كيف يؤثر التعرض المكثف للشاشات على التركيز والذكاء؟

من وفرة المعلومات إلى ندرة التركيز

Sara Gironi Carnevale
Sara Gironi Carnevale

كيف يؤثر التعرض المكثف للشاشات على التركيز والذكاء؟

ظهر مفهوم "اقتصاد الانتباه" للمرة الأولى في ورقة علمية منشورة عام 1971. ورغم أن هذه الورقة كانت ذات طابع تنظيمي وتقني في الأساس، فقد تحولت لاحقا إلى أحد أهم المراجع المؤسسة لهذا المفهوم.

كان من أبرز مؤلفي تلك الورقة هربرت سيمون، الحاصل على نوبل الاقتصاد، عالم الاقتصاد وعلم النفس الأميركي، الذي انتبه مبكرا إلى التحولات العميقة التي صاحبت بزوغ ثورة الحواسيب. فقد أدى التطور التقني إلى تسهيل الوصول إلى المعلومات بشكل غير مسبوق، كما أسهم انتشار المجلات والدوريات العلمية في توسيع نطاق تداول المعرفة.

وفي الفترة نفسها، كانت وسائل الإعلام قد نجحت في الوصول إلى شرائح واسعة من البشر حول العالم، مما أدى إلى تدفق هائل للمعلومات. ومع هذا الفيض المتزايد، لم تعد المشكلة في ندرة المعلومات، بل في ندرة القدرة على متابعتها، وهنا أصبح الانتباه موردا محدودا.

تناول سيمون في ورقته مسألة كيفية توزيع المؤسسات لانتباه فرق العمل بطريقة ذكية ومنظمة، بهدف الحفاظ على هذا المورد الثمين وتعزيز الإنتاجية. كما أشار إلى الجانب السلبي لوفرة المعلومات، موضحا أن كثرتها قد تتحول إلى عامل تشتيت يبدد تركيز المتلقين بدل أن يدعمه. وقد لخص فكرته في عبارة شهيرة قال فيها "في عالم غني بالمعلومات، فإن وفرة المعلومات تعني ندرة شيء آخر. ندرة ما تستهلكه المعلومات، وما تستهلكه المعلومات واضح إلى حد كبير، إنها تستهلك انتباه متلقيها". بهذه العبارة وضع سيمون أساس فهم جديد لطبيعة التحدي في المجتمعات الحديثة، حيث أصبحت المنافسة الحقيقية تدور حول جذب الانتباه لا مجرد إنتاج المعلومات.

ومع مرور السنوات، جاءت تسعينيات القرن العشرين لتشهد انطلاق ثورة الإنترنت، التي أعادت طرح مفهوم اقتصاد الانتباه بقوة على الساحة الفكرية. في هذا السياق برز اسم مايكل غولدهاير، عالم الفيزياء النظرية، الذي أثار جدلا واسعا حول الفكرة وروج لها على نطاق واسع، مستفيدا من التحولات التي أحدثتها الشبكة العالمية ووسائل الإعلام الجديدة.

في الثاني من ديسمبر 2024، اختارت جامعة أكسفورد مصطلح "تعفن الدماغ" للعام، في إشارة إلى تدهور الحالة العقلية الناتج من الإفراط في استهلاك محتوى إلكتروني منخفض الجودة يفتقر إلى القيمة

ففي مقال نشره في مجلة "وييرد" في ديسمبر/كانون الأول عام 1997، توقع أن تقود الإنترنت صناعة الإعلانات إلى مرحلة جديدة كليا، واقترح أن الانتباه سيصبح العملة الاقتصادية الأهم في المستقبل، متفوقا على المال نفسه. كما أشار إلى أن التنافس سيشتد لجذب هذا المورد النادر، وأن أي شخص يمتلك القدرة على لفت الانتباه سيتمكن من الوصول إلى جمهور عالمي واسع.

