محمد حيدر زمار... نهاية الرحلة "الجهادية" لـ"الدب السوري"

اعتقل في المغرب لارتباطه بهجمات 11 سبتمبر 2001 ثم نقل إلى "فرع فلسطين" ومنه إلى "داعش" قبل أن ينتهي بين أيدي "قسد"

إدواردو رامون
إدواردو رامون

محمد حيدر زمار... نهاية الرحلة "الجهادية" لـ"الدب السوري"

انتهت رحلة "الدب السوري" في أحد سجون "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) نهاية عام 2025، وتلقت عائلته المقيمة في ألمانيا، خبر وفاته في السجن مؤخرا، بعد أكثر من 30 عاماً أمضاها في رحلة "الجهاد" العابر للحدود، والتي كان قد بدا أنها انتهت عام 2001 عندما اعتقلته السلطات المغربية، بطلب من الولايات المتحدة لارتباطه باعتداءات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 التي استهدفت الولايات المتحدة الأميركية، والتي خلّفت نحو 2900 قتيل، ليُنقل بعدها إلى سوريا ويبقى فيها، بين سجين ومقاتل في صفوف حركة "أحرار الشام" ولاحقا "داعش"، حتى وفاته في سجون "قسد".

محمد حيدر الزمار، أو كما يعرف باسم "الدب السوري"، ولد في سوريا عام 1961، ليغادر مع أهله لاحقا إلى ألمانيا عام 1971، ويعيش في كنفها ويتعلم بمدارسها، فأصبح سورياً ألمانياً، وخلال سنوات شبابه في ألمانيا بدأت تظهر عليه التوجهات الإسلامية المتشددة، لتبلغ ذروتها عام 1982، عندما قرر السفر إلى سوريا لمواجهة النظام السوري- الذي كان في معركة مفتوحة مع "الإخوان المسلمين" حينها- وصل الزمار إلى الأردن، مكث فيها أكثر من شهر إلا أن محاولاته للدخول إلى سوريا باءت بالفشل، لكنّ "مهمته" في "الجهاد" بدأت بشكل فعلي حينها، حيث تعرّف في الأردن إلى أبي خالد السوري (محمد بهايا) الذي لعب دورا جوهريا في تشكيل توجهات "الدب السوري" اللاحقة. وبحسب المعلومات المتوفرة، فإن أبا خالد السوري هيأ الطريق لمحمد الزمار للوصول إلى أفغانستان عام 1991 والانضمام إلى "القاعدة" وتلقي التدريبات العسكرية. وانطلق طريق الزمار حينها بين أفغانستان وألمانيا، حيث بدأ نشاطا دعويا في "مسجد القدس" بمدينة هامبورغ الألمانية. كما لعب الزمار دورا في تجنيد شباب لصالح "القاعدة" في المدينة، والتي شهدت لاحقا تشكل ما عُرف باسم "خلية هامبورغ" والتي كان أحد أعضائها رمزي بن الشيبة، المعتقل في "سجن غوانتانامو" الشهير، لارتباطه باعتداءات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول. الزمار ربطته لاحقا علاقة مع أفراد الخلية التي نفذت الهجمات على برجي مركز التجارة العالمي، في 11 سبتمبر 2001، كل من محمد عطا، ومروان الشيحي، وزياد سمير.

تلك الهجمات التي نفذها تنظيم "القاعدة" كانت نقطة تحول في حياة الزمار، حيث ورد اسمه في تحقيقات المرحلة الأولى، وأرسلت الولايات المتحدة، طلب معلومات عنه إلى السلطات الألمانية، التي كانت قد حققت معه وأطلقت سراحه. ولم يكن الزمار حينها في ألمانيا، بل كان في رحلة إلى المغرب العربي. وأعطت السلطات الألمانية معلومات إضافية عن الزمار، وأخطرت الولايات المتحدة بأنه سيكون على متن الطائرة يوم 8 ديسمبر/كانون الأول المتوجهة من المغرب (الدار البيضاء) إلى ألمانيا. السلطات المغربية اعتقلت الزمار قبل موعد رحلته بطلب من الولايات المتحدة التي نقلته لاحقا إلى سوريا، ضمن برنامج كان يسمى "الترحيل الاستثنائي". ويبدو أن واشنطن اختارت نقله إلى سوريا التي لا تعترف بالجنسية الثانية للمواطن السوري في حال دخوله إلى البلاد، فلا مبرر لتدخل قوي وفعال من الجانب الألماني، في محاولة استعادته إلى المحاكم الألمانية، كونه يحمل الجنسية السورية، وهو معتقل في سجن سوري.

