الكتابة محوا ونسيانا... هل يحررنا الأدب من مآسينا؟

يذكّر ليُنسي ويُنسي ليذكّر

AFP-Al Majalla
AFP-Al Majalla

الكتابة محوا ونسيانا... هل يحررنا الأدب من مآسينا؟

يظهر الأدب في الوعي الثقافي العام بوصفه حاملا للتجربة الإنسانية، وسيلة تمنح الحياة إمكان البقاء بعد انقضائها، وصيغة تحفظ ما يهدده الزوال. هذا التصور يجد جذوره في علاقة الإنسان القديمة بالحكي، حيث ارتبط السرد منذ البدايات الأولى بمحاولة مقاومة الفناء، سواء عبر الأسطورة أو الملحمة أو السيرة. الكتابة، ضمن هذا الأفق، تستقبل بوصفها امتدادا للذاكرة، ووعاء قادرا على احتضان التجربة الفردية والجماعية، ونقلها عبر الزمن. هذا التصور لا ينبني على فكرة تقنية عن الذاكرة، وإنما على إحساس وجودي يرى في الأدب نوعا من التعويض عن هشاشة العيش وقابليته للاندثار.

غير أن هذا الوعي، على بداهته الظاهرة، يخفي تحولا عميقا في طبيعة ما يحفظ. فالأدب لا يحمل التجربة كما حدثت، ولا يحتفظ بها في حالتها الخام، وإنما يعيد تشكيلها وفق منطوق اللغة ومنطق الخيال. فالذاكرة التي يعمل بها الأدب لا تشبه الذاكرة البيولوجية، ولا الذاكرة العصبية، وإنما تنتمي إلى حقل رمزي، تتحول من خلاله الوقائع إلى دلالات، والأحداث إلى صور، والألم إلى بنية قابلة للقول. من هنا يبرز الأدب كفضاء تعبير، لا كمخزن محايد.

الحكي والمشترك الجمعي

بالتالي، تتخذ الذاكرة، في هذا السياق، شكل الحكي، لا شكل الخزان. هذا الأخير الذي يفترض التراكم، بينما الحكي يفترض الاختيار والترتيب والحذف، أي إنه يحتم رفع الصوت، وجعل المحكي يهيم في الهواء، فالذاكرة هي حالة فردية صامتة أما الحكي فحالة المشترك الجمعي الهدار. إذ كأن الحكاية تنطوي على قرار ضمني في شأن ما يقال وما يترك خارج النص، لهذا هي ابنة الشفهي، بينما ذاكرة الأدب هي سليلة المدون، الذي يقاوم الريح.

هذا التحول يجعل الذاكرة الأدبية ذاكرة فاعلة، لا ذاكرة تسجيل. فالذاكرة السردية ترتبط بالهوية، كما يخبرنا بول ريكور لأنها تمنح الذات إمكان فهم ذاتها عبر الزمن، من خلال ربط الأحداث ضمن مسار ذي معنى، يتعلق أساسا بالجماعة، التي تعمل على الحفاظ على المحكي/المسرود بالتواتر، والكتابة أيضا. غير أن الذاكرة، في علاقتها بالأدبي، لا تعمل بوصفها استعادة ميكانيكية، وإنما بوصفها بناء تأويليا. فالأدب لا يحاكي وإنما يؤول، وكل مسعى للمحاكاة يبوء بالفشل، إذ أن للذاكرة دائما ثغرات، كما أن النص الأدبي، وهو يعمل على نقل الواقعي، يحول إلى منطوق اللغة التي لا تنفصل في عملية السرد عن منطق الخيال، مما يجعل كل عملية تبتغي محاكاة الواقع مستحيلة التحقق، فالكتابة خيانة للواقع، ونسيان له. إذ "ما يمضي له مسكنه في النسيان" (برنار نويل).

