الإسكندرية تودع "الترام" التاريخي... مسارات عتيقة تحاكي التحولات الاجتماعية

شريان حيوي يربط بين أزمنة وأمكنة ويضبط إيقاع حياة الناس اليومية

REUTERS/Amr Abdallah Dalsh
REUTERS/Amr Abdallah Dalsh
ترام كهربائي قديم في مدينة الإسكندرية، مصر، 3 أغسطس 2017

الإسكندرية تودع "الترام" التاريخي... مسارات عتيقة تحاكي التحولات الاجتماعية

بالنسبة إلى أهلها، الإسكندرية ليست مجرد مدينة، وإنما حالة وجودية يتجلى فيها الزمن وتتجسد فيها فكرة الانصهار الحضاري، إذ تتقاطع فيها خطوط الطول والعرض التاريخية لتشكل ملامحها الحالية، التي تبدو دائما لوحة لم تكتمل ولا تزال في انتظار لمسة الفنان الأخيرة التي لا تأتي. فهذه المدينة القديمة دوما تضع المقيم فيها في حيرة شعورية، ما بين الحنين الذي يدهمه فيها إلى زمن مفقود، وبين مشاعر التطلع الى يوم يتجمل فيه وجه المدينة على نحو غير مسبوق، كعادتها في كل مرة تبدل فيها وجهها. وإن كانت بعض مشاهدها تبدو مكتملة بشكل فريد، بل ويتمنى السكندريون لو أنها تبقى كذلك إلى الأبد.

واحد من تلك المشاهد، هو مشهد عربات "الترام" التي تقف في بداية الخط في "محطة الرمل"، بالتحديد أمام بناية "فينيسيا" الصغيرة، أو كما يُطلق عليها "عمارة ميرامار" التي صممها المعماري الإيطالي المصري جياكومو أليساندرو لوريا عام 1926، وعلى يمينها تظهر "عمارة هيكل" التي صممها المعماري ريكاردو سميث في عام 1929. يُعد هذان المبنيان من أقدم مباني "منطقة الرمل" في الإسكندرية، وكأنهما بُنيا ليكملا مشهدا لن يتكرر في أي مدينة في هذه الدنيا، وبخاصة إن كانت عربة "الترام" الواقفة بالقرب هي تلك القديمة ذات اللون الأحمر، التي رممت وأعيد تشغيلها أخيرا، بعد غياب دام عقودا. مشهد يبدو جزءا من فيلم قديم، وفي حقيقة الأمر يتجاوز "ترام الإسكندرية" وظيفته الأساس كوسيلة نقل، فهو دليل حقيقي للمدينة وأحد معالمها المميزة، كما أنه شاهد صامت وشريك أصيل في سجل يوميات أهل المدينة.

ولادة الفكرة

في مستهل القرن التاسع عشر، وتحديدا في عام 1800، لم يكن الساحل الشرقي للإسكندرية، المعروف بـ"الرمل"، سوى امتداد صحراوي خال، لكن مع مرور الزمن بدأت العائلات السكندرية الثرية في إحياء هذه المنطقة ببناء استراحاتها الصيفية تدريجيا، لتتحول الى ضاحية إسكندرية جديدة وجميلة وصغيرة وهادئة.

يتجاوز "ترام الإسكندرية" وظيفته الأساس كوسيلة نقل، فهو دليل حقيقي للمدينة وأحد معالمها المميزة، كما أنه شاهد صامت وشريك أصيل في سجل يوميات أهل المدينة

إلى أن حل السادس من أغسطس/ آب عام 1860، يوم أذنت الحكومة المصرية للبريطاني السير إدوارد سان جون فيرمان بإنشاء خط سكة حديد يربط الإسكندرية بالضواحي الجديدة في "الرمل"، وقد تلا ذلك موافقة وزير الخارجية في 31 أكتوبر/ تشرين الأول من العام نفسه، على منح شركة إدوارد سان جون امتياز إنشاء خط "ترام"، ليصبح العقد ساريا وموثقا، وقد نص في صك الامتياز على احتفاظ الحكومة بحق سحبه في أي وقت، كشرطٍ ناظم للمشروع، وليصبح "ترام الإسكندرية" أول وسيلة نقل جماعية بالإسكندرية وفي مصر نفسها وقارة أفريقيا ومن بين الأقدم في العالم، بل إنه الوحيد في مصر والثالث على مستوى العالم الذي استخدم عربات من طابقين بعد ليفربول بإنكلترا وهونغ كونغ.