أ.ف.ب
فتى يبلغ من العمر 13 عاما أمام منزله في سيدني، وهو يتصفح مواقع التواصل الاجتماعي على هاتفه المحمول، في 8 ديسمبر 2025

اليوم، يبدو أن هذه التوقعات قد تحققت إلى حد كبير، إذ ارتفع معدل استخدام الشاشات بشكل ملحوظ بين الأطفال والبالغين وكبار السن على حد سواء. ومع هذا الانغماس المستمر في تدفق المعلومات، يظل انتباه الإنسان موردا بيولوجيا محدودا لا يمكن توسيعه بلا حدود. وهنا يبرز تساؤل جوهري: كيف يتأثر العقل البشري بهذا السيل الهائل من المعلومات؟ وهل ثمة علاقة بين ذلك وبين معدل الذكاء العام؟ تلك هي الحكاية التي نسعى إلى استكشافها.

التبلد العاطفي

في الثاني من ديسمبر/كانون الأول 2024، اختارت جامعة أكسفورد مصطلح "تعفن الدماغ" للعام، في إشارة إلى تدهور الحالة العقلية الناتج من الإفراط في استهلاك محتوى إلكتروني منخفض الجودة يفتقر إلى القيمة. وقد أثار المصطلح اهتماما علميا دفع مجموعة من الباحثين العرب إلى إجراء مراجعة سريعة لدراسات نشرت بين عامي 2023 و2024، لتحليل أسباب الظاهرة وتأثير أنماط الاستخدام الرقمي، مثل وسائل التواصل الاجتماعي والألعاب والتصفح العشوائي، على التركيز والذاكرة.

وأظهرت المراجعة أن تعفن الدماغ يرتبط بتأثيرات نفسية ومعرفية مقلقة، منها التبلد العاطفي، وتكون صورة سلبية عن الذات، والإرهاق المعرفي الناتج من التحفيز المفرط. كما ارتبط بسلوكيات مثل التمرير اللامتناهي للمحتوى السلبي والتصفح دون وعي، وهي أنماط ترتبط بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، وتراجع مهارات الوظائف التنفيذية كالقدرة على التخطيط، ودعم الذاكرة العاملة، واتخاذ القرار المتزن.

وتشير الأبحاث إلى أن منصات التواصل تعتمد على آليات مكافأة سريعة، مثل الإعجابات والإشعارات، التي تحفز إفراز الدوبامين المرتبط بالشعور بالمتعة، مما يدفع الدماغ لطلب المزيد من المحتوى ويطيل فترات الاستخدام. ومع الوقت قد يتحول ذلك إلى سلوك إدماني يعد من أبرز العوامل المساهمة في تعفن الدماغ.

كذلك يسهم تدفق المعلومات بكثافة في ما يعرف بزيادة العبء المعرفي، حيث تتراجع كفاءة المعالجة عندما يتلقى الدماغ معلومات تفوق قدرته في وقت قصير. وتعد الذاكرة العاملة، وهي نظام محدود السعة مسؤول عن الاحتفاظ المؤقت بالمعلومات لخدمة مهام مثل الفهم والتخطيط والحساب واتخاذ القرار، من أكثر الأنظمة تأثرا. فعندما ترهق بسبب التحميل الزائد، يصبح استيعاب المحتوى أصعب ويتراجع مستوى التعلم وفاعليته.

المسألة لا تقتصر على تراجع قدرات الذاكرة فحسب، إذ إن التعرض المفرط للشاشات والتدفق المستمر للمحتوى الرقمي قد يقود إلى تداعيات أعمق وأخطر

يمتد تأثير العبء المعرفي إلى الذاكرة الطويلة المدى، المرتبطة ارتباطا وثيقا بالذاكرة العاملة. فبينما تعد الذاكرة العاملة محدودة السعة، تمثل الذاكرة الطويلة المدى مخزنا شبه غير محدود تحفظ فيه المعارف والمهارات لسنوات. وتعتمد جودة التخزين في هذا المخزن على كيفية معالجة المعلومات أولا داخل الذاكرة العاملة. وقد بحثت إحدى الدراسات في هذه العلاقة، مركزة على أثر قوة المعالجة في الذاكرة العاملة على ترسيخ المعلومات واسترجاعها لاحقا.