ما يستعاد عبر طعم الكعكة أو رائحة المكان لا يعود إلى ذاته الأولى، وإنما يولد من جديد داخل اللغة، بعد أن يفقد حدته الزمنية الأصلية

وفق هذا البعد النسياني، إن صح التعبير، تشكل كتابة مارسيل بروست أحد أكثر النماذج كثافة في التفكير في الذاكرة بوصفها بناء لغويا، لا خزانا للأحداث. فالذاكرة اللاإرادية عند بروست لا تستعيد الماضي كما كان، وإنما تعيد إنتاجه في صورة لغوية متحولة، حيث يتحول الإحساس العابر إلى بنية سردية طويلة الأمد. ما يستعاد عبر طعم الكعكة أو رائحة المكان لا يعود إلى ذاته الأولى، وإنما يولد من جديد داخل اللغة، بعد أن يفقد حدته الزمنية الأصلية. هذا التحول يجعل الكتابة فعلا مزدوجا: استحضارا ونسيانا في آن واحد. الماضي لا يعود إلا بعد أن يمحى كواقعة زمنية ويعاد تشكيله كأثر دلالي. هذه التجربة تعزز أطروحتك حول الذاكرة الأدبية بوصفها تأويلا لا استعادة، وتبرز كيف أن ما يبقى في النص هو ما سمحت به اللغة، لا ما حدث في ذاته.

Wikimedia Commons
مارسيل بروست

من شاهد إلى شريك

في هذا الإطار، يتغير موقع الأدب من كونه شاهدا على التجربة إلى كونه شريكا في إعادة إنتاجها: تأويلها. إذ تظل التجربة، قبل أن تكتب، حبيسة اللحظة والجسد والانفعال المباشر. حين تدخل مجال الكتابة، تخضع لتحويل يجعلها قابلة للتداول. هذا التحويل يخلق مسافة أولى بين العيش والكتابة، مسافة لا تعني القطيعة، وإنما تعني الانتقال من مستوى الحدوث إلى مستوى التمثيل. هذه المسافة تشكل شرطا لكل فعل أدبي، لأنها تتيح للذات أن تنظر إلى ما عاشته من خارج كثافته الأولى.

تتشكل هذه المسافة -البلانشوية- عبر اللغة، التي لا تكتفي بتسمية ما حدث، وإنما تعيد تنظيمه ضمن شبكة من العلاقات النحوية والصرفية والخيالية والثقافية، فالمحكي بلسان ما ليس هو نفسه بلسان آخر. وحتى الكلمات تفرض إيقاعها، والجمل تفرض تسلسلها، والسرد يفرض منطقه الزمني. ما كان متداخلا في التجربة المعيشة يصير مفصولا في النص، وما كان متزامنا يتحول إلى تعاقب. هذا التحول يمنح التجربة شكلا، ويمنح الذاكرة بنية.

فالفهم، حسب رؤية الألماني هانز جورج غادامير، يرتبط دائما بالصوغ (الأسلوب، طرق الكتابة، الثقافة التي تكتب...)، وأما ما لا يدخل أفق اللغة فيظل عصيا على التملك المعرفي. من هنا تبرز الكتابة كشرط للفهم والتأويل، لا كمرآة تعكس الواقع.

غير أن هذه المسافة الأولى تحمل في داخلها توترا خفيا. فكلما ابتعدت التجربة عن لحظتها الأصلية، فقدت شيئا من حدتها المباشرة، ليدخل الخيال مساحة التأليف، ويحتم التغيير والإضافة والمحو والحذف والتحريف. إذ أن ما يكتب يهدأ، ويعاد ترتيبه، ويمنح دلالة، أو المعنى في أقصى حد "إيتيقي"، فغاية الأدب أن يصير قابلا للفهم والتأويل، والفهم هنا ليس بمنزلة الشرح، وإنما الانعتاق جزئيا من مساحة الغموض التي ينبني عليها النص منذ الملاحم الأولى، التي حاولت تأويل العالم.