تزامن إنشاء "ترام الرمل" مع إنشاء ميدان "محطة الرمل" نفسه، وهو الميدان الذي صممه المعماري الإيطالي أنطونيو لاشياك عام 1887، ولقد خططت محطة "ترام الرمل" بعناية فائقة لتتخذ موقعها كنقطة محورية أساسية وبؤرة مركزية للمنطقة بأسرها، مؤكدة بذلك دورها الوظيفي والجمالي في الهيكل العمراني للإسكندرية.

على متن الرحلة الأولى

تبلورت الفكرة أكثر بتأسيس شركة السكة الحديد بين الإسكندرية و"الرمل"، عُرفت هذه الشركة باسم Strada Ferrata Tra Alessandria e Ramleh ، في 16 أبريل/ نيسان 1862، كشركة مساهمة برأس مال مقداره 12 ألف جنيه إسترليني موزع على 1200 سهم، حُدد سعر السهم الواحد بنحو 10 جنيهات، وامتلكت الحكومة المصرية معظم هذه الأسهم، وكان لـلسادة شولتز وسيفر وفلمينغ وبولكلي وتورتيليا شرف عضوية مجلس الإدارة والفضل في تأسيس هذا الخط الحيوي، ولذلك تحمل كثير من محطات الترام أسماءهم تخليدا لجهودهم الرائدة، وإن نال بعضها التحريف (شولتز تحولت إلى شوتس، وسيفر تحولت إلى صفر بفتح الصاد)، وهنا تنازل السيد فيرمان، عن حق الامتياز الممنوح له سابقا من الحكومة المصرية، لهذه الشركة الوليدة، مقابل حصوله على نسبة 30% من الأرباح الصافية خلال السنوات الثلاث الأولى.

في سبتمبر 1862، وُضعت أول القضبان الحديد في المدينة بالقرب من مسلة كليوباترا، وفي 8 يناير 1863، دُشن أول ترام يعمل بأربع عربات تجرها أربعة جياد

في سبتمبر/ أيلول من عام 1862، وُضعت أول القضبان الحديد في المدينة بالقرب من مسلة كليوباترا، وفي 8 يناير/ كانون الثاني 1863، دُشن أول ترام يعمل بأربع عربات تجرها أربعة جياد، خُصصت واحدة للدرجة الأولى، واثنتان للدرجة الثانية، والأخيرة خُصصت للدرجة الثالثة، ليتمكن هذا المرفق من نقل الإسكندريين بين محطتي الإسكندرية و"الجمرك". ورغم حداثته، سرعان ما استُبدلت الخيول بـقاطرة بخارية في أغسطس/آب من العام نفسه، في خطوة لتسريع وتيرة النقل.

ولم تقتصر خدمات الخط على الركاب فقط، ففي الأول من أكتوبر/تشرين الأول 1865 أبرمت الشركة اتفاقية مع هيئة البريد لنقل الرسائل إلى مكاتب البريد التي أُقيمت في محاذاة المحطات الجديدة. واعتبارا من مارس/ آذار 1883 تولت شركة سكة حديد الإسكندرية – الرمل المحدودة The Alexandria and Ramleh Railway Company Limited إدارة الخط.

REUTERS/Amr Abdallah Dalsh
ترام كهربائي قديم في مدينة الإسكندرية، مصر، 3 أغسطس 2017

كانت هذه الشركة تأسست برأس مال بلغ 110 ألف جنيه إسترليني، وضمت في عضويتها ممثلين عن كبريات عائلات المدينة، سواء من أصل يوناني وأرمني أو من الجنسيات الأجنبية المقيمة، واضطلعت باستكمال مد الخط الحديدي من "سبورتينغ" إلى "مصطفى باشا".

ثم في عام 1897، قررت الشركة تنفيذ مشروع إنشاء خط مزدوج ليحل محل المسار المفرد السابق. وقد أثمر هذا التحديث عن الخطين القائمين حتى يومنا هذا، وهما: "خط باكوس" أو ترام (1) و"خط النصر" أو ترام (2) وواصلت الشركة مد خط الترام والتوسع شرقا حتى شملت، في حلول عام 1901، اثنتي عشرة محطة إضافية إلى جانب المحطة الرئيسة، وغدت هذه المحطات موضوعا متكررا على البطاقات البريدية التي حفظت، بمصادفة قدرية بحتة، جزءا من تاريخ، وهوية بصرية، وأياما ومشاهد لم تعد موجودة اليوم في شوارع المدينة.

