رحيل ثريا قابل... سابقة عصرها التي أقامت جسرا بين الشعر والغناءhttps://www.majalla.com/node/329534/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D9%88%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9/%D8%B1%D8%AD%D9%8A%D9%84-%D8%AB%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D9%82%D8%A7%D8%A8%D9%84-%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9-%D8%B9%D8%B5%D8%B1%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8A-%D8%A3%D9%82%D8%A7%D9%85%D8%AA-%D8%AC%D8%B3%D8%B1%D8%A7-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D8%B1-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D8%A7%D8%A1
خيّم الصمت على ركن مضيء من الذاكرة الثقافية السعودية والعربية، برحيل الشاعرة ثريا قابل، في 4 فبراير/شباط 2026، التي تعد من أنقى الأصوات الشعرية والإعلامية النسائية التي عرفها المشهد السعودي، ليعم بموتها فقد لاسم ظل طويلا يكتب بحس إنساني عميق، مانحا الكلمة معنى يتجاوز حدود القصيدة.
وُلدت ثريا قابل في مدينة جدة عام 1940، في زمن مثلت فيه جدران ورواشن وأبواب الحارات القديمة ذاكرة حية تربي الحس، وتعلم فن الإصغاء لتفاصيل البشر. هناك، بين الأزقة المفتوحة على البحر، المحاطة بسور جدة القديم، بين "القشلة" و"شارع قابل" و"باب شريف"، تشكلت ملامحها الأولى، ونما وعيها الإنساني والشعري مع إيقاع المدينة. لتغدو جدة بأكملها لاحقا مصدر إلهامها ووجدانها، كروح حاضرة في النص، وملمح دائما في اللغة، وحنين يتسرب بهدوء بين جرس كلماتها، وإيقاع عباراتها، وقوافي قصائدها وأغانيها.
الشعر ليس ترفا
أدركت ثريا قابل منذ وقت مبكر أن الشعر ليس زينة لغوية ولا ترفا عابرا، بل موقف وجودي من العالم، وطريقة لفهم الذات والآخر، لذلك جاءت تجربتها مختلفة في نبرتها، وحساسة في تعبيرها، ومشحونة بعاطفة صادقة لا تعرف التصنع.
وحين أصدرت في سن مبكرة من عمرها "الأوزان الباكية" عام 1963، لم تكن يومها تنشر ديوانا شعريا عاديا، بل كانت تعلن ميلاد صوت نسائي جديد في المشهد الثقافي السعودي، وتسجل اسمها كأول شاعرة سعودية تصدر ديوانا باسمها الصريح كأنها تؤسس لشعر نسائي لم تتوقع أن تكون في ما بعد هي رائدته.
وصلت كلماتها مباشرة إلى القلوب، بلا ادعاء بلاغي ولا تكلف لغوي، معتمدة تارة على الفصحى، وأخرى على لهجتها الحجازية
كان ديوانها ذاك بيان حضور لا لبس فيه، يكتب الحب والحزن والأسئلة الكبرى بلغة شفافة قادرة على النفاذ إلى القلب، ومؤهلة لأن ترسخ طويلا في الذاكرة، زادها رسوخا لقبها العتيق "خنساء العصر الحديث" الذي أطلقه عليها الأديب السعودي الراحل محمد حسن عواد كاعتراف منه بموهبتها وقدرتها على صهر التجربة الإنسانية، وتذويبها في لغة شعرية متماهية مع زمنها.
غلاف ديوان "الأوزان الباكية"
كلمات ثريا قابل التي صدحت في الشعر والأغنية السعودية، انتشرت سريعا في الشارع السعودي والخليجي كمفردات تلمس الروح، وتنمو مع الأجيال. وحين انتقلت بقصائدها إلى عالم الغناء، لم تفقد بريقها الشعري، بل اكتسبت حياة ثانية، أصبح الصوت فيها امتدادا للمعنى، واللحن مرآة لمشاعرها، وتعابيرها. وعلى هذا النحو ظلت تكتب من منطقة صادقة في الداخل، ومن قلب التجربة لا من أطرافها، لهذا وصلت كلماتها مباشرة إلى القلوب، بلا ادعاء بلاغي ولا تكلف لغوي، معتمدة تارة على الفصحى، وأخرى على لهجتها الحجازية الأكثر انتشارا وتعبيرا.