شارك في الدراسة، المنشورة في دورية "نيتشر كوميونيكاشنز" في أغسطس/آب 2025، نحو 86 شخصا، وتضمنت ثلاث مراحل. في مرحلة الترميز شاهد المشاركون صورا لأشياء مألوفة في مواقع مختلفة على الشاشة وطلب منهم حفظها مع مواقعها. ثم جاءت مرحلة مهمة الذاكرة العاملة، حيث أخضعوا لمهام متفاوتة ركزت على بعض العناصر واختبرتهم فيها، بينما لم تختبر عناصر أخرى، بهدف التحكم في مستوى المعالجة والانتباه. وأخيرا، في مرحلة الاسترجاع، طلب منهم تذكر مواقع الأشياء اعتمادا على الذاكرة الطويلة المدى.

المادة الرمادية

وأظهرت النتائج أن العناصر التي حظيت بتركيز واختبار داخل الذاكرة العاملة كانت الأفضل استرجاعا، مما يدل على أن المعالجة القوية، بل وحتى مجرد الاختبار، يعززان ترسيخ المعلومات في الذاكرة الطويلة المدى. وتؤكد هذه النتائج الترابط المباشر بين جودة المعالجة في الذاكرة العاملة وقوة التخزين والاسترجاع في الذاكرة الطويلة المدى.

غير أن المسألة لا تقتصر على تراجع قدرات الذاكرة فحسب، إذ إن التعرض المفرط للشاشات والتدفق المستمر للمحتوى الرقمي قد يقودان إلى تداعيات أعمق وأخطر، خاصة بالنسبة إلى الأجيال التي ترى في مواكبة التكنولوجيا الحديثة امتيازا خالصا، بينما قد تحمل في طياتها تحديات معرفية ونفسية بعيدة المدى.

رويترز
أعلام الصين والولايات المتحدة مع شعار" تيك توك"

تعد المادة الرمادية عنصرا أساسا في الجهاز العصبي المركزي، إذ تحتوي على معظم الخلايا العصبية المسؤولة عن معالجة المعلومات والذاكرة والحركة والتحدث وتنظيم العواطف. ويتوزع وجودها في مناطق متعددة من الدماغ، ويعكس حجمها كفاءة العديد من القدرات الذهنية. وقد أظهرت الأبحاث أن التعرض المطول للشاشات يؤثر سلبا في هذه البنية العصبية.

ففي دراسة امتدت قرابة عشرين عاما، شارك 599 بالغا بمتوسط عمر 30 عاما عند البداية، وتابعهم الباحثون دوريا لتقييم عادات مشاهدة التلفاز. وعند وصولهم إلى نحو 50 عاما، استخدم التصوير بالرنين المغناطيسي لقياس حجم المادة الرمادية، وتبين وجود علاقة عكسية واضحة بين ساعات المشاهدة وحجمها الكلي. فكلما زادت ساعات المشاهدة انخفض حجم المادة الرمادية.

الإفراط في استخدام الشاشات ارتبط بانخفاض ملحوظ في الذكاء السائل، مما انعكس بدوره على تراجع الذكاء العام، في حين ظل الذكاء المتبلور مستقرا نسبيا

كما دعمت مراجعة علمية هذه النتائج، مشيرة إلى أن الإفراط في التعرض للشاشات قد يؤثر في نمو الدماغ، خاصة لدى الشباب والمراهقين، ويرتبط بزيادة أخطار الاضطرابات المعرفية والسلوكية والعاطفية، إضافة إلى تأثيرات محتملة على المادتين الرمادية والبيضاء قد ترفع من احتمالات الإصابة بأمراض الخرف مستقبلا.

وذهب مؤلفو المراجعة إلى أبعد من ذلك، إذ توقعوا أن تشهد الفترة بين عامي 2060 و2100 ارتفاعا في معدلات الإصابة بمرض الزهايمر وأمراض الخرف الأخرى يتجاوز تقديرات مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، التي رجحت تضاعف الأعداد. بينما تشير تقديرات المراجعة إلى احتمال ارتفاع المعدلات إلى ما بين أربعة وستة أضعاف. ويستند هذا الطرح إلى أن بيانات المراكز الصحية تعتمد في الأساس على أجيال ولدت قبل عام 1950، وهي أجيال لم تتعرض للتكنولوجيا الحديثة خلال مراحل النمو الحرجة للدماغ، على عكس جيل الألفية ومن تلاهم ممن ولدوا بعد عام 1980، وشهدوا انفجارا تكنولوجيا هائلا ترافق مع تعرض مكثف للشاشات منذ الصغر. ويرى الباحثون أن اتساع نطاق الخرف، خصوصا الزهايمر، بين الأجيال التي أفرطت في التعرض للشاشات قد ينعكس سلبا على الاقتصادات الوطنية، والحياة الاجتماعية، ويشكل عبئا ثقيلا على أنظمة الرعاية الصحية.