بالتالي، فهذا المعنى لا يطابق بالضرورة ما كان عليه الشعور في لحظة العيش، فلحظة الكتابة دائما تأتي بعد التجربة لا خلالها أو قبلها. هنا يبدأ سؤال الفقد في التشكل، لا بوصفه نقصا عرضيا، وإنما بوصفه نتيجة بنيوية لفعل الكتابة. والأدب يحمل التجربة، غير أنه يحملها بعد أن تكون غادرت شكلها الأول.

لا يظهر هذا الفقد بوصفه مشكلة أخلاقية في الوعي الشائع، لأن التركيز ينصب على ما يبقى، لا على ما يغادر. غير أن التحليل المفهومي يكشف أن ما يبقى هو ما سمحت اللغة ببقائه. كل كتابة تنطوي على عملية انتقاء، وكل انتقاء يترك أثرا لما لم ينتخب. يربط جاك دريدا هذا الأثر بفكرة الغياب الحاضر، حيث يعمل ما غاب داخل النص بقدر ما يعمل ما حضر. الذاكرة الأدبية، في هذا المعنى، ذاكرة مشوبة بالغياب، ومبنية على ما تم قوله بقدر ما تم تجاوزه. والمعنى دائما مرجأ إلى ما بعد، إلى ذلك الحين الذي ينفلت منا كلما اقتربنا منه، إذ إنه إقامة في ما سيأتي، وما سيأتي ليس ابن اللحظة أو الحاضر، وإن حدث وبلغنا حاضره، فهو منفلت إلى "ما سيأتي" آخر.

غاية الأدب أن يصير قابلا للفهم والتأويل، والفهم هنا ليس بمنزلة الشرح، وإنما الانعتاق جزئيا من مساحة الغموض التي ينبني عليها النص

تتأسس تمثلات الأدب والذاكرة، إذن، على مفارقة أولى: يظهر الأدب كحافظ للتجربة، غير أنه في العمق يعيد صوغها ضمن منطق مختلف. فتتحول الذاكرة من تجربة معيشة إلى بناء لغوي، ومن أثر جسدي إلى أثر دلالي. هذه المفارقة تشكل المدخل الضروري لفهم الكتابة، لأنها تكشف منذ البداية أن الأدب لا يشتغل خارج التحويل، وأن المسافة بين العيش والكتابة ليست عارضا، وإنما شرط مؤسس لكل ممارسة أدبية.

الكتابة كتحويل ومحو

تنشئ الكتابة إذن، ممارسة مسافة بين التجربة المعيشة وصيغتها اللغوية. تلك المسافة لا تظل حيزا محايدا، وإنما تتحول إلى مجال اشتغال عميق يعاد فيه توزيع التجربة، ويتغير فيه موقع الذاكرة من كونها أثرا حيا إلى كونها بنية رمزية. الكتابة هنا تظهر كفعل تحويل، يغير طبيعة ما يكتب عنه، ويعيد تنظيم علاقته بالألم والغياب والزمن. والكتابة المرتبطة أساسا بفعل الحكي، تنصرف تلقائيا عن المجال التواصلي، إذ لا تتحقق إلا بكونها مرموزة، تبعا لتصور نيلسون غودمان، لأنها تنطوي أساسا على لعبة ظاهرة أو خفية تعمل على تتبع الأثر والكشف عنه. والأثر لا يفهم كحضور كامل للتجربة داخل النص، وإنما كعلامة على غيابها. ما يكتب يحمل آثار ما لم يكتب، ويحتفظ ببقايا ما غادر اللغة. هذا الفهم يقلب التصور التقليدي للكتابة بوصفها تثبيتا للمعنى، ويجعلها ممارسة تشتغل على ما يتأرجح بين الحضور والغياب.

