سعي إسرائيلي لاستمالة اليمين المتطرف في أوروبا

إرث بعض هذه الأحزاب معاد للسامية

أ.ف.ب
أ.ف.ب
لافتات (من اليسار) رئيسة الوزراء الإيطالية، ورئيسة المفوضية الأوروبية، ووزير التعليم والاستحقاق الإيطالي، ووزيرة الجامعات والبحث العلمي الإيطالية، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال تظاهرة ضد إعادة تسليح أوروبا وسياسات التعليم الحكومية، تورينو، أبريل 2025

سعي إسرائيلي لاستمالة اليمين المتطرف في أوروبا

حصل رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، الشهر الماضي، على دفعة قوية لحملته الانتخابية من حلفائه في اليمين المتطرف عبر أوروبا، بعدما تلقى دعما منسقا من رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، والرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش، إلى جانب قيادات حزب التجمع الوطني في فرنسا، وحزب البديل من أجل ألمانيا، وحزب فوكس الإسباني، وحزب الحرية النمساوي. كما انضم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى هذا الدعم، إذ أشاد بأوربان في رسالة مصورة مسبقة التسجيل، مؤكدا أنه يمتلك "الصلابة والشجاعة والحكمة لحماية بلاده وشعبه".

لم يكن أوربان، ولا التيارات اليمينية المتطرفة التي ساندته، ضمن الدوائر التي اعتاد القادة الإسرائيليون التقرب منها في السابق. فحتى في غياب تعبيرات صريحة عن معاداة السامية، تمثل هذه القوى امتدادات لتيارات قومية متشددة ونزعات مناهضة لليبيرالية، وهي اتجاهات طالما تحاشاها قادة إسرائيل، ليس فقط لما تشكله من تهديد محتمل لليهود في تلك البلدان، بل أيضا لتعارضها مع المصالح والقيم الإسرائيلية.

رويترز
رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتصافحان في بودابست، أبريل 2025

مع ذلك، لم يكن هذا التأييد مفاجئا. فقد دعم نتنياهو أوربان منذ فترة طويلة. وفي أبريل/نيسان 2025، وخلال زيارة رسمية لبودابست، أعلنت المجر انسحابها من المحكمة الجنائية الدولية، وهي الجهة التي أصدرت مذكرة توقيف في حق نتنياهو على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب. وجاء هذا الموقف، إلى جانب كونه انعكاسا لعلاقة شخصية، تعبيرا عن ازدراء مشترك لدى الزعيمين تجاه المحكمة وغيرها من المؤسسات الدولية.

أعلنت المجر انسحابها من المحكمة الجنائية الدولية، وهي الجهة التي أصدرت مذكرة توقيف في حق نتنياهو على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب

إلا أن العلاقات بين إسرائيل واليمين المتطرف في أوروبا ليست متقاربة بالدرجة نفسها. فقد وجهت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني انتقادات لإسرائيل مع ارتفاع عدد ضحايا حرب غزة وتحول الرأي العام في إيطاليا ضدها. كما قوبلت محاولات حزب البديل من أجل ألمانيا للتقارب مع إسرائيل بفتور، بسبب المخاوف المرتبطة بمعاداة السامية. أما حزب الحرية النمساوي، فلا يزال خارج حسابات التقارب، في المرحلة الحالية.

لكن الاستثناءات تؤكد القاعدة. ففي فبراير/شباط العام الماضي، وجه وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر الديبلوماسيين إلى فتح قنوات اتصال رسمية مع حزب التجمع الوطني في فرنسا، وحزب فوكس في إسبانيا، وحزب ديمقراطيي السويد قائلا: "لبعض هذه الأحزاب جذور سيئة، لكننا ننظر إلى أفعالها اليوم". وفي الشهر نفسه، حصل حزب الليكود بزعامة نتنياهو على صفة مراقب في تكتل "وطنيون من أجل أوروبا" داخل البرلمان الأوروبي، وهو تكتل يضم حزب فيدس بقيادة أوربان، وحزب التجمع الوطني بزعامة مارين لوبان، وحزب من أجل الحرية بقيادة خيرت فيلدرز في هولندا، وحزب فوكس بقيادة سانتياغو أباسكال.

