رحلة البحث المضنية عن الإسكندرية في"الإسكندراني"

خالد يوسف يعود إلى السينما مستعينا بأسامة أنور عكاشة

twitter
twitter
أحمد العوضي في أحد مشاهده

رحلة البحث المضنية عن الإسكندرية في"الإسكندراني"

يُهدي المُخرج المصري خالد يوسف فيلمه، "الإسكندراني"، المعروض حاليا في صالات السينما إلى روح أستاذه الراحل يوسف شاهين، "صاحب الروح الهائمة في حب الإسكندرية وأهلها" حسب وصفه، كما يصنع من الأغنيات الجميلة التي غنَّاها المطربون والمطربات للمدينة التاريخية، موسيقى تصويرية لعمله. مع ذلك، هل ثمة إسكندرية حقا، في فيلم "الإسكندراني"؟

لم تكن آخر تجارب خالد يوسف السينمائية قبل فترة غيابه، موفقة تماما، إذ لم يحقق فيلم "كارما" الذي قدّمه عام 2018 النجاح المنشود. انعدام التوفيق هذا، لا يُقال فقط على المستوى الفني للعمل، لكن على مستوى شباك التذاكر، لأن هذا هو الجانب الذي يشغل بال المخرج الشهير، كما يشي بذلك نهجه في تركيب أفلامه. عقب عودته إلى القاهرة، قرّر يوسف أن يقدّم عملا يعيده إلى دائرة الضوء، ولم يجد أفضل من موسم رمضان، الذي يشغل فيه التلفزيون بمسلسلاته وإعلاناته أوقات الناس وأحاديثهم، لذا أنجز "سره الباتع"، وجاء حافلا بالأخطاء الكوميدية، وبدا أسلوبه الفني خارج العصر، على الرغم من الخط التاريخي الذي تضمنه العمل (فترة الحملة الفرنسية على مصر)، والذي قال يوسف إنه حاول من خلاله أن يقول شيئا عن واقعنا المعاصر.

التلميذ والأساتذة

من أجل هذا، كان يمكن لـ"الإسكندراني" ألا يثير الكثير من التوقعات، إن اعتبرنا أن يوسف ماض في طريقه الذي رسمه لنفسه، غير مبال بردود الفعل حيال أعماله، وإن جاءت من الجمهور، الذي يهتم يوسف برضاه قبل أي أحد آخر. على العكس طبعا من رؤية أستاذه صانع السينما الكبير يوسف شاهين، الذي صدمت بعض أعماله الجمهور، أو على الأقل بعض الجمهور، وعلمته، كما علمتنا جميعا، أن هناك أطيافا لا نهائية من التعبير السينمائي، وقد يخالف بعضها ما عوَّدنا عليه صنّاع السينما المصرية طوال تاريخها.

يلحّ خالد يوسف في "الإسكندراني" على علاقته بشاهين الذي عُرف بانتمائه إلى الإسكندرية وعلاقته العميقة بها

صحيح أنه يحق للتلميذ أن يتمرّد على الأستاذ (إذا سلمنا بأن خالد يوسف تلميذ حقا لشاهين، وليس مساعدا كان يحظى بثقته في تنفيذ أعماله الخاصة، والقول بهذا ليس تقليلا من شأنه إنما محاولة لمساءلة ثنائية الأستاذ والتلميذ هذه)، لكن خالد يوسف في "الإسكندراني" بالأخص، يُلح، منذ الإهداء، على علاقته بشاهين الذي عُرف بانتمائه إلى الإسكندرية وعلاقته العميقة بها. من جانب آخر، لجأ خالد يوسف إلى عمل للكاتب الراحل أسامة أنور عكاشة، وهو اسم تثق به قطاعات عريضة من الجمهور المصري، لأن عكاشة يعرف كيف يصنع دراما جذابة ومعبّرة عن الواقع، حتى وإن اختلفنا مع بعض أو كل ما يقوله في هذه الدراما.