يبرز الأمر في نصوص صامويل بيكيت، خصوصا "شريط كراب الأخير"، حيث تظهر الذاكرة كأثر صوتي منفصل عن الذات التي عاشته. تستمع الشخصية إلى تسجيلات ماضيها دون أن تتطابق معها، فينشأ شرخ بين الصوت القديم والوعي الحاضر. الكتابة هنا لا تحفظ التجربة، وإنما تكشف مسافة لا تردم بين ما كان وما يسمع الآن. التسجيل ذاته يتحول إلى شكل من أشكال المحو، لأن إعادة الاستماع لا تعيد التجربة، وإنما تعمق اغترابها. يقدم بيكيت نموذجا أدبيا حيث النسيان لا يعمل عبر الاختفاء، وإنما عبر التكرار العقيم. فتدعم هذه التجربة تصورك للكتابة كفعل يفقد التجربة حدتها الأولى، ويحولها إلى أثر قابل للتداول دون استعادة جوهره الحي.

FRAN CAFFREY / Newsfile / AFP
صورة غير مؤرخة للكاتب المسرحي الإيرلندي صموئيل بيكيت معروضة في أرشيف التصوير الوطني في دبلن لمناسبة الذكرى المئوية لميلاده

تنبني الكتابة، وفق هذا المنظور، على تراكم طبقات. كل نص يكتب فوق نص سابق، سواء كان هذا النص تجربة شخصية، أو ذاكرة جماعية، أو كتابة أخرى. هنا يظهر نموذج الطرس (palimpseste)  بوصفه استعارة دقيقة لفعل الكتابة. الطرس يحمل آثار نصوص محيت جزئيا، غير أنها تظل فاعلة تحت السطح. النص الجديد لا يمحو القديم محوا تاما، وإنما يكتب فوقه، تاركا ظلاله تعمل داخل البنية الجديدة.

في الفن التشكيلي، تبرز أعمال أنسلم كيفر بوصفها ممارسة بصرية لفكرة الطرس. لوحاته تجمع مواد متآكلة، رمادا، رصاصا، وطبقات كثيفة من الطلاء، بما يجعل السطح مشبعا بآثار ما محي دون أن يختفي. التاريخ الألماني، خصوصا ذاكرة الحرب، لا يمثل عند كيفر عبر السرد المباشر، وإنما عبر أثر الخراب. العمل الفني يتحول إلى مساحة تتعايش فيها الذاكرة والنسيان، الحضور والغياب. هذا التصور البصري يعمق أطروحتك حول أن المحو شرط للإنتاج، وأن المعنى يولد من الطبقات لا من الحضور الصافي.

كل كتابة تتطلب إزالة ما يعيق تشكل النص الجديد، سواء كان فائض التجربة أو تشعبها أو عدم قابليتها للقول

يجعل هذا التراكم المحو جزءا من عملية الإنتاج. ولا ينبغي أن يفهم المحو بوصفه نقصا أو هدما، وإنما بوصفه شرطا للامتلاء. كل كتابة تتطلب إزالة ما يعيق تشكل النص الجديد، سواء كان فائض التجربة أو تشعبها أو عدم قابليتها للقول. المحو هنا فعل إيجابي، يفتح المجال أمام بناء دلالة جديدة. فوفقا للتفكيكيين لا يتأسس المعنى على الحضور الخالص، وإنما على الاختلاف والإرجاء، أي على حركة تأجيل وإزاحة. فتعمل الكتابة داخل هذه الحركة، وتنتج معناها من خلال ما تؤجله بقدر ما تصرح به. أي إن الذاكرة الأدبية ههنا تتحقق في تلك الفرغات والثغرات التي يصنعها النسيان. حيث، كما يكتب برنار نويل، "إن الكتابة عندما تخضع للذاكرة تعيد الإنتاج، أما عندما تكون متوجهة نحو النسيان فهي تخترع".