رويترز
وزير المساواة الاجتماعية وشؤون الشتات الإسرائيلي عميحاي شيكلي يتحدث خلال تجمع نظمه حزب "فوكس" اليميني المتطرف الإسباني، مدريد، مايو 2024

في المقابل، يمضي وزير شؤون الشتات الإسرائيلي عميحاي شيكلي في مسعاه الخاص للتواصل مع اليمين المتطرف، مختبرا بذلك حدود السياسة الخارجية الرسمية، حتى عندما يؤدي هذا المسار إلى احتكاك مع جماعات يهود الشتات التي يفترض أن يكون حلقة الوصل الحكومية معها.

محاولات حزب البديل من أجل ألمانيا للتقارب مع إسرائيل قوبلت بفتور، بسبب المخاوف المرتبطة بمعاداة السامية

قاطع عدد من قادة يهود الشتات مؤتمرا دوليا لمناهضة معاداة السامية دعا إليه عميحاي شيكلي في مارس/آذار الماضي، بعدما ضمت قائمة المتحدثين رموزا من اليمين المتطرف. أما مؤتمر هذا العام، الذي انعقد في أواخر يناير/كانون الثاني، فواجه انتقادات أقل، لكنه استضاف قيادات وشخصيات مؤثرة من اليمين واليمين المتطرف، من دون أن يضم فعليا قادة من جماعات الشتات. وفي أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وجه شيكلي دعوة إلى الناشط البريطاني اليميني المتطرف تومي روبنسون، رغم معارضة شديدة من قادة اليهود البريطانيين. ودافع الوزير عن هذه الدعوة قائلا إن روبنسون "قائد شجاع على خط المواجهة ضد الإسلام الراديكالي" و"صديق حقيقي لإسرائيل وللشعب اليهودي".

تعود هذه الصداقة المتنامية، في جانب كبير منها، إلى التقارب الأيديولوجي بين اليمين المتطرف العالمي والحكومة الإسرائيلية الحالية. يضم ائتلاف نتنياهو حزبي الصهيونية الدينية والعظمة اليهودية من اليمين المتطرف، غير أن مساعي الانفتاح تنطلق أيضا من داخل حزب الليكود نفسه الذي يقوده رئيس الوزراء. ويفرض نتنياهو سيطرة مشددة على أكثر ملفات السياسة الخارجية الإسرائيلية حساسية، بينما تُترك الملفات الأخرى لوزراء من الليكود، مثل ساعر وشيكلي.

كان الليكود دائما حزبا يمينيا محافظا، لكنه تميز ببراغماتية ركزت أساسا على الأمن القومي واتباع نهج متشدد تجاه الفلسطينيين. وعلى المستوى الاجتماعي ظل أقرب إلى الوسط، فيما مال اقتصاديا إلى السوق الحرة، بما جعله متقاربا مع اليمين الأوروبي التقليدي. غير أن الحزب بدأ يميل أكثر نحو اليمين في عهد نتنياهو، ومنذ عودته إلى السلطة عام 2022 أصبح من الصعب في كثير من الأحيان التمييز بينه وبين حزبي الصهيونية الدينية والعظمة اليهودية. ويقود اليوم، على نهج أوربان، حملة لإضعاف المحاكم وتسييسها، وكذلك الخدمة المدنية والإعلام والجامعات والمؤسسة الأمنية، إلى جانب ملاحقة المنظمات غير الحكومية الأجنبية والسعي إلى طردها.

رويترز
زعيم حزب "شيغا" اليميني المتطرف في البرتغال، والزعيم اليميني المتطرف الهولندي، وزعيم حزب "فوكس" الإسباني، وزعيمة اليمين المتطرف الفرنسي، ورئيس الوزراء المجري، ونائب رئيسة الوزراء الإيطالية، وزعيمة حزب "صوت العقل" اليوناني خلال تجمع في مدريد، فبراير 2025

لكن القرابة الأيديولوجية ليست العامل الوحيد المؤثر، إذ تلعب الواقعية السياسية دورا كبيرا أيضا. فكثير من أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا تحمل ماضيا ملتبسا في ما يتعلق باليهود، ولا تزال حتى اليوم تجد صعوبة في ضبط مظاهر معاداة السامية لدى بعض أعضائها. ومع ذلك، فالقضية الأساس بالنسبة لها ليست اليهود، بل الهجرة وتزايد أعداد المسلمين في أوروبا. وهنا يلتقي مسارها مع إسرائيل. إذ يعزو كثير من القادة الإسرائيليين، عن صواب أو عن خطأ، تراجع التأييد لإسرائيل في أوروبا، ولا سيما منذ اندلاع الحرب مع "حماس"، إلى تنامي الوجود الإسلامي في القارة.

