بين مطرقة ترمب وقنبلة ترومان... هل انتهى زمن الحذر الأميركي؟

يمكن تشبيه مغامرات ترمب في هذا السياق بنمط المغامرة الدفاعية التي انتهجها ترومان

أ.ف.ب/رويترز/ "المجلة"
أ.ف.ب/رويترز/ "المجلة"

بين مطرقة ترمب وقنبلة ترومان... هل انتهى زمن الحذر الأميركي؟

تشكل الرئاسة الأميركية في جوهرها صراعا مستمرا بين مؤسسات الدولة البيروقراطية والرؤية الفردية للرئيس، بما تمثله من إرادة شخصية تسعى لترك بصمتها على التاريخ السياسي. فهذا الصراع لا يقتصر على اختلاف في وجهات النظر، بل يعكس في العمق تنافسا بين نمطين من السلطة:سلطة قانونية عقلانية تستند إلى حسابات مؤسسية دقيقة للربح والخسارة، وسلطة كاريزمية تميل إلى كسر الأنماط التقليدية وإعادة صياغة الواقع عبر المغامرة المحسوبة.

وفي عهد دونالد ترمب، يبدو أن الكفة مالت بوضوح لصالح النمط الثاني، إذ انتقلت واشنطن من مربع الحذر الاستراتيجي الذي طبع عقودا من سياستها الخارجية إلى مربع الفعل الاستباقي الصادم الذي يعيد تعريف المصلحة الأميركية العليا وحدودها.

التحول الذي نلمسه اليوم في السياسة الخارجية الأميركية لا يقتصر على تبدل هوية ساكن البيت الأبيض، بل يعكس انقلابا بنيويا في طريقة تقييم المخاطر الاستخباراتية والميدانية وحدود تحملها. فبينما كانت الإدارات السابقة تخشى تبعات الفشل وتأثيره على المستقبل السياسي للرئيس وعلى هيبة الدولة، تبدو الإدارة الحالية أقرب إلى تبني مبدأ المقامرة الكبرى التي تجعل من الصدمة وسيلة أساسية لكسر الجمود الجيوسياسي. وهذا المقال يسعى إلى تفكيك هذه العقيدة عبر مقارنة تاريخية معمقة بين إخفاقات الماضي التي كبلت الرئاسة الأميركية، ونجاحات الحاضر التي أعادت صياغة مفهوم المصلحة العليا في ميزان القوى العالمي.

يقدم تاريخ العمليات الاستخباراتية الأميركية الكبرى سجلا ثقيلا من الدروس القاسية التي شكلت وعي صانع القرار في واشنطن لعقود

مرارة الفشل وظلال كينيدي وكارتر

يقدم تاريخ العمليات الاستخباراتية الأميركية الكبرى سجلا ثقيلا من الدروس القاسية التي شكلت وعي صانع القرار في واشنطن لعقود، إذ كانت الخسائر التي تكبدتها الولايات المتحدة تترك أثرا سلبيا عميقا على الرؤساء. فحين نعود إلى عام 1961 نجد أن جون كينيدي ورث مخططا استخباراتيا صيغ في عهد سلفه دوايت إيزنهاور، لكنه هو من تحمل كلفة تنفيذ غزو خليج الخنازير في كوبا أمام الداخل والخارج. والفشل في تلك العملية لم يكن مجرد إخفاق عسكري ميداني، بل مثل طعنة مباشرة في هيبة الرئاسة الأميركية في ذروة الحرب الباردة. هذا القصور في دقة الحسابات الاستخباراتية آنذاك وضع كينيدي في موقف دفاعي محرج أمام العالم، وشجع السوفيات لاحقا على اختبار حدود واشنطن في أزمة الصواريخ الكوبية.

