن نتنياهو قد ينجح في دفع ترمب إلى رفع سقف مطالبه بصورة مفاجئة، إلى حد يتعذر على إيران، في ظروفها الحالية، مجاراته.
خلف الأبواب المغلقة
ثمة أداة أخرى درج الطرفان على استخدامها لزيادة الضغط، قوامها ترك المسارات مفتوحة على كل الاحتمالات. وفي هذا الإطار، اختار البيت الأبيض أن يعقد اللقاء بعيدا عن الإعلام، من دون مؤتمر صحافي قبله أو بعده، في خروج واضح عن المألوف. فقد دأب ترمب ونتنياهو في زيارات سابقة على الظهور معا أمام الصحافة، مستثمرين تلك المنصات لتأكيد متانة تحالفهما أمام الرأي العام في الداخل والخارج. أما الاكتفاء هذه المرة باجتماع مغلق، فيعكس حساسية المرحلة ويشير إلى أن ما يدور يتجاوز الرسائل العلنية إلى حسابات أكثر دقة.
ويصطحب نتنياهو وفدا محدودا، يضم سكرتيره العسكري اللواء رومان غوفمان، والقائم بأعمال رئيس مجلس الأمن القومي غيل رايش. وتضفي هذه التركيبة على الزيارة طابع اجتماع عمل ضيق، لا مراسم زيارة رسمية. كما توحي بأن المحادثات ستنصرف إلى تفاصيل عملياتية وحسابات استخباراتية، لا إلى مجاملات دبلوماسية. فعندما يقتصر الحضور على عسكريين ومنسقين أمنيين، يكون النقاش منصبا على تقدير التهديدات وإدارة المخاطر، لا على تبادل عبارات الود.
وزعمت صحيفة "يديعوت أحرونوت" أن الطرفين فضلا تجنب أي مشهد علني قد يكشف تباينا بين ترمب ونتنياهو حيال اتفاق محتمل مع إيران. وقد يكون ذلك صحيحا، غير أن الظهور المشترك كان يمكن أن يؤدي أيضا وظيفة معاكسة، عبر إظهار متعمد للتماسك والوحدة.
وثمة تفسير آخر مفاده أن نتنياهو يفضل إبقاء تفاصيل اللقاء في دائرة ضيقة لإحاطة مساره بقدر من الغموض. فالغموض في مثل هذه اللحظات ليس عرضا جانبيا، بل أداة تأثير. وحين يعجز الخصوم عن استشراف الخطوة التالية، يميلون إلى افتراض السيناريو الأسوأ، ويصبحون أكثر ميلا إلى تعديل حساباتهم أو تقديم تنازلات.
غير أن العنصر الأكثر تعقيدا يظل ترمب نفسه. فهو يميل إلى تحويل المفاوضات إلى مشهد علني تديره الكاميرات، لا إلى تفاهمات هادئة تعقد خلف الأبواب المغلقة. ومع ذلك، أظهر الرئيس الأميركي مرارا قدرة على المناورة وصعوبة في التنبؤ بخطواته، ولا سيما من جانب قادة يميلون إلى الثقة المفرطة، كما اكتشف نيكولاس مادورو في فنزويلا خلال ليلة مفصلية في كاراكاس.
ثمة أداة أخرى درج الطرفان على استخدامها لزيادة الضغط، قوامها ترك المسارات مفتوحة على كل الاحتمالات. وفي هذا الإطار، اختار البيت الأبيض أن يعقد اللقاء بعيدا عن الإعلام، من دون مؤتمر صحافي قبله أو بعده، في خروج واضح عن المألوف
تنبع أهمية هذا اللقاء من السياق الأوسع الذي يندرج فيه. فلدى نتنياهو نمط راسخ في التعامل مع المسارات الدبلوماسية الأميركية حيال إيران، يقوم على التأثير في اتجاهها، وإبطاء اندفاعها، ثم تجاوزها عند اللحظة التي يراها مناسبة.
ففي فبراير 2025، خلال أول لقاء جمعه بترمب في ولايته الجديدة، عرض نتنياهو أربعة سيناريوهات لضرب إيران، تراوحت بين تحرك إسرائيلي أحادي وعملية تقودها الولايات المتحدة. وفي ربيع 2025، بينما منح ترمب الدبلوماسية مهلة ستين يوما، أعلن نتنياهو دعمه العلني للمسار التفاوضي، لكنه أبقى على شكوكه، ثم انتظر انقضاء المهلة قبل أن يباشر ضربات سرعان ما اتسعت إلى حرب الاثني عشر يوما. وحتى بعد انضمام القاذفات الأميركية إلى الحملة، أشارت تقارير إلى أن واشنطن حثت إسرائيل على تقليص عملياتها، في حين واصلت القوات الإسرائيلية استهداف بنية القيادة داخل إيران.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، خلال لقائهما في منتجع مارالاغو بفلوريدا، أثار نتنياهو احتمال شن "جولة ثانية" من الضربات. ثم عاد في يناير/كانون الثاني 2026 ليواصل الدفع في الاتجاه نفسه. وها هو في فبراير يسارع إلى واشنطن ليعرض، على حد تعبيره، "مقاربتنا انطلاقا من مبادئنا في المفاوضات".