HENRY NICHOLLS / AFP)
الفنان الألماني أنسِلم كيفر يقف إلى جانب عمله الفني "الليلة المرصعة بالنجوم"

يسمح هذا التصور بفهم العلاقة بين الذاكرة والكتابة بوصفها علاقة غير مستقرة. الذاكرة لا تنتقل إلى النص كما هي، وإنما تعبر سلسلة من التحويلات. كل تحويل يترك أثرا، وكل أثر يحمل غيابا، أو نسيانا مخترعا للمحكي. ليصبح بهذا النص الأدبي فضاء تتعايش فيه طبقات من الزمن، وتجارب متداخلة، وحذوفات البانية. فالقارئ في هذا المستوى، لا يواجه تجربة مكتملة، وإنما يواجه شبكة من الآثار التي تحيل إلى ما لم يعد حاضرا.

ما يمحى وما يبقى

وحين ننظر إلى النص الأدبي من زاوية ما يمحى وما يبقى، يظهر الفقد بوصفه جزءا من بنيته الداخلية. الفقد لا يطرأ على النص من الخارج، وإنما يتشكل في لحظة الكتابة نفسها. كل اختيار لغوي يتضمن إقصاء إمكانات أخرى. كل جملة تكتب، تغلق أمام جمل محتملة. هذا الإقصاء لا يظهر في النص، غير أنه يظل عاملا فيه.

يتحول الغياب، في هذا السياق، إلى مكون دلالي. ما لا يقال يحدد معنى ما يقال. الصمت يعمل داخل النص بقدر ما تعمل الكلمات. هذا ما يجعل القراءة فعلا تأويليا، حيث يسعى القارئ إلى التقاط آثار الغياب، وربطها بما هو حاضر. النص الأدبي لا يقدم معناه كاملا، وإنما يترك فراغات تستدعي المشاركة. فتظهر الكتابة هنا كفعل اختيار وتخل في الآن نفسه. الكاتب يختار زاوية نظر، ويختار ترتيب الأحداث، ويختار نبرة القول. في الوقت نفسه، يتخلى عن زوايا أخرى، وترتيبات محتملة، ونبرات بديلة. هذا التخلي لا يعني خيانة للتجربة، وإنما يعني إخضاعها لمنطق الصوغ. التجربة، حين تكتب، تغادر تعددها الخام لتدخل وحدة النص.

في سياق المحو هذا في علاقته الأساسية بالأمانة، أمانة الذاكرة، تعتمد أعمال الكاتب الفرنسي كريستيان بولتانسكي على صور مجهولة، ملابس مستعملة، وأرشيفات ناقصة، لتشييد ذاكرة بلا أسماء. ما يعرض ليس السيرة، وإنما أثرها. الفن هنا يعمل على حافة النسيان، حيث يتحول الغياب إلى مادة جمالية. هذا النمط الفني ينسجم مع تصورك للذاكرة الأدبية بوصفها ذاكرة مشوبة بالغياب، حيث ما لا يعرف، يحدد ما يرى. العمل الفني لا يستعيد الضحايا، وإنما يخلق فضاء لتأمل فقدانهم.

يعيد هذا الفهم صوغ علاقتنا بفكرة الأمانة. الأمانة في الكتابة لا تتعلق بنقل كل ما حدث، وإنما تتعلق بقدرة النص على إنتاج معنى صادق داخل نظامه الخاص. الفقد يصبح جزءا من هذه الصدقية، لأنه يسمح للنص بأن يتنفس، وبأن يفتح أفقا للتأويل. الكتابة، في هذا المعنى، لا تحفظ التجربة كما هي، وإنما تعيد خلقها داخل فضاء لغوي، حيث يتحول المحو إلى شرط للقول، ويتحول الغياب إلى مصدر دلالة.