الفيلم المأخوذ عن رواية بالعنوان نفسه لعكاشة، لم يسبق تقديمها. نقرأ على الملصق الدعائي أنه "قصة وسيناريو وحوار أسامة أنور عكاشة"، هذا مع أن خالد يوسف يتحدث صراحة في حواره على "يوتيوب" مع منصة "ذات مصر" عن التعديلات التي أجراها على رواية عكاشة، ويقول إنه قد تخلى عن نحو ثمانين صفحة من الرواية، بما يناسب زمن فيلم سينمائي. في الحوار نفسه، يرد يوسف على الاتهامات التي طاولت فيلمه بكثرة مشاهد العنف التي لا لزوم لها، بحجة أخرى غريبة، وهي أنه حاول استغلال القدرات البدنية لبطله أحمد العوضي، موظفا إياها في مشاهد قتال ومعارك، بل وجعل من بطله ملاكما للغرض التجاري نفسه في استثمار الصورة الذهنية للشاب الرياضي المفتول العضلات التي كرّسها العوضي لنفسه. وحين يقول خالد يوسف ذلك، فإنه يصوَّر لنا وكأن أحمد العوضي قد هبط عليه من السماء، وليس أنه قد اختاره من البداية، لهذا السبب أصلا، باعتباره بطلا ومفتول العضلات. المهم أن كلام خالد يوسف عمّا فعله بالرواية، يجعلنا نتساءل: إن كان خالد يوسف قد أخذ من النص الأصلي ما يريد، وأضاف الى شخصية البطل ما يريد أيضا، فلماذا لم يكتب على إعلانات فيلمه الترويجية أنه مُقتبس من رواية لأسامة أنور عكاشة، ومن سيناريو وإخراج خالد يوسف؟ بدلا من أن يقول إن الفيلم من تأليف أسامة أنور عكاشة، وهذه ليست حقيقة للأسف.

twitter
المخرج خالد يوسف

لعلّ  خالد يوسف الذي يلاحظ، بلا شك، ضعف الإقبال على أعماله أخيرا، وسلبية الرأي النقدي الموجه إليها، لعلَّه أراد أن يحيط فيلمه ويحيط نفسه بأسماء "أساتذته"، في محاولة لتجاوز مرحلة تخبط، من الطبيعي أن يمر بها الفنان، وهو يرى الزمن يتغيَّر، بينما هو غير قادر على المواكبة.

على أي حال، لنتجاوز الشكليات، ونسأل مجددا، ما الذي يريده منّا هذا "الإسكندراني"؟

ركاكة سينمائية

 يروي الفيلم، ضمن ما يروي (فغالبا ما تحفل أفلام خالد يوسف بالعديد من المرويات)، قصة وكالة "الإسكندراني" وهي محل لبيع الأسماك يملكها الحاج علي (يلعب دوره بيومي فؤاد). تقع في حي الأنفوشي بالمدينة، ويخصص الحاج معظم أعمالها في الإحسان، إذ يقدّم أسماكه للمعدمين والفقراء بأسعار زهيدة، مؤمنا أنه يجلب بهذه الطريقة البركة لحياته.

يحاول الأب اجتذاب ابنه، وحيده بكر، يلعب دوره أحمد العوضي، كي يدير مستقبلا الوكالة من بعده. لكن الابن يرفض على طريقة "لن أعيش في جلباب أبي" ويولي اهتمامه لنشاط آخر هو الملاكمة، وهو جاهز بدنيا للانخراط فيها، بل هو ينخرط فعلا في مباريات تنهض على المراهنة، ساعيا بذلك لتحصيل بعض المال، بعيدا من سطوة أبيه، الذي لا يبدي في طبيعة الحال رضاه عن ميول ابنه الرياضية، ويراها "خيبة" يحاول ثني ابنه عنها.

بعض مشاهد الميلودراما في الفيلم، وبدلا من أن تتسبب بالبكاء، أثارت الضحك في الصالة

مشاهد عديدة في الفيلم، تربط عبر المونتاج المتوازي بين رقص الحاج علي بالسكاكين، وهي فقرة مفضلة له في الاحتفالات الكبرى التي تمر بالوكالة، وبين اللكمات التي يوجهها بكر الى أخصامه (كأن الولد سر أبيه) ولا بد أن يخرج منها منتصرا، ولافتا إليه أنظار الحسناوات (كما ينبغي لبطل سينمائي بالضبط). على الجانب الآخر، ثمة قمر، تلعب دورها زينة، وهي حبيبة بكر، وابنة أحد تجار الأنفوشي، زملاء الحاج علي. لكن الأخير يحول دون إتمام زواج الحبيبين ما دام أن بكر لم يمتثل لأوامره بالعمل معه في الوكالة.