الترام أصفر أيضا

بالتوازي مع تطور "خط الرمل" الذي يخدم الضواحي الشرقية البعيدة من الإسكندرية، ظهرت الحاجة الماسة إلى شبكة داخلية تخدم قلب المدينة القديمة في جزئها الغربي، ومن ثم ربطها بشبكة ترام ضواحي الرمل لاحقا، لتربط الجزء القديم من المدينة بجزئها الجديد، وهكذا بدأت قصة ترام المدينة أو "الترام الأصفر" كما يسميه الإسكندريون، حين كُلفت شركة ترامواي البلجيكية تشغيله عام 1897، تحت اسم شركة "ترامواي الإسكندرية". كانت هذه الشركة سباقة في استخدام الترام الكهربائي، وقد شرعت في مد الأسلاك الكهربائية الضرورية بين سبتمبر/أيلول 1896 وأغسطس/آب 1897، ليصبح ترام المدينة جاهزا للتدشين في سبتمبر 1897.

أُعدت عربة مزينة بالورود خصيصا لركوب الخديوي عباس حلمي الثاني، يسبقه القائد التركي الغازي أحمد باشا مختار الذي كان يعمل وقتها المندوب السامي العثماني في مصر

احتفل بتسيير العربات الأولى لترام المدينة الأصفر، وتدشين الخط رسميا في 11 سبتمبر/أيلول 1897، في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني. وكانت المحطة الرئيسة للانطلاق في "مينا البصل"، أمام مبنى بورصة القطن التاريخي، ومن هذه النقطة المحورية، تفرع الخط إلى ثلاثة مسارات أساسية، الأول خط يصل إلى ميدان المنشية الصغرى (ميدان سانت كاترين حاليا)، والثاني خط ممتد إلى "منطقة المكس"، أما الخط الثالث فكان ينطلق من شارع الميدان بميدان المنشية، ويتفرع منه خط رابع يصل إلى منطقة الجمرك (التي تضم حاليا منطقتي الأنفوشي ورأس التين).

وقد شهد هذا الافتتاح جمهور حاشد من الإسكندريين في شارع "المنشية الصغرى"، حيث انطلق الخط الكهربائي الجديد. وقد أُعدت عربة مزينة بالورود خصيصا لركوب الخديوي عباس حلمي الثاني، يسبقه القائد التركي الغازي أحمد باشا مختار الذي كان يعمل وقتها المندوب السامي العثماني في مصر، مع كبار رجال الدولة المصرية، وبعد الرحلة الافتتاحية التي امتدت إلى "المكس" عاد المدعوون إلى المخزن العام لترام الإسكندرية في "كرموز" حيث أقام الخديوي مأدبة غداء.

من البخار إلى الكهرباء

في 11 يونيو/ حزيران 1912، صدر قرار بتوحيد إدارة الترام، إذ صادقت الجمعية العمومية على قرار مجلس الإدارة القاضي بتنازل شركة "ترامواي الإسكندرية" (الترام الأصفر) عن إدارة خطوطها لصالح شركة "سكك حديد الإسكندرية- الرمل المحدودة". وبهذا، أصبحت الأخيرة الكيان المسؤول عن نقل الركاب بالترام بشقيه (الأصفر والأزرق)، حتى أمم هذا المرفق الحضاري في أعقاب قيام ثورة يوليو 1952.

REUTERS/Amr Abdallah Dalsh
ترام كهربائي قديم في مدينة الإسكندرية، مصر، 16 مارس 2019

وفي الثاني من يونيو/حزيران عام 1898، اتخذت الجمعية العمومية لشركة سكة حديد الإسكندرية - الرمل المحدودة قرارا مصيريا بتغيير القاطرات البخارية التي كانت لا تزال تخدم خط ضواحي الرمل ووضع العربات الكهربائية محلها. ورغم تأخر التنفيذ لخمس سنوات، إلا أن العربة الكهربية الأولى بدأت الخدمة أخيرا في 31 ديسمبر/ كانون الأول 1903، وتمت كهربة الشبكة بالكامل في 25 يناير/كانون الثاني 1904، وفي هذه الأثناء نُقلت مكاتب البريد القديمة بين المحطات، إلى مبانٍ حديثة أُنشئت في العادة الى جوار محطات الترام.