أ.ف.ب
اشتباكات بين مؤيدين ومعارضين لكاسترو من الكوبيين والأميركيين خلال المظاهرات التي اندلعت أثناء غزو خليج الخنازير، نيويورك في 19 أبريل 1961

وقد تكرر المشهد الدرامي نفسه مع جيمي كارتر عام 1980 خلال عملية "مخلب النسر" لإنقاذ الرهائن الأميركيين في طهران، فلم تكن مجرد محاولة فاشلة تقنيا، بل كانت تجسيدا لعجز المؤسسة العسكرية والبيروقراطية عن التكيف مع الظروف الميدانية المتغيرة، حيث تحولت صور الحطام في صحراء "طبس" إلى أيقونة للفشل القيادي، وظهر كارتر في صورة الرئيس الضعيف الذي قاد عجز قوة عظمى عن حماية مواطنيها، بما مهد الطريق لهزيمته المدوية أمام رونالد ريغان. هذه الإخفاقات التاريخية صنعت ما يمكن تسميته "عقدة الفشل الاستخباراتي" التي دفعت كثيرا من الرؤساء اللاحقين إلى تفضيل الحلول الدبلوماسية الملتوية على العمليات الميدانية الجريئة، خشية الانزلاق إلى فخ الاستنزاف السياسي والمعنوي.

المقاربة في عهد ترمب، وتحديدا خلال عملية مطرقة منتصف الليل عام 2025، جسدت فلسفة سياسية مغايرة تقوم على الحسم الوقائي لا على إدارة الأزمات

وفي المقابل، جاءت عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في عهد ترمب لتكسر هذا السياق التاريخي المثقل بإرث الإخفاق، فقد حملت المغامرة التي أقدم عليها ترمب في طياتها قابلية لفشل لا يقل كارثية عن خليج الخنازير أو "مخلب النسر"، وكان من شأن سقوط قتلى أميركيين أو تعثر العملية أن يزج بمصيره السياسي في الظل نفسه الذي طارد كينيدي وكارتر. غير أن نجاح العملية كشف تحولا جوهريا في دقة الحسابات الاستخباراتية الحديثة، التي باتت تمتلك أدوات تقنية وبشرية تتجاوز بكثير ما كان متاحا في العقود الماضية. وهكذا اختار ترمب تجاوز عقدة الفشل عبر ضربة جراحية خاطفة، حولت المقامرة إلى إنجاز استراتيجي أعاد ترتيب موازين القوى في القارة اللاتينية.

مطرقة منتصف الليل ورهانات السيادة النووية

إن الانتقال من مستوى العمليات التكتيكية إلى التعامل مع أزمات وجودية يفرض مقارنة شبه حتمية بين أزمة الصواريخ السوفياتية في كوبا عام 1962 وأزمة البرنامج النووي الإيراني التي بلغت ذروتها عام 2025.

رويترز
جندي من القوات المسلحة الكوبية بجوار أسلحة أميركية الصنع تم الاستيلاء عليها بعد نزول نحو 1500 من حلفاء كوبا المناهضين لكاسترو على شاطئ بلايا جيرون خلال غزو خليج الخنازير على الساحل الجنوبي لكوبا، في أبريل 1961

في عهد كينيدي، تحركت الإدارة الأميركية على حبل مشدود، ساعية إلى إدارة الأزمة بسياسة احتواء دقيقة تمنع الانزلاق إلى مواجهة نووية شاملة. وقد كان الهدف هو الوصول إلى تسوية تحفظ ماء وجه الطرفين وتضمن الأمن القومي دون اللجوء إلى صدام مباشر، وهو ما تجلى في صفقة سحب الصواريخ المتبادلة.

أما المقاربة في عهد ترمب، وتحديدا خلال عملية مطرقة منتصف الليل عام 2025، فجسدت فلسفة سياسية مغايرة تقوم على الحسم الوقائي لا على إدارة الأزمات، حيث لم تعد واشنطن تسعى إلى احتواء تدريجي أو إلى اتفاقيات رقابة هشة، بل انتقلت إلى استراتيجية ضرب التهديد من جذوره عبر شل القدرات النوعية للخصم، تعيد هذه النقلة النوعية في العقيدة العسكرية إلى الأذهان نهج هاري ترومان عندما اتخذ قراره التاريخي باستخدام السلاح النووي ضد اليابان بوصفه فعلا حاسما يغير مسار الصراع برمته.

