تشكل الرئاسة الأميركية في جوهرها صراعا مستمرا بين مؤسسات الدولة البيروقراطية والرؤية الفردية للرئيس، بما تمثله من إرادة شخصية تسعى لترك بصمتها على التاريخ السياسي. فهذا الصراع لا يقتصر على اختلاف في وجهات النظر، بل يعكس في العمق تنافسا بين نمطين من السلطة:سلطة قانونية عقلانية تستند إلى حسابات مؤسسية دقيقة للربح والخسارة، وسلطة كاريزمية تميل إلى كسر الأنماط التقليدية وإعادة صياغة الواقع عبر المغامرة المحسوبة.
وفي عهد دونالد ترمب، يبدو أن الكفة مالت بوضوح لصالح النمط الثاني، إذ انتقلت واشنطن من مربع الحذر الاستراتيجي الذي طبع عقودا من سياستها الخارجية إلى مربع الفعل الاستباقي الصادم الذي يعيد تعريف المصلحة الأميركية العليا وحدودها.
التحول الذي نلمسه اليوم في السياسة الخارجية الأميركية لا يقتصر على تبدل هوية ساكن البيت الأبيض، بل يعكس انقلابا بنيويا في طريقة تقييم المخاطر الاستخباراتية والميدانية وحدود تحملها. فبينما كانت الإدارات السابقة تخشى تبعات الفشل وتأثيره على المستقبل السياسي للرئيس وعلى هيبة الدولة، تبدو الإدارة الحالية أقرب إلى تبني مبدأ المقامرة الكبرى التي تجعل من الصدمة وسيلة أساسية لكسر الجمود الجيوسياسي. وهذا المقال يسعى إلى تفكيك هذه العقيدة عبر مقارنة تاريخية معمقة بين إخفاقات الماضي التي كبلت الرئاسة الأميركية، ونجاحات الحاضر التي أعادت صياغة مفهوم المصلحة العليا في ميزان القوى العالمي.