بقي الزمار نحو عامين في "فرع فلسطين"، وبحسب معلومات غير مؤكدة، فإن النظام السوري كان يتسلم من الجانب الأميركي، أسئلة معينة ليطرحها على الزمار أثناء عملية التحقيق

تعرض الزمار للتعذيب على يد النظام السوري، وبقي نحو عامين في "فرع فلسطين"، وبحسب معلومات غير مؤكدة، فإن النظام السوري كان يتسلم من الجانب الأميركي أسئلة معينة ليطرحها على الزمار أثناء عملية التحقيق، وبحسب صحيفة "دير شبيغل" الألمانية، فإن الزمار التقى مع مسؤولين ألمان في السجن بسوريا عام 2002، ونقلت الصحيفة عن الزمار في تقريرها الذي نُشر عام 2018، قوله إن المسؤولين الألمان أجابوا على طلبه بإعادته إلى ألمانيا بعبارة "أنت تحلم بهذا". وفي عام 2007 حكم على الزمار بالسجن مدة 12 عاما من قبل القضاء السوري، بتهمة الانتماء إلى "الإخوان المسلمين"، ونُقل إلى سجن "صيدنايا" الشهير، حيث تعرف إلى أشخاص سوريين، وبنى معهم علاقة ستكون طوق نجاته في وقت لاحق.

أ ف ب
في هذه الصورة الأرشيفية، يتصاعد الدخان واللهب من البرجين التوأمين لمركز التجارة العالمي بعد أن تم تحطيم طائرات تجارية عمداً في المباني في مانهاتن السفلى، نيويورك في 11 سبتمبر 2001

وبحسب المعلومات فإن "الدب السوري" لعب دورا في سجن صيدنايا في محاولة استمالة اليساريين وغير المتدينين، ودعوتهم إلى اتباع نهجه. وتشير المعلومات إلى أن الزمار التقى بمسؤولين ألمان زاروه في سجن صيدنايا خلال فترة وجوده في السجن، ومن غير المعروف ما إذا كان قد أعاد طلب نقله إلى ألمانيا حينها أم لا. وكان سجن صيدنايا قد شهد حالة استعصاء شهيرة عام 2008، امتدت لشهور، وتخللتها حالات قتل كثيرة من قبل النظام السوري من جهة، ومن قبل سجناء إسلاميين من جهة أخرى. ومن غير المؤكد ما إذا كان للزمار دور لعبه في الاستعصاء أم لا. لكن الدور "الدعوي لصالح القاعدة" الذي لعبه الزمار في السجن ذكره أكثر من سجين، تزامن وجوده هناك خلال تلك الفترة.

عام 2014 كان التحول الجديد في حياة الزمار، إذ أُطلق سراحه من قبل النظام السوري من خلال صفقة تبادل أسرى، تمت بينه وبين حركة "أحرار الشام" 