قاطع عدد من قادة يهود الشتات مؤتمرا دوليا لمناهضة معاداة السامية في مارس الماضي، بعدما ضمت قائمة المتحدثين رموزا من اليمين المتطرف

وفي مؤتمر عقد في سبتمبر/أيلول الماضي قال نتنياهو: "لن أقول إن الهجرة غير المنضبطة قد غزت أوروبا، لكن إلى حد كبير، على المستوى السياسي، هذا ما يحدث". وقد أسهم اليسار الأوروبي في هذا المسار، فيما دفع الناخبون المسلمون سياسيين من التيار الرئيس، كانوا في السابق متعاطفين مع إسرائيل، إلى تغيير مواقفهم. ويعول نتنياهو وآخرون في إسرائيل على أن اليمين المتطرف، إذا وصل إلى السلطة، لن يكتفي بوقف موجة الهجرة الإسلامية، بل سيقود أيضا حربا ثقافية ضد المؤسسات "اليسارية" المعادية لإسرائيل.

في المقابل، يبدي كثير من اليمينيين تعاطفا مع إسرائيل لأنهم يرون فيها نموذجا يحتذى لبلدانهم: ديمقراطية غربية غير ليبيرالية، لا تتحرج من قوميتها، ولا ترضخ لما تعتبره إملاءات من المسلمين والعرب، ولا من المؤسسات المتعددة الجنسيات أو النخب اليسارية، وهي كلها أيضا مصادر سخط لدى اليمين المتطرف.

هذه الأجندة المشتركة حيال مسلمي أوروبا، تضع جماعات اليهود في القارة أمام معادلة شائكة. فمن جهة، يساورهم القلق من تنامي نفوذ اليمين المتطرف. وحتى في غياب مواقف صريحة معادية للسامية، فإن القومية المفرطة التي تروج لها هذه الأحزاب تهدد المجتمعات الليبيرالية المتسامحة التي ازدهرت فيها جماعات الشتات اليهودي، مما يجعل تقارب إسرائيل مع اليمين المتطرف أمرا غير مرغوب فيه. ومن جهة أخرى، يخشى يهود أوروبا صعود الأقلية المسلمة، ولا سيما مع تصاعد المشاعر المناهضة لإسرائيل منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والتي تجاوزت في كثير من الأحيان حدود التعبير السياسي لتصل إلى الاعتداء على اليهود ومظاهر معاداة السامية.

رويترز
أطفال من اليهود الأرثوذكس يحتجون خارج البرلمان ضد مشروع قانون "رفاه الأطفال والمدارس 2025"، الذي تعتبره جماعتهم تهديدا لحريتهم الدينية ونظامهم التعليمي التقليدي، في لندن، مارس 2025

وفي بريطانيا، أظهر استطلاع أجراه معهد أبحاث السياسات اليهودية في يونيو/حزيران الماضي أن 11 في المئة من اليهود أيدوا حزب إصلاح المملكة المتحدة اليميني الشعبوي، بعد أن كانت نسبتهم 3 في المئة فقط في انتخابات 2024. ويتبنى حزب "إصلاح المملكة المتحدة" موقفا داعما بقوة لإسرائيل، غير أن المرجح أن تشدده في ملف الهجرة هو العامل الأبرز في جذب الناخبين اليهود.

يمينيون يتعاطفون مع إسرائيل لأنهم يرون فيها نموذجا: ديمقراطية غربية غير ليبيرالية، لا تتحرج من قوميتها، ولا ترضخ لما تعتبره إملاءات من المسلمين والعرب

وخلف هذا التوجه الإسرائيلي نحو اليمين المتطرف، حسابات واقعية إضافية. فبينما يُرجح أن يخسر فيكتور أوربان انتخابات المجر في أبريل/نيسان، تواصل أحزاب اليمين المتطرف تصدر استطلاعات الرأي في دول أوروبية عدة، بينها البديل من أجل ألمانيا، وإصلاح المملكة المتحدة، والتجمع الوطني. ومهما بلغ حجم الشك لدى القادة الإسرائيليين في ادعاءات هذه الأحزاب التخلي عن معاداة السامية، فإنهم يرون أن من الحكمة بناء علاقات معها منذ الآن. وفي ظل تراجع التأييد للأحزاب التقليدية في أنحاء أوروبا، وتحول المشهد السياسي تدريجيا نحو قوى تتموضع على طرفي الطيف، لا يبدو التقارب مع يسار متشدد معاد لإسرائيل خيارا مطروحا. لذلك تضع إسرائيل "بيضها في السلة الوحيدة التي تقبل بها".