مورد بيولوجي محدود

لا يقتصر التأثير المحتمل على البنية الدماغية فحسب، بل يمتد أيضا إلى مستوى الذكاء. فالذكاء العام يتكون من نوعين رئيسين، هما الذكاء السائل والذكاء المتبلور. يشير الذكاء السائل إلى القدرة على التفكير المجرد، والاستدلال المنطقي، وحل المشكلات الجديدة التي لا تعتمد على معرفة سابقة. فعندما يواجه الفرد موقفا غير مألوف ولا يمتلك معلومات جاهزة للتعامل معه، فإنه يعتمد على هذا النوع من الذكاء، الذي يعد أساسا للابتكار والإبداع، لكنه يميل إلى التراجع مع التقدم في العمر. أما الذكاء المتبلور، فيعتمد على المعارف والخبرات المتراكمة عبر الزمن، ويزداد قوة مع العمر، مثل القدرة على تذكر معلومات تاريخية أو إتقان مهارة معينة اكتسبت سابقا.

وقد أجريت دراسة لقياس أثر التعرض المفرط للشاشات على مستوى الذكاء والانتباه والأداء الأكاديمي لدى 305 طلاب وطالبات بمتوسط عمر يقارب 20 عاما. وأفاد المشاركون بأن متوسط تعرضهم اليومي للشاشات بلغ نحو 7.1 ساعة. وخلصت الدراسة، المنشورة في "كيوريوس جورنال أوف ميديكال ساينس" في فبراير/شباط 2025، إلى أن الإفراط في استخدام الشاشات ارتبط بانخفاض ملحوظ في الذكاء السائل، مما انعكس بدوره على تراجع الذكاء العام، في حين ظل الذكاء المتبلور مستقرا نسبيا. كما سجل تراجع في مستوى الانتباه والأداء الأكاديمي، وهو ما يشير إلى تأثيرات سلبية واضحة على التحصيل المعرفي لدى من يفرطون في التعرض للشاشات.

وفي ظل هذا الواقع، يمكن النظر إلى الانتباه باعتباره موردا بيولوجيا محدودا، قابلا للاستهلاك كما تستهلك العملات. فنحن نعيش في عصر تدفق معلوماتي غير مسبوق، وهي بيئة مثالية لتعزيز أنماط الانتباه السطحي التي تعتمد على الاستجابة السريعة لمثيرات قصيرة ومكثفة، بدلا من الانخراط في تركيز عميق ومستدام. فعلى سبيل المثل، يؤدي الاعتياد على مقاطع الفيديو القصيرة والسريعة إلى ترسيخ نمط من الانتباه السطحي، إذ يعتاد الدماغ على التنقل السريع بين محفزات متلاحقة، مما قد يضعف القدرة على التركيز لفترات طويلة في مهام تتطلب جهدا ذهنيا متواصلا، مثل القراءة المتعمقة.

ولهذا أصبحت مقاطع الفيديو القصيرة من أكثر أشكال المحتوى جذبا للإنسان المعاصر، الذي تكيف مع الإيقاع السريع والمهام المختصرة. ومن هنا تتركز الحملات الإعلانية في هذه المساحات التي تضمن استحواذا سريعا على الانتباه. غير أن هذا النمط قد ينعكس سلبا على الحياة اليومية، حيث يلاحظ تراجع في معدلات التركيز والانتباه، بل وفي مستويات الذكاء العام لدى بعض الفئات، نتيجة الانغماس المفرط في الشاشات. وبذلك، يمكن القول إن العالم بات يتحرك وفق منطق اقتصاد الانتباه، حيث أصبحت المنافسة الحقيقية تدور حول موردك الأثمن: انتباهك أنت.

font change