يرتكز رهان 2026 على أن المخاطرة المحسوبة بالصدام– رغم كلفتها المحتملة– أقل خطورة من الانتظار الاستراتيجي الذي قد يؤدي إلى فقدان السيطرة الكاملة على ملفات الأمن القومي

يمكن تشبيه مغامرات ترمب في هذا السياق بنمط المغامرة الدفاعية التي انتهجها ترومان؛ فكلاهما سعى إلى إنهاء حالة استنزاف طويلة ومكلفة عبر فعل صادم يفرض واقعا جديدا يصعب التراجع عنه. لقد لجأ ترومان إلى استخدام السلاح النووي لإنهاء حرب عالمية طاحنة وتجنب سقوط مئات الآلاف من الجنود الأميركيين في غزو بري لليابان، بينما نفذ ترمب "مطرقة منتصف الليل" لفرض واقع استراتيجي جديد يحيد التهديد النووي الإيراني ويضع حدا لعقود من الاستنزاف الجيوسياسي الذي كلف الخزانة الأميركية مليارات الدولارات في الشرق الأوسط. كلاهما كسر التابوهات السياسية والمؤسسية باسم المصلحة الأميركية العليا التي لا تحتمل مزيدا من التسويف.

غير أن الفارق الجوهري يتمثل في أن ترومان تحرك ضمن سياق حرب معلنة وشاملة انتهت بحسم كامل واستسلام تقليدي، بينما يتحرك ترمب في فضاء صراعات رمادية تهدف إلى فرض شلل استراتيجي على الخصم وتغيير قواعد اللعبة دون انتظار استسلام رسمي، ما يجعل نجاح حساباته الاستخباراتية عنصرا حاسما لتجنب الانزلاق إلى كارثة إقليمية غير محسوبة.

الانقطاع عن إرث أوباما وتصعيد 2026

تكشف المقارنة بين تصعيد 2026 في الملف الإيراني واتفاق 2015، عن هوة عميقة في فهم دور القوة داخل العلاقات الدولية. ففي حين نظر أوباما إلى القوة بوصفها أداة أخيرة تُستخدم لدعم المسار الدبلوماسي، يتعامل ترمب معها كأداة أولى، وأحيانا وحيدة، لفرض واقع دبلوماسي جديد يحيد التهديد النووي من أساسه. هذا الانقطاع التاريخي، المتزامن مع التحضيرات الجارية لمحادثات إسطنبول المرتقبة بين مبعوث البيت الأبيض ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، يعيد الولايات المتحدة إلى إرث هاري ترومان حيث يُعد الحسم الطريق المفضل لإنهاء الأزمات المستعصية، وتُعتبر المخاطرة المحسوبة الثمن الضروري للبقاء في قمة الهرم العالمي.

أ.ف.ب
هاري ترومان (1884-1972)، الرئيس 33 للولايات المتحدة الأميركية، يلقي كلمة أمام وسائل الإعلام في عام 1945 في واشنطن العاصمة

ونحن نلاحظ من منظور سوسيولوجي، تحول الشخصية السياسية الأميركية من نمط المدير الدولي الذي يسعى لتنسيق المصالح المشتركة، إلى نمط القائد القومي الذي يهدف إلى فرض الهيمنة وتغيير الواقع الميداني قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات. وهذا التحول يعكس تغيرا في نظرة المجتمع السياسي الأميركي لمفهوم المصلحة العليا؛ فلم يعد الاستقرار المؤقت الناتج عن تنازلات هو الهدف، بل أصبح الحسم الاستراتيجي الذي يضمن التفوق الدائم هو الغاية الأسمى. وقد امتدت دقة الحسابات الاستخباراتية في هذا التصعيد إلى ما وراء جمع المعلومات التقنية، لتشمل هندسة السلوك لدى الخصوم من خلال فهم تأثير الضربات الجراحية على هيكلية السلطة في عواصمهم المعادية.

وفي النهاية، يرتكز رهان 2026 على أن المخاطرة المحسوبة بالصدام– رغم كلفتها المحتملة– أقل خطورة من الانتظار الاستراتيجي الذي قد يؤدي إلى فقدان السيطرة الكاملة على ملفات الأمن القومي في ظل سباق التسلح التكنولوجي والنووي المتسارع.