محطات مع الأغنية
من أشهر قصائدها الغنائية "من بعد مزح ولعب" لفوزي محسون، و"مين فتن بيني وبينك" لطلال مداح و"لا وربي" لمحمد عبده، و"راعي الود" لكاظم الساهر، و"جاني الأسمر جاني" لعتاب، وغيرها من الأغاني التي شكلت محطات بارزة في تاريخ الأغنية السعودية التي أسهمت هي في تطويرها عبر ربط الشعر الغنائي واللحن بأسلوب فني حديث، مما أكسبه هوية تعكس ثقافته.
الشاعرة ثريا قابل
إلى جانب الشعر، خاضت ثريا قابل تجربة الصحافة والإعلام حيث كتبت في صحف سعودية بارزة. كما أسست في ثمانينات القرن الماضي مجلة "زينة" 1986 ثم رأست تحريرها لتصبح المجلة في فترة وجيزة منبرا لقضايا المرأة والمجتمع، يمنح الصوت لمن لا صوت لهن، في وقت كانت فيه مثل هذه المساحات نادرة ومحفوفة بالتحديات.
ارتبط اسمها بمرحلة التأسيس الثقافي في السعودية، وخصوصا النسائي منه، إذ كانت المرأة حاضرة في نصوصها كرمز للبقاء
جسدت مجلتها "زينة" امتدادا طبيعيا لشخصيتها المشغولة بالإنسان قبل كل شيء آخر، مع التزام عميق بالمعايير الفكرية والفنية، وهذا ما جعل اسمها مرتبطا بمرحلة التأسيس الثقافي في السعودية، وخصةصا النسائي منه، إذ كانت المرأة حاضرة في نصوصها كرمز للبقاء والوجود.
جدة: المدينة التاريخية التي تعرض العمارة والثقافة العربية القديمة
مرآة المجتمع
برزت ثريا قابل في مشهدها كشاعرة ومثقفة صامدة في فترة واجهت فيها النساء تحديات كبيرة في الظهور، والتعبير عن آرائهن ومشاعرهن، لكنها استطاعت أن تتجاوز هذه القيود بصوتها الفريد وأسلوبها الشعري الراقي، واستمرت بإيمان هادئ وثبات داخلي متصاعد، دون ضجيج أو تصنّع، فأوجدت حضورا لافتا لا يعتمد على اللحظة العابرة، بل على العمق والصدق الشعوري. وطوال مسيرتها حرصت على أن تعكس قصائدها قضايا الإنسان العادي، ومشاعر الحب والحنين والفقد، لتكون جسرا بين التجربة الشخصية والوجدان الجمعي. وبهذه الطريقة، أصبح شعرها مرآة للمجتمع السعودي في تلك الحقبة، وما بعدها، عاكسا للتغيرات والتحولات المفصلية في السعودية. وبذلك خلقت لنفسها مكانة بين جيل من الأدباء والشعراء الذين ساهموا في تشكيل ملامح الأدب السعودي الحديث.
عاشت ممسكة بصوتها رغم التحديات، متيقنة بقدرة الكلمة على التغيير والإقناع، مؤكدة أن الشعر ليس مجرد نص مكتوب، بل تجربة حياة كاملة تعكس مشاعر الإنسان ومجتمعه. وستبقى رمزا للمرأة السعودية، وجسرا بين الشعر والغناء، والذكرى والوجدان، وصوتا يتغلغل في الذاكرة، كما يتغلغل صوت مدينة جدة في تفاصيل التاريخ والثقافة في صورة شعرية حية لموجة لا تموت.
عاشت ممسكة بصوتها رغم التحديات، متيقنة بقدرة الكلمة على التغيير والإقناع، مؤكدة أن الشعر ليس مجرد نص مكتوب، بل تجربة حياة كاملة
برحيلها تتوقف سنوات عمرها، لتخلد قيمتها كشاعرة شاركت بحياتها في تكوين تاريخ أدب سعودي عاصرت أعظم منجزاته، مستعينة بإيمان الكلمة، وجرأة الحلم، ومواجهتها المتصالحة مع ذاتها والمجتمع.
غلاف ديوان "تلك ظلالي"
في قصيدتها "النظرات الثكلى" تقول كمن ينعى عمره:
"يا لَعمري ليتهُ ما كان عمرٌ