"هناك أماكن لا تعرض للبيع أبدا". بهذه العبارة واجه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المكتب البيضاوي، في مايو/أيار 2025، في مشهد لم يخل من دلالة رمزية واضحة.
لم تصدر الكلمات في "دافوس"، ولم تكن موجهة إلى رئيسة الوزراء الدنماركية بشأن غرينلاند، بل قيلت في واشنطن، في لحظة حاول فيها كارني تهدئة طموحات ترمب الإقليمية تجاه كندا، وهي طموحات عادت لتؤثر في العلاقة بين البلدين منذ عودة الرئيس إلى البيت الأبيض لولاية ثانية. جاء رد ترمب مقتضبا وحاملا إشارة لا تخطئها العين: "لا تقل أبدا".
خلف التراشق اللفظي حول بيع الأراضي، انطوت مفارقة تاريخية مرت من دون تعليق. فترمب وكارني يقفان على رأس دولتين تشكلت حدودهما الحديثة إلى حد كبير من أراض انتقلت إليهما من غيرهما، سواء عبر صفقات شراء أو عبر الحسم بالقوة.
في الحالة الكندية، تجسد الأمر في صفقة واحدة عملاقة. ففي عام 1870 باعت شركة خليج هدسون، التي تأسست عام 1670 كتجارة للفراء وانهارت في 2025، للحكومة الكندية إقليما يعرف بأرض روبرت، يمتد على مساحة 3.8 مليون كيلومتر مربع. تعد هذه الصفقة أكبر عملية شراء أراض في تاريخ أميركا الشمالية. كانت تمثل ثلث مساحة كندا الحالية، وبلغت قيمتها ما يعادل نحو 35 مليون دولار كندي بأسعار اليوم. غير أن آراء السكان الأصليين الذين عاشوا على تلك الأرض لم تحسب في المعادلة، ما أدى إلى انتفاضتين في 1870 و1885 احتجاجا على ترتيبات الحكم الجديد.
وعندما أبرمت كندا صفقتها الكبرى، كان النموذج الأميركي للتوسع الإقليمي قد استقر بالفعل. فالولايات الثلاث عشرة الأصلية لا تمثل سوى نحو 12 في المئة من مساحة الولايات المتحدة الحالية. ما تلى ذلك كان مسارا متدرجا من الضم والحروب والشراء. شمل الضم مناطق عدة من بينها هاواي وتكساس. أما التوسع عبر الحرب فجاء من خلال الحرب المكسيكية-الأميركية بين 1846 و1848، التي انتهت بحصول واشنطن على نحو 1.3 مليون كيلومتر مربع، وهي أراض تشكل اليوم ولايات عدة من بينها كاليفورنيا ونيفادا ويوتا. ثم جاءت الحرب الأميركية-الإسبانية عام 1898 لتدفع الولايات المتحدة إلى موقع قوة إمبراطورية عابرة للبحار، مع امتدادات في المحيط الهادئ والبحر الكاريبي ما زالت تحت سيطرتها حتى اليوم.
وفي موازاة الغزو والضم، ظل شراء الأراضي أداة راسخة في بناء الدولة الأميركية. هذا الإرث التاريخي يتصل مباشرة بنهج دونالد ترمب في التفكير بالاستحواذ، ويضع حديثه عن غرينلاند في سياق تقليد سياسي قديم، حيث كانت الخرائط تتبدل بالمعاهدات كما تتبدل بالحروب، وتغدو الأرض في أحيان كثيرة موضوع تفاوض بين الدول قبل أن تكون موطنا لشعوبها.


