يواجه مؤسس "أمازون" جيف بيزوس، بوصفه أحد أكثر رواد الأعمال ديناميكية ونجاحا في العالم، اختبارا صعبا في ضوء ملكيته لصحيفة "واشنطن بوست". فعلى امتداد عقود، رسخت الصحيفة ذات التوجه الليبرالي موقعها في طليعة المؤسسات الإعلامية الأميركية المرموقة، سواء بجودة تغطياتها وتحليلاتها للأحداث العالمية، أو بجرأتها في مقاربة الشأن السياسي الأميركي من دون قيود.
ولعل ذروة هذا النهج في الصحافة الاستقصائية كانت في سبعينات القرن الماضي، عندما كشف تحقيق أجرته الجريدة فضيحة "ووترغيت" ما دفع الرئيس الجمهوري ريتشارد نيكسون في نهاية المطاف إلى الاستقالة في عام 1974، بعد انكشاف تورط إدارته في التنصت على خصومه الديمقراطيين.
ومع ذلك، وعلى الرغم من حصد صحافييها عشرات جوائز "بوليتزر" عن تغطياتهم لمحطات مفصلية على امتداد عقود، وجدت الصحيفة نفسها منذ مطلع هذا القرن في مواجهة ضباب مالي، وهي تكافح للتكيف مع تحديات العصر الرقمي.
في هذا السياق، قرر بيزوس عام 2013، وقد بات من أثرى رواد الأعمال في العالم بفضل إمبراطوريته العالمية "أمازون"، شراء الصحيفة من عائلة غراهام، السلالة الإعلامية العريقة في واشنطن التي امتلكتها لعقود. وقد اعتبر كثيرون خطوة بيزوس طوق نجاة لمؤسسة عريقة، مع توقع أن يوظف رجل الأعمال الثري حنكته الاستثنائية ليمنح الصحيفة فرصة ازدهار جديدة في العصر الرقمي.
كان بيزوس قد أثبت قدرته اللافتة على تحويل شبكة الإنترنت إلى مورد ربحي منذ أطلق مشروعه الطموح لتأسيس "أمازون" عام 1994، حين قرر، وهو خريج جامعة "برينستون" في الثلاثين من عمره ويتمتع بمسيرة ناجحة في أحد مصارف الاستثمار في "وول ستريت"، أن يؤسس شركته الخاصة.
وبعد أن أدرك الإمكانات التجارية للبيع عبر الإنترنت، انتقل مع عائلته إلى سياتل، وجمع مليون دولار من الأهل والأصدقاء، وبدأ يبيع الكتب من مرآب منزله. وخلال أربعة أعوام فقط من إطلاق "Amazon.com" تحولت المكتبة الافتراضية إلى نموذج يحتذى في إدارة أعمال التجارة الإلكترونية، محققة مبيعات تجاوزت 610 ملايين دولار، ومستقطبة أكثر من 13 مليون عميل حول العالم.
وقد أتاح النجاح المبكر لدخول بيزوس عالم التجارة الإلكترونية أن يحول "أمازون" اليوم إلى أكبر شركة للتجارة الإلكترونية في العالم، وأن يوسع نشاطها إلى المجال الإعلامي عبر خدمات البث مثل "أمازون برايم"، غير أن المهارة الريادية التي أرست "أمازون" قوة مهيمنة في سوق التجزئة الإلكترونية، في ظل تقديرات تشير إلى سيطرتها على نحو 40 في المئة من إجمالي المبيعات عبر الإنترنت، لم تمنع بروز الإشكالات التي صاحبت قرار بيزوس الاستحواذ على "واشنطن بوست".