سوسيولوجيا القيادة الكاريزمية والمصلحة القومية

لا يمكن فهم هذا التحول دون الرجوع إلى البعد السوسيولوجي للقيادة. إذ يعيد ترمب إحياء نموذج القائد الذي يتحدى البيروقراطية الاستخباراتية والعسكرية، حين يراها عائقا أمام الأهداف الكبرى. أما في حالَتَيْ كينيدي وكارتر، فقد كانت المؤسسة هي التي تدير الرئيس وتحدد سقف طموحه، مما أفضى في النهاية إلى إخفاقات ناتجة عن تشتُت المسؤولية. بينما القرار في عهد ترمب مركزيٌ ومترابطٌ بشخصيَته الميالة للمغامرة، مما يضع المؤسَسة الاستخباراتيَة في موقف يُلْزَمُها تقديم أدقِ الحسابات لدعم توجهات القيادة.

النجاحات الاستخباراتية والميدانية التي حققتها الإدارة الأميركية في ملفات معقدة مثل فنزويلا وإيران رسمت ملامح عصر جديد للهيمنة

وهذا النمط من القيادة يُعَدّل مفهوم المصلحة الأميركية العليا جذريا؛ فبدلا من كونه نتاجَ توافق مؤسِسي طويل الأمد، أصبح رؤية استراتيجية يفرضها الرئيس ويتحمل مسؤوليَتَها الكاملة. إن نجاح ترمب في اختطاف مادورو أو شلِ القدرات النووية لخصومه عبر "مطرقة منتصف الليل" يُعَزِز شرعيَة هذا النمط القيادي في عيون الرأي العامِ الأميركيِ، الذي مال إلى تفضيل النتائج الملموسة على الوعود الدبلوماسيَة المُعَقَدَة. غيرَ أنَ تساؤلات الاستدامة تظلُ قائمة. فالمغامرَة تبقى مغامرَة مهما بلغت دقَةُ الحسابات، والخسائرُ البَشَرِيَةُ– إنْ حَدَثَتْ– قادرَةٌ على تَحْوِيلِ البطلِ الكاريزميِ إلى رئيسٍ مَنْبُوذٍ في لَحْظَات.

ماذا بعد؟

النجاحات الاستخباراتية والميدانية التي حققتها الإدارة الأميركية في ملفات معقدة مثل فنزويلا وإيران رسمت ملامح عصر جديد للهيمنة، عصر يقوم على الفعل الصادم والنتائج الخاطفة بعيدا عن رتابة المؤسسات التقليدية. ومع ذلك، فإن هذا النهج يحمل في طياته تحديات كبرى لمستقبل النظام الدولي. والاعتماد المفرط على دقة الحسابات الاستخباراتية في تنفيذ مغامرات استباقية قد يؤدي إلى إضعاف صمامات الأمان التي منعت الصدامات الكبرى في الماضي.

أ.ف.ب
صورة أرشيفية ملتقطة في سبتمبر 1945، تظهر ما تبقى من مبنى هيروشيما الإقليمي لترويج الصناعة، المعروف باسم قبة القنبلة الذرية، والذي تم الحفاظ عليه لاحقًا كمعلم تاريخي

إن العالم اليوم يراقب واشنطن وهي تعيد تعريف مفهوم السيادة والقوة؛ فلم يعد الأمر قاصرا على حماية المصالح، بل امتد إلى فرضها عبر عمليات جراحية تغير مسار التاريخ في ساعات.

إن عقيدة الحسم التي تتبناها إدارة ترامب في 2026 تضع المجتمع الدولي أمام واقع جديد، حيث أصبح الحذر الاستراتيجي مرادفا للضعف، والمغامرة تعبيرا عن العبقرية السياسية ما دامت تحقق النتائج المرجوة وتتجنب الخسائر البشرية الفادحة التي أطاحت برؤساء سابقين.

إننا أمام مرحلة تاريخية لا تكتفي فيها أميركا بإدارة الأزمات، بل تسعى لتصفيتها؛ وهذا مسار محفوف بالفرص والمخاطر معا، ورهينٌ لقدرة الاستخبارات على الحفاظ على دقتها أمام خصوم أدركوا أن قواعد اللعبة تغيرت إلى الأبد.

font change

مقالات ذات صلة