يبدو هذا النمط جليا. فبرغم تكرار الحديث عن شرخ بين الزعيمين، وبرغم ما بينهما من توترات حقيقية، حرص نتنياهو على أن يبقى حاضرا في خلفية أي مسار تفاوضي، كعامل لا يمكن تجاهله في حسابات ترمب. وعلى هذا النحو، يثبت موقع إسرائيل بوصفها شريكا لا يمكن تجاوزه، ولا يمكن إغفال اعتبارات أمنه، ويحافظ في الوقت ذاته على خيار التحرك العسكري قائما إذا أخفقت الدبلوماسية أو أفضت إلى نتيجة لا يراها مقبولة.
صورة من الاقمار الاصطناعية لمنشأة اصفهان النووية الايرانية بعد تعرضها لضربة جوية اميركية في 23 يونيو
وفي الوقت نفسه، تعي إسرائيل أن "اتفاقا محدودا" قد يضيّق هامش حركتها دبلوماسيا وعسكريا. فنتنياهو لا يملك هامشا واسعا لانتقاد ترمب كما فعل مع رؤساء سابقين، كما أن إبرام اتفاق من هذا النوع قد يفضي عمليا إلى تقييد الهجمات الإسرائيلية داخل إيران أو كبحها.
شبح "الخط الأحمر" بسوريا
يستطيع نتنياهو أن يذكّر ترمب بسابقة لا تزال حاضرة في الذاكرة الأميركية، هي قصة "الخط الأحمر" في عهد باراك أوباما عام 2012. يومها أعلن أوباما أن لجوء النظام السوري إلى السلاح الكيماوي سيستدعي ردا عسكريا، وتهيأت إسرائيل لاحتمال اللجوء لتدخل عسكري.
لكن بعد "هجوم السارين" في 2013، لم يترجم أوباما تهديده إلى عمل عسكري، واختار مسارا دبلوماسيا بالتفاهم مع روسيا لإزالة المخزون الكيماوي السوري. ولم يحسم ذلك الاتفاق المسألة كما قيل آنذاك، إذ استمرت دمشق في الاحتفاظ بقدرات كيماوية واستخدامها، ما قاد الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا إلى تنفيذ ضربات مشتركة خلال الولاية الأولى لترمب.
وقد تبدو هذه الواقعة للوهلة الأولى تفصيلا عابرا، لكنها في جوهرها قصة تحذيرية ماثلة أمام ترمب، الذي لا يرغب في أن يوصف بـ"أوباما آخر". فالانتقال من التلويح بضربة إلى التراجع عنها، بعد إطلاق عبارات من قبيل "المساعدة في الطريق"، ليس خطوة يسهل احتواؤها سياسيا، حتى بالنسبة إلى ترمب.
قد تبدو واقعة "الخط الأحمر" الخاص بأوباما تجاه نظام الأسد تفصيلا عابرا، لكنها في جوهرها قصة تحذيرية ماثلة أمام ترمب، الذي لا يرغب في أن يوصف بـ"أوباما آخر"
بصرف النظر عن مساعي نتنياهو، تبقى فرص التوصل إلى تفاهم بين واشنطن وطهران محدودة. فأقصى ما يمكن أن تعرضه الجمهورية الإسلامية، على الأرجح، هو اتفاق نووي ضيق النطاق، يأتي في وقت أضعفت فيه الضربات الإسرائيلية جزءا من بنيتها النووية، ودفعت بملف الصواريخ والميليشيات إلى صدارة التهديد.
كما أن أي اتفاق سيولد في ظل قمع دموي لمحتجين سحقتهم السلطة، ما يشكل وصمة أخلاقية لا يمحوها التاريخ. يتمتع ترمب بحس قوي بالتاريخ، ولا سيما حين يتعلق الأمر بإرثه الشخصي، وهو يدرك أن ذكره بوصفه الرئيس الذي أعاد تأهيل الجمهورية الإسلامية يحمل مجازفة لا تمحوها عروض دبلوماسية ولا مشاهد احتفالية.
ومع ذلك، لا يشكل اللجوء إلى القوة خاتمة واضحة للمشهد. فإيران لا تزال تحتفظ بأوراق ضغط فاعلة، أبرزها قدرتها على استهداف منشآت الطاقة في الخليج أو تهديد الممرات البحرية الحيوية، بما يكفي لإحداث اضطراب في الأسواق العالمية ودفع الملف سريعا إلى صدارة أولويات الناخب الأميركي.
ولهذا تحديدا تسعى قوى إقليمية إلى التأثير في حسابات ترمب. فهذه العواصم متمرسة في إدارة التفاوض، وتعرف إيقاعه السياسي، وتدرك رغبته في أن يظهر بمظهر صانع الصفقات الذي يجنب البلاد حربا أخفق من سبقوه في تفاديها.
وعليه، قد تتجه الأزمة إلى مسار أبطأ اشتعالا مما كان عليه في البداية. فواشنطن وطهران ستختبران حدود بعضهما البعض، وترفعان منسوب التوتر تدريجيا، في محاولة لانتزاع مكاسب من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، والبحث في الوقت ذاته عن مخرج لا يبدو تنازلا. وفي هذا السياق، تتمثل مهمة نتنياهو في واشنطن في أن يضمن حضورا دائما في حسابات ترمب، وأن يظل الصوت الذي يذكره بالفارق بين هدنة مؤقتة وسلام مستقر.