وعام 2011 مع انطلاق الثورة السورية، وتحولها من حراك سلمي إلى مواجهات مسلحة بين المعارضة السورية من جهة، ونظام الأسد الذي قمع المظاهرات بالسلاح، واعتقل آلاف السوريين المُطالبين بالتغيير الديمقراطي، من جهة ثانية. وفي عام 2014 كان التحول الجديد في حياة الزمار، إذ أُطلق سراحه من قبل النظام السوري من خلال صفقة تبادل أسرى، تمت بينه وبين حركة "أحرار الشام" التي كان أبرز قادتها سجناء في صيدنايا، وحينها طلبت الحركة إطلاق سراحه، مقابل تسليم جنود من النظام السوري كانوا أسرى لديها. والنظام حينها كان يسعى إلى صبغ المعارضة بتهمة الإرهاب، لذلك كان لا ينفك عن إطلاق سراح السجناء الإسلاميين من السجون، ويسهل لهم الطريق إلى مناطق المعارضة السورية. كما أن وجود أبي خالد السوري (محمد بهايا) ضمن قيادات حركة "أحرار الشام" لعب دورا في وجود اسم "الدب السوري" على قوائم الحركة لأي صفقة تبادل مع النظام السوري.

وحركة "أحرار الشام" و"جبهة النصرة" كانتا من الفصائل الأبرز في سوريا من ناحية سياسة قبول الأجانب في صفوفهم، ومع تغيّر استراتيجيات الحركة والجبهة مع الوقت، وتحول توجهاتها نحو الاعتدال أكثر، بات تنظيم "داعش" هو الوجهة الأكبر للمقاتلين المتشددين والأجانب، ومن المرجح أن الزمار توجه نحو "داعش" بعد مقتل أبي خالد السوري في فبراير/شباط 2014 ، وانهيار حركة "أحرار الشام" جزئيا بعد مقتل قادة الصف الأول فيها إثر التفجير الشهير، الذي استهدف اجتماعا لقاداتها في بلدة تل صندل، القريبة من رام حمدان في محافظة إدلب يوم 9 سبتمبر عام 2014.

بقي الزمار في صفوف "داعش"، ولعب دورا في صياغة سياسته العسكرية في شرق سوريا، وتنقل بين المناطق السورية التي سيطر عليها التنظيم دون أن يظهر كثيرا أمام الناس

بقي الزمار في صفوف "داعش"، ولعب دورا في صياغة سياسته العسكرية في شرق سوريا، وتنقل بين المناطق السورية التي سيطر عليها التنظيم دون أن يظهر كثيرا أمام الناس. وزاد تخفيه مع بدء التحالف الدولي ضد "داعش" عملياته العسكرية في العراق وسوريا، ولاحقا ساعدته في المهمة "قوات سوريا الديمقراطية" التي كانت نشأتها بحياكة أميركية كفصيل محلي على الأرض في مواجهة التنظيم. ومع تقدم "قسد" برياً وتمهيد الطريق لها جوياً من قبل التحالف الدولي، الذي نفذ آلاف الغارات ضد مواقع التنظيم، بدأ الأخير يخسر أراضيه وتنهار صفوفه تباعا. وكانت خسارة الرقة، مركز التنظيم الأشهر إداريا عام 2017 بالنسبة للتنظيم محطة رئيسة في تراجع شعبيته وانهيار معنوياته، وبدأ التنظيم يتحرك نحو مناطق دير الزور، وهي سنوات قتل فيها الآلاف من الأجانب والعناصر التابعين للتنظيم. ونتيجة الخسارات المتتالية، بدأت تظهر خلافات داخلية في صفوفه حول آليات وطرائق التحرك العسكري والمدني، وبلغت هذه الخلافات أوجهها عام 2018، عندما بدأ تيار الأجانب يواجه تحديات ومواجهات داخلية في التنظيم من قبل التيار السوري والعراقي. ووصلت المواجهات حدود المعارك العسكرية، في مناطق ريف دير الزور الشمالي، وتطورت إلى عمليات اغتيال صامتة بين عناصر التنظيم إضافة إلى سرقة وتهريب أموال التنظيم من قبل قادته ومسؤوليه الماليين. وشهد عام 2018 حالات كثيرة قام فيها عناصر أجانب من "داعش" بتسليم أنفسهم لـ"قسد"، وذلك نتيجة عدم شعورهم بالأمان في صفوف التنظيم من جهة، ولأن قوات التحالف و"قسد" أطبقوا الخناق عليه في منطقة دير الزور آخر مناطقه العسكرية. وكان الشيوخ التابعون لتنظيم "داعش" حينها يدعون الناس والعناصر في خطب الجمعة إلى "التعاون" و"نبذ الخلافات" و"شحذ الهمم"، وعلى ما يبدو فإنّ "الدب السوري" قرر تسليم نفسه لـ"قسد" مطلع عام 2018 نتيجة العوامل السابقة.