في لحظة معينة يُصاب بكر باليأس، ويتعرض للإذلال على يد أبيه أمام الملأ، لأنه "اقترض" مبلغا من خزينة المحل، من دون علم أبيه، ووشى به ابن عمه يونس، يلعب دوره محمود حافظ، ذلك الشاب المطيع المهذب الذي تبنى بدلا منه أعمال الوكالة وبرع فيها، والذي أعلنه علي ابنا له، نكاية بوحيده بكر.

هكذا يتشكل ثأر لدى بكر، من أبيه نفسه، ومن ابن عمه الواشي، ومن الإسكندرية كلها بشكل ما، فيغادر مقررا أن يعود إليها ذات يوم غانما ومنتقما. حتى هذا الحد، أي حد الصراع بين الأب وابنه، وهو صراع يصل إلى القتال غير المباشر، لكن أيضا المباشر ولو بدرجة ما، كان يمكننا تلمس روح أسامة أنور عكاشة. بكر يبحث عن ذاته، تتنازعه قوتان، الخير والشرّ، والدراما أن نرى أي قوة منهما ستنتصر.

سوى أن خالد يوسف يلتقط هذه الثيمة العكاشية ويبني عليها عوالمه المعتادة. عوالم عضلات الذكور وأموالهم التي تشتري عادة مفاتن الإناث، والكاميرا التي تتتبّع ذلك بأكبر قدر ممكن من التركيز، على الطريقة القديمة التي كانت ترضي بها أفلام السبكي جمهورها الشعبي في الأخص. يعمل يوسف على مطّ الصراع الخارجي في حياة بكر، مع أن صراعه الأساسي داخلي كمعظم أبطال أسامة أنور عكاشة. يتورط بكر الفتَّاك مع المافيا الإيطالية، ويقتل أعتى رجالها بالضربات القاضية، وبهذه الطريقة يحقق ثراءه الفاحش، بناء على سرقة يظن أنه سيُفلت منها. وتسمح هذه الأجواء كلها، بأجواء الكونغ فو والملاكمة بمؤثراتها الصوتية التي تُذكّرنا بأفلام يوسف منصور التي اجتاحت لفترة من الزمن سوق شرائط الفيديو في أعوام التسعينات بمصر، ثم سقطت من الذاكرة.

أما الجانب الكوزموبوليتاني للإسكندرية (فهكذا اعتدنا التنميط في الحديث عن المدينة)، فتعبّر عنه قصة الخواجة يورغو، الذي يؤديه حسين فهمي، وهي قصة لعلاقة حميمة مع جيرانه من تجار الأنفوشي، وقصة لجدعنته ورفضه أن يُلقَّب بالخواجة، إلى كل ما يسهل جدا توقعه في مثل هذه الأحوال عن قصة مشابهة.

المسألة أن تأثير هذه القصة، التي تضمنت قفشات أضحكت فعلا الجمهور في لحظات معينة، قد عمقت الشعور بالمسافة من الأحداث ومن المكان معا. ثمة شيء مفتعل، وركاكة سينمائية واضحة دفعت بعض مشاهد الميلودراما، لأن تتسبب بدلا من البكاء، بالضحك في الصالة. وهو تأثير قطعا لا يريده أي مخرج مبتدئ، ويجعل من الصعب تقييم أداء الممثلين بإنصاف، مهما اجتهدوا. هذه الركاكة تجلَّت منذ اللقطة الأولى التي ظهر فيها ذلك الجاسوس الإيطالي إذ لحق ببكر من إيطاليا، فضحك الناس في الصالة على تنكّره المريب، وتكرّرت مع حركة الكاميرا لاستعراض ثراء بكر الفاحش لحظة وصوله إلى الإسكندرية، ومع الحديث عن فحولته الجنسية، وفي مشهد سقوط صديقه صريعا إثر إحدى المعارك الكبيرة، وهذه ليست سوى أمثلة.