بيعت عربات الترام الدانماركية لتصبح جزءا أصيلا من نسيج المدينة الساحلية في حلول عام 1971، ثم استعادت كوبنهاغن في عام 2015 عربتين لعرضهما في "متحف الترام" بكوبنهاغن

وقد اقتصر استخدام العربات الكهربائية في البداية على ترام المدينة القديمة التي كانت تنقل الركاب بين ميدان محطة الرمل وسراي رأس التين، حيث ظلت ترام ضواحي الرمل الممتدة حتى محطة المحمدية (فيكتوريا أو النصر حاليا) حكرا على تنقلات الخديوي عباس حلمي الثاني إلى هذا الجزء من المدينة، ولم تُفتح لعامة الجمهور إلا في عام 1909.

الترام الأصفر: رحلة أيقونة بين كوبنهاغن والإسكندرية

قصة طريفة تجمع بين الإسكندرية وكوبنهاغن، بطلها الترام الأصفر. تبدأ في عام 1959، عندما اشترت مدينة كوبنهاغن من ألمانيا مئة عربة من الترام الأصفر، ظلت في الخدمة حتى عام 1972، عندما صدر قرار بتحول كوبنهاغن للتنقل بالحافلات وإغلاق شبكة الترام بالكامل، وهنا بدأت رحلة هذه العربات التاريخية نحو الإسكندرية.

إذ بيعت عربات الترام الدانماركية لتصبح جزءا أصيلا من نسيج المدينة الساحلية في حلول عام 1971، ثم استعادت كوبنهاغن في عام 2015 عربتين لعرضهما في "متحف الترام" بكوبنهاغن، في الوقت الذي لا تزال مثيلاتها في الإسكندرية أيقونة حية ومستمرة، تجوب شوارع المدينة القديمة وتجسد شعورا يجمع المدينتين، الحنين في الدانمارك والاستمرارية في عروس البحر الأبيض المتوسط.

ترام الإسكندرية شريك الذكريات

اشتهر ترام الرمل ذو العربات الزرقاء بمروره في الأحياء الراقية كـ"رشدي" و"زيزينيا" و"جناكليس"، وكان ولا يزال يتميز بتنظيمه الداخلي الذي خصص عربة للسيدات فقط، إلى جانب عربة للرجال وأخرى مختلطة، مما يعكس جانبا من التراتبية الاجتماعية في المدينة. ويتلاقى هذا الخط الأزرق مع الخط الأصفر في محطة الرمل، التي تُعد نقطة الارتكاز والمحطة الأولى لانطلاقة الترام في شرق المدينة وغربها، في جدول تشغيل يبدأ من الساعة الرابعة فجرا ويمتد حتى الأولى بعد منتصف الليل.

REUTERS/Amr Abdallah Dalsh
رجل يسير في محطة ترام الشاطبي إلى جانب ترام كهربائي قديم في مدينة الإسكندرية، مصر، 16 مارس 2019

,من المفارقات التاريخية، أنه حتى قبل ثورة يوليو عام 1952، كان الترام يعكس نسيج المدينة الكوزموبوليتاني المنسوج من خيوط عدة، فكان من العادي أن تجد سائق الترام إيطالي الجنسية، ومحصل التذاكر (الكمساري) يونانيا أو مالطيا، بل أن معظم من عملوا في الترام كانوا أجانب أصلا.

كان من العادي أن تجد سائق الترام إيطالي الجنسية، ومحصل التذاكر (الكمساري) يونانيا أو مالطيا، بل أن معظم من عملوا في الترام كانوا أجانب أصلا

إن ترام الإسكندرية ليس مجرد وسيلة تعبر شوارع المدينة، بل هو شريانها الروحي ورفيق درب سكانها، وإرثٌ حي محفور في ذاكرة كل إسكندري، فلا يكاد يتصور يومه دونه، وقد تجاوز دوره كونه مجرد وسيلة مواصلات، إذ تحول إلى مسرح متنقل تتيح عرباته للركاب والسائحين على حد سواء مشاهدة بانوراما المدينة عبر مسير الترام المتهادي بين البنايات الإسكندرية وطرقها.

