بالنسبة إلى أهلها، الإسكندرية ليست مجرد مدينة، وإنما حالة وجودية يتجلى فيها الزمن وتتجسد فيها فكرة الانصهار الحضاري، إذ تتقاطع فيها خطوط الطول والعرض التاريخية لتشكل ملامحها الحالية، التي تبدو دائما لوحة لم تكتمل ولا تزال في انتظار لمسة الفنان الأخيرة التي لا تأتي. فهذه المدينة القديمة دوما تضع المقيم فيها في حيرة شعورية، ما بين الحنين الذي يدهمه فيها إلى زمن مفقود، وبين مشاعر التطلع الى يوم يتجمل فيه وجه المدينة على نحو غير مسبوق، كعادتها في كل مرة تبدل فيها وجهها. وإن كانت بعض مشاهدها تبدو مكتملة بشكل فريد، بل ويتمنى السكندريون لو أنها تبقى كذلك إلى الأبد.
واحد من تلك المشاهد، هو مشهد عربات "الترام" التي تقف في بداية الخط في "محطة الرمل"، بالتحديد أمام بناية "فينيسيا" الصغيرة، أو كما يُطلق عليها "عمارة ميرامار" التي صممها المعماري الإيطالي المصري جياكومو أليساندرو لوريا عام 1926، وعلى يمينها تظهر "عمارة هيكل" التي صممها المعماري ريكاردو سميث في عام 1929. يُعد هذان المبنيان من أقدم مباني "منطقة الرمل" في الإسكندرية، وكأنهما بُنيا ليكملا مشهدا لن يتكرر في أي مدينة في هذه الدنيا، وبخاصة إن كانت عربة "الترام" الواقفة بالقرب هي تلك القديمة ذات اللون الأحمر، التي رممت وأعيد تشغيلها أخيرا، بعد غياب دام عقودا. مشهد يبدو جزءا من فيلم قديم، وفي حقيقة الأمر يتجاوز "ترام الإسكندرية" وظيفته الأساس كوسيلة نقل، فهو دليل حقيقي للمدينة وأحد معالمها المميزة، كما أنه شاهد صامت وشريك أصيل في سجل يوميات أهل المدينة.
ولادة الفكرة
في مستهل القرن التاسع عشر، وتحديدا في عام 1800، لم يكن الساحل الشرقي للإسكندرية، المعروف بـ"الرمل"، سوى امتداد صحراوي خال، لكن مع مرور الزمن بدأت العائلات السكندرية الثرية في إحياء هذه المنطقة ببناء استراحاتها الصيفية تدريجيا، لتتحول الى ضاحية إسكندرية جديدة وجميلة وصغيرة وهادئة.