الصمت يعمل داخل النص بقدر ما تعمل الكلمات. هذا ما يجعل القراءة فعلا تأويليا، حيث يسعى القارئ إلى التقاط آثار الغياب

يعالج جورج بيريك، وفق هذا المنظور،  في نصه (W ou le souvenir d'enfance) [واو أو ذكرى الطفولة] العلاقة بين الذاكرة الفردية والصدمة التاريخية عبر بنية تقوم على الانقطاع والتناوب. السيرة الذاتية تأتي مجزأة، مثقوبة بالفراغات، بينما السرد التخييلي يبدو أكثر تماسكا من الذاكرة الواقعية. ما يكتب عن الطفولة، لا يظهر كاملا، وإنما بوصفه محاولة فاشلة للإمساك بما تم محوه بفعل التاريخ. النسيان هنا لا يظهر كعجز شخصي، وإنما كأثر بنيوي للكارثة. الكتابة لا ترد ما فقد، وإنما تنظم غيابه داخل النص. هذه التجربة تمنح بعدا ملموسا لفكرة أن ما لم يقل، يعمل داخل النص بقدر ما قيل، وأن الصمت جزء من الدلالة.

STAN HONDA / AFP
صورة لعمل الفنان الفرنسي كريستيان بولتانسكي، "أرض لا أحد" المؤلَّف من 30 طنا من الملابس المستعملة المعروضة في "بارك أفنيو آرموري" في نيويورك، 13مايو 2010

بالتالي، يفضي التفكير في ما يمحى وما يبقى داخل النص الأدبي إلى نتيجة حاسمة مفادها أن الكتابة لا تنتج أثرا صافيا ولا ذاكرة مكتملة، وإنما تنشئ بنية تقوم على التفاوت والتفاوت وحده. هذا التفاوت يجعل النص مجالا زمنيا خاصا، تتعايش فيه التجربة بعد أن تكون غادرت شكلها الأول، وتدخل طورا جديدا من الوجود. ما يكتب، لا يعود ملكا للحظة التي ولد فيها، ولا للذات التي عاشته فقط، وإنما يصير قابلا للانتقال والتداول والتأويل. هنا يتغير موقع المأساة ذاتها، لأنها لم تعد تجربة مغلقة على ذاتها، وإنما صارت مادة لغوية تدخل في علاقة مع قارئ لم يعش الحدث، غير أنه يواجه أثره. من هذه النقطة بالذات ينفتح سؤال جديد حول مصير الألم حين يغادر الذاكرة الخاصة ويدخل أفق القراءة، وحول ما يحدث للمأساة حين تتحول من حدث معيش إلى نص يتداول، ويعاد تأويله، ويحمل معاني تتجاوز سياقه الأول.

المأساة بين الذاكرة والقراءة

حين تدخل المأساة مجال الكتابة، يحدث تحول عميق في طبيعتها الوجودية، إنها تلك اللحظة التأسيسية، غالبا، التي قادت الإنسان الأول الى التفكير في النص الأول. والمأساة، وهي تعاش، تكون حدثا كثيفا، محكوما بالصدمة والانفعال والتشظي الزمني. فالزمن فيها متوقف أو متداخل، والوعي عاجز عن الإحاطة بما يجري. غير أن هذا الوضع يتغير جذريا حين تتحول المأساة إلى نص. تمنحها الكتابة شكلا، وتفرض عليها نظاما زمنيا، وتجعلها قابلة للقول، إذ تتخذ شكل "الاعتراف" بالمعنى اللاهوتي، ونوعا من التفريغ بالمعنى النفساني. هذا التحول لا يلغي ما في المأساة من عنف أو ألم، غير أنه ينقلها من مستوى التجربة المغلقة إلى مستوى المعنى المتداول، أي إلى بعد قابل للتأويل، حيث تغير جغرافيتها من الذات الحقيقية إلى الذات المتخيلة.

أما اللغة، في هذا السياق، فتعمل كوسيط يعيد توزيع العلاقة بين الذات وما عاشته. حيث المأساة المكتوبة لا تعود حدثا حاضرا بكامل حدته، وإنما تصبح أثرا لغويا يحمل بصمات الغياب. يسمح هذا الأثر للنص بأن يوجد خارج صاحبه، وأن يقرأ من قبل آخرين لم يعيشوا التجربة، غير أنهم يدخلون في علاقة معها عبر اللغة. هنا يتبدل معنى الذاكرة، لأنها لم تعد ذاكرة فردية محصورة، وإنما صارت ذاكرة قابلة للمشاركة، تبنى من جديد مع كل قراءة.