رويترز
أعلام الاتحاد الأوروبي ترفرف منكسة حدادا على رئيس البرلمان الأوروبي ديفيد ساسولي أمام مبنى المفوضية الأوروبية في بروكسل، يناير 2022

وحققت مغازلة اليمين بالفعل بعض المكاسب. فمن منظور إسرائيل، لا يتمتع الاتحاد الأوروبي بثقل ديبلوماسي أو عسكري كبير، على الأقل مقارنة بالولايات المتحدة. لكنه يظل أكبر شريك تجاري لإسرائيل ومصدرا رئيسا لتمويل الأبحاث والشراكات العلمية، مما يجعل تجاهله كليا أمرا غير ممكن. ومع ذلك، وعلى الرغم من تصاعد الانتقادات الأوروبية لسلوكها العسكري في حرب غزة، والخطوات التي اتخذتها دول منفردة، نجحت إسرائيل خلال العامين الماضيين في تفادي فرض عقوبات على مستوى الاتحاد. ويعود ذلك إلى تحالف حكومات يمينية متطرفة متعاطفة مع إسرائيل مع حلفائها التقليديين داخل الاتحاد، مثل ألمانيا والنمسا، مما مكنها من تعطيل إجراءات ضدها، أبرزها مقترح تعليق اتفاقية التجارة الحرة الثنائية وفرض عقوبات على وزراء إسرائيليين من أقصى اليمين.

لا يتمتع الاتحاد الأوروبي بثقل ديبلوماسي أو عسكري كبير، على الأقل مقارنة بالولايات المتحدة. لكنه يظل أكبر شريك تجاري لإسرائيل ومصدرا رئيسا لتمويل الأبحاث والشراكات العلمية

فهل سينجح رهان إسرائيل على اليمين المتطرف في جعل أوروبا أكثر ودا معها؟ على الأرجح لا. ويتضح ذلك في الولايات المتحدة، حيث أصبح الجناح اليميني المتطرف داخل حركة "ماغا" أكثر انتقادا لإسرائيل. فقد تبنت أصوات مؤثرة مثل تاكر كارلسون وستيف بانون وكانديس أوينز مواقف معادية لها بدرجات متفاوتة، فيما تجنب نائب الرئيس جيه. دي. فانس، الوريث المحتمل داخل "ماغا،" الدخول في هذا الجدل. كما أظهر استطلاع حديث لمعهد مانهاتن أن التعاطف مع إسرائيل كان أعلى بين الجمهوريين الأكبر سنا والمخضرمين، وأضعف بكثير لدى الأصغر في العمر والمنضمين الجدد إلى الحزب.

والكثير من أبناء هذه الفئة هم ديمقراطيون سابقون احتفظوا ببعض قيمهم التقدمية رغم انتقالهم إلى معسكر سياسي مختلف. هكذا تجد إسرائيل نفسها بين فكي كماشة: شعار "أميركا أولا" الذي يرفعه أنصار حركة "ماغا"، والذين يتوجسون من أي التزامات خارجية، ومن جهة أخرى، صعود نمط جديد من المحافظين يتقاطع مع اليسار في رفضه لسلوك إسرائيل خلال الحرب. وأظهر الاستطلاع أن بعض هؤلاء تحركهم أيضا دوافع تنطوي على معاداة للسامية.

رويترز
زعيم حزب "شيغا" اليميني المتطرف في البرتغال، والزعيم اليميني المتطرف الهولندي، وزعيم حزب "فوكس" الإسباني، وزعيمة اليمين المتطرف الفرنسي، ورئيس الوزراء المجري، ونائب رئيسة الوزراء الإيطالية، وزعيمة حزب "صوت العقل" اليوناني خلال تجمع في مدريد، فبراير 2025

لكل بلد يمينه المتطرف، بتاريخه وخصائصه الخاصة، غير أن هذه التيارات تشترك في سمات جوهرية: قومية صارمة، وانعدام ثقة بالأقليات، ونفور من المؤسسات فوق القومية ومن الالتزامات المبدئية تجاه الحلفاء. وإذا بلغ اليمين الأوروبي سدة الحكم وتعزز شعوره بأن التاريخ يقف إلى جانبه، فقد ينتهج مسارا شبيها بيمين "ماغا" في الولايات المتحدة، متخليا عن مظهره الداعم لإسرائيل، ومظهرا وجهه الحقيقي المعادي للسامية.

font change

مقالات ذات صلة