"أكس"
محمد الزمار أثناء حضوره اجتماعا بين مسلحي "داعش" وزعماء قبائل سورية في 2014

المتحدث باسم البنتاغون حينها، إريك باهون، قال في تصريح صحافي يوم 20 أبريل/نيسان عام 2018 إنه: "يمكننا أن نؤكد أن شركاءنا في (قوات سوريا الديمقراطية) ألقوا القبض على محمد حيدر زمار، وهو مواطن ألماني من مواليد سوريا، في إطار عملياتهم المستمرة لدحر(داعش) داخل سوريا". ولاحقا قامت صحيفة "دير شبيغل" الألمانية بإجراء لقاء مع الزمار في العام نفسه، حيث طالب عبر الصحيفة السلطات الألمانية مجددا بنقله إلى ألمانيا، وقال: "لست شخصا سيئا وآمل أن يتحدث معي الألمان المسؤولون عن حالتي". وقد وضع الزمار في سجن الرقة الذي كانت "قسد" تحتجز فيه عناصر وقادة "داعش"، ثم لاحقا تم نقله إلى السجن الأكثر تحصينا في الحسكة "سجن الصناعة" أو ما يطلق عليه أيضا اسم "سجن غويران". وبحسب المعلومات فإن الزمار كان مسجونا مع الشخصيات التي تعد من القادة المهمين في "داعش"، هذه الشخصيات التي كان يمنع اختلاطها مع العناصر العاديين من "داعش"، ولا تخرج إلى الهواء الطلق إلا في حالات خاصة، ولا يسمح بزيارتها أو التعامل معها، وكانت غرف احتجاز هؤلاء مزودة بكاميرات على مدار الساعة، كما أن هذه الكاميرات كانت مزودة بميكروفون يسجل الصوت.

أمضى "الدب السوري" آخر سنواته في سجن جمعه مع قادة وعناصر "داعش" في منطقة تديرها قوّة مدعومة من التحالف الدولي، بينما تلعب الولايات المتحدة دور القائد في عمليات حماية وتحصين السجون في تلك المنطقة، كما تُشرف بشكل مباشر على عمليات التحقيق مع العناصر، ومن المؤكد أن ملف اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر 2011 أُعيد فتحه مرّة أخرى أمام "الدب السوري" في سجون "قسد" وخلال عمليات التحقيق المكثفة التي كانت تتم هناك. ومن غير الواضح ما إذا كانت الولايات المتحدة قد استطاعت الحصول على أي معلومات إضافية حول هذه الاعتداءات وارتباط الزمار بها أم لا.

انتهت رحلة "الدب السوري" في بلده الذي ولد فيه، وحاول دخوله في الثمانينات، ليترك خلفه أثرا كبيرا مليئا بالأسئلة، وتاريخا "جهاديا" عابرا للحدود، وتقلبات في الولاءات والاصطفافات

انتهت رحلة "الدب السوري" في بلده الذي ولد فيه، وحاول دخوله في الثمانينات، ليترك خلفه أثرا كبيرا مليئا بالأسئلة، وتاريخا "جهاديا" عابرا للحدود، وتقلبات في الولاءات والاصطفافات، فهو بدأ بالتشدد الديني، مرورا بـ"القاعدة"، ثم الدعوة في سجون الأسد، وصولا إلى عدوّ "القاعدة"، تنظيم "داعش". ولعبت واشنطن دورا رئيسا في اعتقاله عام 2001 كعنصر في "القاعدة"، ودورا آخر في عام 2018 كعنصر في تنظيم "داعش"، وفي الحالتين كانت رحلة التحقيق معه في سوريا.

font change

مقالات ذات صلة