ويمكن أن نتبع الأمر في رواية "معشوقة"، حيث تشتغل توني موريسون على المأساة الجماعية للعبودية بوصفها ذاكرة متشظية، تطارد الحاضر عبر أشباح لغوية. الماضي لا يروى خطيا، وإنما يظهر في شكل شظايا، صدمات لغوية، وصمت ثقيل. الكتابة لا تشفي الذاكرة، وإنما تمنحها شكلا قابلا للتداول. النسيان هنا ضرورة للعيش، غير أنه لا يتحقق دون المرور عبر اللغة. الرواية تقدم مثالا واضحا على أن الأدب يذكر لينسي، عبر تحويل الألم إلى بنية سردية تسمح بفهمه دون إلغائه.

لا تستقر المأساة الأدبية، من هذا المنظور، على معنى واحد، وإنما تتحول بتعدد القراء وتعدد الأزمنة

وتشكل القراءة بدورها لحظة ثانية في حياة المأساة، فالقارئ لا يستقبل النص بوصفه وثيقة، وإنما بوصفه بنية دلالية مفتوحة. إذ أن ما يواجهه القارئ ليس الألم في حالته الخام، وإنما صوغه، أثره، وتوتراته الداخلية. هذا ما يجعل المأساة المقروءة مختلفة عن المأساة المعيشة. القراءة لا تعيد إنتاج الألم كما كان، وإنما تعيد تشكيله داخل أفق الفهم. فالتلقي يغير معنى العمل، ويدخل النص في تاريخ جديد مع كل قراءة. بالتالي، لا تستقر المأساة الأدبية، من هذا المنظور، على معنى واحد، وإنما تتحول بتعدد القراء وتعدد الأزمنة.

Martin BUREAU / AFP
الفيلسوف الفرنسي بول ريكور يتخذ وضعية للتصوير خلال جلسة تصوير في مؤسسة "سنجر–بولينياك" في باريس، 11 يونيو 2003

يطرح هذا التحول مفارقة دقيقة: حين تصبح المأساة قابلة للقراءة، تفقد شيئا من حدتها الأولى، وفي الوقت نفسه تكتسب قدرة على الاستمرار. فالألم، وهو يقرأ، لا يعاد عيشه بالطريقة نفسها، وإنما يفهم، ويؤول، ويدمج في تجربة القارئ الخاصة. هذا الإدماج لا يعني استهلاك المأساة أو تبسيطها، ولكن يعني نقلها من دائرة الصدمة إلى دائرة المعنى. فريكور يرى أن السرد يمنح الأحداث المؤلمة شكلا زمنيا يسمح بفهمها دون اختزالها. ومنه، فالفهم هنا لا يعمل ضد الذاكرة، وإنما يعمل داخلها، أي داخلة بنية النسيان التي تتحقق من خلالها الكتابة، كما الحكي.

في هذا الأفق، يتغير معنى النسيان الذي لا يظهر كطمس للمأساة، وإنما كتحول في علاقتها بالذات وبالزمن. فما ينسى ليس الحدث في ذاته، وإنما حدته الأولى. والكتابة، ومن بعدها القراءة، تعيدان توزيع الألم داخل بنية رمزية، لتجعلا حضوره أقل عنفا وأكثر قابلية للتفكير. بينما هذا النسيان لا يعني الغياب، وإنما يعني انتقال المأساة من مستوى الجرح المفتوح إلى مستوى الأثر الذي يحمل الذاكرة، غير أنه يحررها من طغيان اللحظة. من هنا تتأسس المفارقة التي تقوم على أن الأدب يذكر لينسي، وينسي ليذكر، لا عبر الإلغاء، وإنما عبر التحويل.

font change