الجنسية: إسكندراني

لا يخلو الفيلم من إسقاطات تتعلق بالوضع الحالي في مصر. نسمع على سبيل المثل أحد التجار يعلّق على تصرفات بكر قائلا: "دي نوَّة براني كفيانا كلنا على وشنا"، في إشارة إلى الخوف الذي يحكم الجميع في التعامل مع بكر بميله إلى البطش بمن يخالفه. ومن المفترض أن "الإسكندراني" يحمل رؤية سياسية ما، سواء جاءت من عند عكاشة أو من عند خالد يوسف. يُبيِّن الفيلم فشل أساليب الإدارة وحتى التربية القديمة، فالحاج علي لم يعد يستطيع، وفقا للفيلم، أن يدير وكالته بالأسلوب الماضوي الإحساني نفسه الذي أصبح يضاعف خسائره. وهناك وجاهة لا تُنكَر في قول بكر، بعد عودته من إيطاليا، بوجوب إحداث التغيير. فنحن لا يمكننا أن نظل متمسكين بالقديم، إخلاصا فقط للنوستالجيا، والفكرة التي يجسدها الحاج علي، لا يمكن أن تعبّر عن أي فكر عاقل. لكن الفيلم في المقابل لا يقدّم أي رؤية بديلة لذلك الماضي، ناهيك عن انتقادها حتى، ويبدي بكر مجرد بطل تراجيدي، ضحية خالصة لنفسه، صعد وسقط بسبب طموحه الشخصي، وليس بسبب هذا الأب، وذلك السياق الزمني نفسه.

المدينة التي رأيناها في "الإسكندراني" ليست سوى ديكور مصنوع، مدينة بعيدة، تنتمي الى عوالم خالد يوسف

إلى هذا، فإن الرؤية السياسية للفيلم تظل منقوصة أو على أقل تقدير، غير ناضجة، ولا تضيف شيئا في تدبّرها لواقعنا المعاصر. أما السؤال الأهم الذي يلوح بعد نهاية الفيلم - وكان أفراد من الجمهور قد بدأوا يتسللون خارجين قبل أن يكتمل مشهد النهاية بمونولوغه الميلودرامي الطويل- السؤال الأهم هو أين هي الإسكندرية في "الإسكندراني"؟ كان يُمكن لأحداث هذا الفيلم أن تدور في الإسماعيلية، أو في بورسعيد، أو في أي مدينة ساحلية أخرى، ويصير العنوان "الإسماعيلوي" أو "البورسعيداوي"، ما دام أنها تتحمل هنا فكرة الرمز لمصر كلها. لأن محاولات خالد يوسف المضنية لإعطاء هذا الانطباع بأن فيلمه عن الإسكندرية لم تبد موفقة. على الرغم من أن الموسيقى والأغنيات واللكنة الإسكندرانية الشهيرة ولازمة "ولة يا ولة!" للعوضي، ومشاهد المدينة الملتقطة من السماء، ولقطات الميناء والبحر، وحسين فهمي كخواجة، كل ذلك لم يجعلنا نحسّ  لحظة أننا في الإسكندرية، أو أننا قريبون منها حتى.

 twitter
مشهد من الفيلم يجمع بين الممثل أحمد العوضي والممثلة زينة

إن المدينة التي رأيناها في "الإسكندراني" ليست سوى ديكور مصنوع، مدينة بعيدة، تنتمي الى عوالم خالد يوسف التي صار يستبقها الجمهور كاشفا ألعابها لكنه يشاهدها للتندر، كما عوَّدته طبيعة مشاهد بعض الأفلام التجارية المصرية للأسف. ولا علاقة لتلك المدينة المفبركة من قريب أو بعيد بإسكندرية يوسف شاهين، التي خصص على الأقل ثلاثة من عناوين أفلام سيرته الذاتية، تكريما لها. ومع أن "الإسكندراني" مُهدى إلى شاهين، فإنه للمفارقة، يجعلنا نتذكر مخرجا آخر، هو حسن الإمام، ونتساءل لمَ لم يُهدَ إليه، هو الذي كان يبحث بدأب عن إرضاء غرائز الجمهور ونزواته بخلطاته الميلودرامية التي لا تنتهي، ربما مثل خالد يوسف بالضبط.

font change

مقالات ذات صلة