 ويمتد هذا الارتباط العاطفي ليطول تذاكر الترام التي تحمل ألوانا تتغير بتغير خط الترام نفسه، والتغيير في الألوان كان يطول أيضا وثيقة اشتراك الترام التي كان يفضلها بعض الإسكندريين، وخاصة الطلبة الذين يعتمدون عليه في تنقلاتهم اليومية إلى المدارس. يمتد ارتباط الإسكندريين العاطفي بالترام أيضا إلى جوار قضبان الترام، حيث تقف محطات الترام، التي تغيرت أشكالها عبر الزمن، وتقف أيضا منشآت الترام شاهدة على التاريخ ومتشابكة مع النسيج الحضري للمدينة.

فعند "محطة مصطفى كامل"، يقبع "بيت الترام الكبير" الذي يؤوي عربات ترام الرمل الزرقاء، أما ترام المدينة فكان يسكن ورشة الترام القائمة عند المحطة النهائية في "كرموز"، التي شُيدت بالتزامن مع تشغيل ترام المدينة الأصفر في عام 1896، لتكون مقرا لإيواء شبكة الترام وصيانتها. هذا الموقع التاريخي، الذي كان يُعرف بـ"ترام الإسكندرية وابور"، تحول اليوم إلى ورش عمل حيوية متخصصة في إصلاح وتصنيع قطع الغيار لمركبات النقل العام، وتضم أقساما للصب والخراطة والحدادة، حيث لا تزال حرفة صب المعادن تمارس بطريقة يدوية تقليدية، لإبقاء روح الصناعة القديمة.

وعلى طول مسار الترام، تقف شواهد معمارية تحكي قصة المدينة العالمية، كمدرسة "فيكتوريا كوليدج" العريقة، ومدرسة "سان مارك"، والقنصلية اليونانية والمدرسة اليونانية، هذا بجانب البنايات السكنية التي تعود معظمها الى بدايات القرن الماضي، والتي استأنس أهلها في العديد من الأوقات بصوت صافرة الترام المميزة، بينما يشق طريقه ويتهادى بركابه مارا بها.

طفل ينظر عبر نافذة ترام كهربائي قديم في مدينة الإسكندرية، مصر، 16 مارس 2019

وربما هذا التهادي البطيء بالذات هو ما مثل تحديا للترام، فهو مشهور ببطئه نتيجة الازدحام وإشارات المرور التي يعبر بها في رحلته، وتكدس السيارات في كثير من الأحيان حوله الى درجة تشل الطريق لفترة قد تصل الى العشر دقائق، ما جعل من المستحيل أن يكون للترام موعد وصول وإقلاع ثابت، كل هذا  كان شرارة صغيرة لكنها مستمرة، نتج منها طرح تساؤلات، تزايدت بشدة في السنوات الأخيرة، عن جدوى الترام الإسكندري اليوم ومدى فائدته كوسيلة مواصلات تقطع شوارع الإسكندرية، وطرح أيضا العديد من الآراء حول ضرورة تطويره، أو استبداله بمترو أنفاق، أو "مونوريل"، أو حتى إزالته تماما.

يمكن النظر إلى ترام الإسكندرية كجسر يربط بين زمنين وعالمين، حيث تتجاوز عجلاته مجرد القضبان لتغوص في روح المدينة غير الملموسة

في لحظة كتابة هذه السطور تودع مدينة الإسكندرية "الترام" المشهور بعرباته القديمة، إذ سيتم البدء بتطويره ليواكب متطلبات هذا الزمن السريع، مع محاولة إبقائه كمعلم ودليل ومظهر للمدينة العتيقة، لكن في صورة أكثر تطورا.

في الختام، يمكن النظر إلى ترام الإسكندرية كجسر يربط بين زمنين وعالمين، حيث تتجاوز عجلاته مجرد القضبان لتغوص في روح المدينة غير الملموسة، ففي داخله لا تزال تتردد أصداء المحادثات، وصدى ضحكات الصغار، وأحلام الأجيال المتعاقبة، محفورة في هيكله المعدني كذكريات جماعية، وحتى لحظات الشرود وراء شباك الترام أثناء رحلته، والتغيير الذي طاول وجه الإسكندرية على مر الزمن، والذي كان مرئيا بكل مراحله من شبابيك الترام. لذلك هو يحمل رمزية ورابطة خفية تجمع أبناء المدينة، مهما اختلفت طبقاتهم الاجتماعية، ومهما تباعدت بيوتهم.

font change